علي البدر 

عرض تحليلي نقدي لقصة "الصرخة" علي الحديثي

1) ألقصة

ألصرخة علي الحديثي 

مزدحمة الشوارع بالخطوات المجنونة، مبعثرة هنا وهناك، الفضاء يضيق بالنظرات الملونة التي تتقاذفها العيون فوق الأرصفة.. بين المحلات، محيطة به كأذرع الأخطبوط، باحثاً عن مكان لا يراه فيه أحد ليخرجها إلى حيز الوجود، العيون _ كما يظن_ تترصده، الآذان تتجسس عليه، ما تحدث اثنان أو أشار أحدهم إلاّ شك في نفسه وداعبته الظنون أنه هو المقصود حتى لو كانت الإشارة في الاتجاه المعاكس...

أقلقته كثيراً شاعراً أنها تعرقل سيره وهي مخبوءة، لا يعرف عنها شيئاً، من أين؟ كيف؟ متى جاءت؟.. غير أنه متيقن من وجودها منذ أن عرف الوجود، وإلاّ لا يمكن أن تكون قريبة العهد به لتنمو بهذا الشكل المريب، كبيرة جداً بل فوق ما يتصور هو نفسه، حتى نسجت عناكب الشك حول عقله خيوطاً من أنها معه مذ كان جنيناً، ليزداد خوفاً وقلقاً حينما يحمل شيئاً أكبر منه، ولكن ألا يمكن أن تكون هي التي تحمله! فكل شيء جائز في عالم أبله...

ضاق بها ذرعاً وهي تعبث به، غاصّة في بحر دمائه من دون أن يستطيع فعل شيء، خُيِّل إليه أنه علبة ما وجدت إلاّ لإخفائها عن الأنظار، لا يستغرق استخراجها سوى ثانية أو أقل، إلاّ أنها ظلت تشتت دواخله، كل لحظة تمر به تبيعه عاماً مشوّهاً بالأحلام والأحزان، في غربة الليل المقفر، حيث العقول راقدة في غرفها المظلمة خلف الجدران، حين يوصد باب غرفته، ويشعر أنه بعيد بعد اللامتناهي عن البشرية الثرثارة، التي يؤلمه أنه منها، لا صوت إنسان يزعجه، لا نظرة عين تمزق وجوده، في الأماكن النائية، ليس سوى نباح الكلاب - الملكة التي لا تُنازَع في مملكة الليل - بإمكانه أن يتقيأها ويقذف بها، ولكن الشخص المسجون في أعماقه السفلى يرحل في نوم عميق أقرب إلى الموت منه إلى النوم، يستيقظ شخص آخر لا يعرف من يكون؟ ليخمد ما أوقد الراقد...

- أنت منهم، لا تختلف عنهم بشيء، أخرجها و لا تبالي بهم، ليسوا خيراً منك، أثبت أنك ملك نفسك، أنك تفعل ما تريد لا ما يريدون..

كلمات يهمس بها الشخص في أذنه، تنتابه رغبة عارمة لإخراجها بينهم، إنها المنقذ لوجوده، هكذا يراها، إنها ذاته.. إنها هو.. نعم.. هو.. إن خبّأها خبّأ نفسه، انتفض بشدّة وكل مسامة في جسده فم يصرخ:

- أرهم من أنت.... أرهم من أنت...

لم يشعر إلاّ بساقيه تعدوان بشراهة السجين حين يطلق سراحه، يعدو بعنف كأنه يُغلق بعدوه أفواهاً من الأرض كادت تبلعه.. 

- أرهم من أنت.. أرهم من أنت...

صوت يتساقط مع أشعة الشمس، يخرج من بين ذرات التراب.. من داخله.. من ملابسه.. حتى لسانه يبدأ ينطق بها بعدما صار دولة مستقلة عن جسده، راكضاً بين الشوارع والمدن، حيث تتشابك الخطوات بالنظرات، إلاّ أنها الليالي تلعب لعبتها، حائكة الثوب الذي ستُلبسه إياه، باثّة النعاس في ذلك الشخص ليصل إليهم والنوم يعانق عينيه عناق القبر لساكنه..

في الوقت ذاته، كان الراقد يستيقظ خطوة خطوة، وقف بينهم محملقين في هذا المعتوه الذي يركض أمامهم، أحس بذعر شديد وهو يقف وسطهم، هذا يترحم عليه، وذاك يضحك، وآخر مشدوه بما يجري، أيقن أنه بات ملغياً من حساباتهم، وأنه الآن في عداد اللا موجودين، اسمه منذ الآن لا محالة سيدرج في قائمة المجانين، والأطفال سيركضون وراءه بالطماطم وقشور الرقي، كان الغد يرتسم له في وجوه الناظرين له وصياح الأطفال، فرائصه ترتعد.. جسده يضمحل.. يده تعبث بالهواء تتقي بها ضربة الفراغ الممتد أمامه، لا شيء سوى الفراغ.. الظلام.. فراغ.. ظلام.. فرا.. ظلا.. فـ.. ظـ........لا.....

صرخة مزق بها حجاب الصمت البشري ...

لا يعرف بوجه من خرجت؟ ليسقط بعدهاً شاعراً بيد خفية ألقته بقوة على الأرض بعدما انتهت مهمته وخان الأمانة، وأخرج الصرخة المخبوءة في آخر لحظة من حياته.. إنها وجوده، تحطمت العلبة متناثرة أشلاؤها... خرجت ...

- من يُؤويني ؟

تساءلت الصرخة محدقة في العلبة التي كانت آمنة مطمئنة فيها، وبعد قليل ستُلّم أشلاؤها وتوارى، فزعت وهي تفكر بضياعها..

- لا.. لا.. إنه سيبقى.. نعم.. أنا سأبقى.. أنا منه.. أنا هو.. سأبقى.. سأبقى..

أخذت ترقص وتتجول بين الأرجل.. أمام العيون.. فوق الرؤوس.. وهي تغني:

- أنا سأبقى.. أنا سأبقى...

لا أحد يراها، لا أحد يسمعها ..

- ما هذا؟!

زعقت وهي تنتبه إلى ما ترى، عيون صماء.. آذان عمياء.. شلت الأرجل فلا أحد بعد اليوم يأكل بها، الأغلال كأنها الأفاعي التفت حول الأيدي، فعلى ماذا سيمشون؟

- يا إلهي...

صرخت مرة أخرى وهي تضم وجهها بين كفيها، ما أرى؟ عراة، رجالاَ ونساءً، بعضهم ينظر إلى بعض، نظراتهم سكاكين يجزون بها رأس الحياء ملقين بها في مزابل قاذوراتهم ..

- هل نفخ في الصور؟ 

التفتت يميناً وشمالاً .. 

ـ لا.. لا.. لم تقم الساعة بعد..

أخذت تتجول كأنها تبحث عن شيء والخوف قد ألجم فمها، فجأة توقفت وهي ترى مرآة، راحت تتجمل وتتزين لتنظر _ لأول مرة _ لنفسها..

وقفت.. نظرت.. هربت.. هربت.. ارتطمت.. سقطت.. دوار يعتريها، تساءلت :

- بِمَ ارتطمت؟

نهضت، فتحت عينيها كأنها تلتهم الزمن اللا متناهي بهما..

- قفل؟!

تلمسته، حاولت رفعه.. تحريكه.. ثقيل، ثقيل جداً، تساءلت ساخرة :

- كيف يحملونه؟ أم إنه وسام الصمت؟ نعم، وسام الصمت، لا بد أنهم فخورون به.. أغبياء..

تحركت شفتاها بكلمتها الأخيرة وصقور الغضب تحلق بها عالياً في سماء الوهم:

- سأحطمه، وليكن بعدها ما يكون..

وقفتْ بعيداً عنهم.. تركض.. تركض.. تر.. تطم.. تسقط.. ما زال كما هو، عاودت مرة.. مرتين.. آلاف المرات، كل شيء كما هو، يتفرقون، يتملكها الفزع وهم يتركونها وحدها في العراء، صرخت، حاولت الإمساك بهم، لا جدوى، من يراها؟ من يعرفها؟ لا أحد في الشوارع سواها وهذه الأشلاء المبعثرة، أحست برغبة غريبة لا تعرف: أهي الضحك؟ أم البكاء؟ إنهما سواء، علام الضحك وعلام البكاء؟

استلقت فوق الأرض، مدت ساقيها في الشوارع والدروب، كلما مرت بدار أغلقت الباب بوجهها، فتحت ذراعيها تحتضن السماء بعدما يئست من الأرض وهي تضحك.. تضحـ... تضـ............

==============================

2) العرض التحليلي النقدي

رغبة ملحة دفعتني لأن تكون هذه القصة بين يدي لتحليلها لما تحتويه من ثيمة theme شبه نادرة توقفت كثيرا عندها لأنها تحتاج الغور في أعماقها والتأني في كل سطر من سطورها. لقد حاولت حذف بعض الكلمات أو الأسطر من القصة لأيجاد نقطة ضعف فيها، لكنني لم أستطع لأن الكاتب قد نحت سطورها وهذب كلماتها وبنفس الوقت كساها بصبغة من العمق ليحاول لاحقا فك رموزها ولكن بمتاهة تحفزنا على البحث للخروج منها ومن ثم الربط بين الحبكة الرئيسية التي تبدو معقدة ِComplicated main plot والتفاصيل الأخرى المتفرعةSubplot details .

ضغط وتوتر مؤلم في أعماقه.. ورثه من أسلافه.. ولكن ألم يحن الوقت للبركان أن ينفجر؟ ومن يبدأ بالشرارة الأولى والعيون في كل مكان تفقده الأمان وتترصده والأذان تتجسس عليه.. أجل هكذا يعيش الانسان مرعوبا فاقد الأمان وهو وسط أهله . عيون نظراتها تسلب الأرادة ،تولد الرعب في النفوسو تمنح الصمت والجبن في أعماق الذات ليبقى هذا الأحساس معنا وليفقدنا مشاعر الود حتى من نظرات العيون البرييئة.. كل شيء يهددنا عندما تنعدم الثقة ويحوم الشك وينبت في صدورنا راسخا تتوارثه الأجيال. نخاف من أقرب صديق أو حتى من طفلنا رغم أنه تربى بين أحضاننا..ينتابنا شعور بالذنب لجرم لم نقترفه، فكل مواطن يتهم ذاته لاشعوريا ويجعله متحسبا لشر قد يداهمه ويعلم انه قد يختفي من الوجود والى الأبد. ولكي يبتعد الكاتب عن المباشرة في السرد قال: ( أقلقته كثيراً شاعراً أنها تعرقل سيره وهي مخبوءة، لا يعرف عنها شيئاً، من أين؟ كيف؟ ومتى جاءت.) ياترى ما الذي أقلقه وما السبب في توتر يفقده صوابه وقوته في مجرى حياته. انها تلك الرغبة المكبوتة لا اراديا . أجل الصرخة التي يريد تفجيرها لكن الرعب الذي توارثه يحول دون ذلك.. لاشك انه يعرفها ومنذ زمن غير محدود من ملامحها وضغطها وأيضا من شكلها (المريب، كبيرة جداً بل فوق ما يتصور هو نفسه، حتى نسجت عناكب الشك حول عقله خيوطاً من أنها معه مذ كان جنيناً، ليزداد خوفاً وقلقاً حينما يحمل شيئاً أكبر منه). قوتها حصيلة زمن طويل متوارث. أجل زمن يعطي تراكما من الرعب يجعلها صرخة مدوية تنهي بصاحبها والى الأبد. وهكذا أصبح صماما يكتم انفاس صرخة تشتت أعماقه لكنه يمتنع عن الصراخ رغم احتياجه لدقائق بل ثوان لأخراجها. وكل لحظة كبتها تعادل عاما ثقيلا وليلا حالك الظلام..وياترى هل يهرب بعيدا ويصرخ هناك براحته كما تنبح الكلاب؟ يصرخ؟ ولمن يصرخ؟ ولكن أيبقي كصندوق يحبس صرخته كأمانة الى الأبد.. لا . لابد من الصراخ وأخيرا تعالى صراخه وانطلق لسانه هادرا غير مبال بالنتائج الوخيمة التي تنتظره وماذا ينتظره غير الموت ولا بأس به ما دام ينتج ولادة حياة حرة تتقطع فيها الأغلال.. ولكن أيكون ذلك؟ وهل تثمر الصرخة بدون تشابك الأيادي وتوحيد القلوب والأرادة؟ انه الخذلان.. أجل بدون ذلك خذلان ونكوص قد يكون أبديا أو طويل المدى وللأسف فقد اصطدمت الصرخة وهي في هستريا الهياج الممزوج باليأس، بقفل تقيل أثار استغرابها وكأنها تقول أيها الشعب كيف تتحمل هذا السجن وتبقى صامتا مستهزءا بمن تثور جوانحه ويتفجر بركان أعماقه. (تلمسته، حاولت رفعه.. تحريكه.. ثقيل، ثقيل جداً، تساءلت ساخرة : - كيف يحملونه؟ أم إنه وسام الصمت؟ نعم، وسام الصمت، لا بد أنهم فخورون به.. أغبياء..) 

. توصد الأبواب أمام الثائرين لتلفهم العزلة ويفقد الحضن الذي يمنح الأمان والديمومة لمن يرفض كتمان صراخه..لقد صرخ ومات لكن صرخته بقت باحثة عمن يأويها.. تخلوا عنها حتى من ساندها تركها لاهثة.. (صرخت مرة أخرى وهي تضم وجهها بين كفيها، ما أرى؟ عراة، رجالاَ ونساءً، بعضهم ينظر إلى بعض، نظراتهم سكاكين يجزون بها رأس الحياء ملقين بها في مزابل قاذوراتهم ..- هل نفخ في الصور؟) بالطبع لا، فلم يحن الحساب بعد لأن الكثير من الزيف لازال مخبوءا والكثير من الخنوع والرياء لازال متجذرا في الأعماق. أرادت الصرخة تغيير الواقع المؤلم الجاثم على الصدور لدهور تقيلة . أجل صرخة مدوية، لكن الخوف والرياء قد انكشف تماما "فثوب الرياء مهما التحفت به فانك عار". ان العري في القصة لا يعني بالضروره وضعا ماديا وانما أراد الكاتب باستعارته أن يوضح سببا عقلانيا لفشل مساعي التغيير وقد أجاد باستعماله استعارة ذكية جدا.

لقد تألق الكاتب في هذه القصة وهي صرخة نقية تدعونا للتوحد ضد الخلل وعدم احترام الأنسان وهذا لن يكون الا بتظافر الجهود والتاخي وعدم غلق الأبواب والاستهزاء بمن يريد التغيير... وأن نفتح أذرعنا نحتضن السماء ونزرع أرضنا أزهارا تورق كل يوم لتمنحنا الأمل والعطاء والتفاؤل..ونحن نبتسم ونضحك... نضحك.... نضحك..

الكاتب علي الحديثي.. أسمح لي أن أقول لك أنك مبدع وكاتب متميز بجداره وبذلت جهدا استثنائيا بهكذا قصة. تحياتي..

علي البدر

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 60 مشاهدة
نشرت فى 25 يونيو 2016 بواسطة salam20000

أياد الخياط

salam20000
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,051