<!--
كنت معجباً به، تسحرني كلماته، وتزدهيني توجيهاته
وكان يسرني أن أنجح مثله في حسن البيان، وقوة التأثير .
ولكنني لم أحاول التشبه به أو متابعته على طريقته، وأحسبني لو حاولت لفشلت، لأن طبيعتي تغلبني .
إنني أسير وفق خصائصي النفسية كما يسير القطار على قضبانه، عندما أخرج عنها أتوقف لفوري .
وقد عرفت جماً من أصحابي يقلدون الرجل فيما دق أو جل من شأنه كله، ويحبون في التقرب إليه أن يكونوا صوراً متشابهة من أعماله وأحواله .
ولما كان أستاذنا قد اشتغل قرابة عشرين سنة مدرساً في المرحلة الأولى من التعليم، فقد جرت على لسانه كلمة "صح" التي طالما قالها لتلامذته في فصول المدرسة، كذلك شاع في تصرفه الربت على الكتفين، مظهر العطف والحنو اللذين يبديهما نحو أطفال المرحلة الأولى، والغريب أن مقلديه من طلاب الزعامة تابعوه في هذه الكلمات والحركات، كما تابعوه في حفظ خطبه ومقالاته .
وقد تشاءمت من هذا الذوبان السمج وتوقعت السوء منه على الرجل وعلى مقلديه جميعاً، لأن الصدق والإخلاص والإنتاج والمناصحة والحقيقة نفسها تضيع في هذا الجو المفتعل من التمثيل الرديء أو المتقن .
لماذا لا ينمو الرجال على فطرتهم التي خلقهم الله بها كما تنمو أنواع النبات في مغارسها، لا النخيل تنمو أعناباً، ولا الثمار تحاكي غيرها في طعم أو لون .
إن أيسر شيء على الشخص المقلد أن يلغي شخصيته أمام من يفنى فيهم .
فإذا أبدو رأياً أيده، وإذا طلبوا مشورة تحرى الإدلاء بأقرب الأمور إلى هواهم..!!
وقد قلت يوماً لبعض هؤلاء المقلدين: ما هكذا كان يعامل أصحاب محمدٍ محمداً r ، وهو المثل الأعلى للخليقة!! .
فعندما استشار أصحابه في أسرى "بدر" انطلق كلٌ على سجيته يبدي ما عنده، كما يعتقده .
فـ"أبو بكر t" يؤثر الصفح، و "عمر t" الصارم يرى العقوبة .
وقد عقب رسول الله r على مشورة صاحبيه بأن شبه هذا بـ"إبراهيم u" الذي قال لقومه: { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} ، وشبه ذاك بـ"نوح u" الذي قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً} .
وظاهر ان كلا الصاحبين تحرى الحق كما يهديه إليه تفكيره المستقل، ومزاجه الخاص في علاج الأمور .
وهذا المسلك الحر المنزه عن الملق والميوعة هو الإسلام: { فطرة الله التي فطر الناس عليها } .
وبهذا الضرب من الشمائل النظيفة والسجايا الأبية النقية التف حول رسول الله أناس لا يرى أحدهم مانعاً البتة من أن يطلب إليه تغيير منزله في ميدان القتال لأن الأفضل كذا، ويرى رسول الله r الصواب في مشورة صاحبه فيأخذ بها .
************************************************
إن خروج الانسان على سجاياه، وانفصاله عن طباعه العقلية والنفسية التي لا عوج فيها أمر يفسد على الانسان حياته ويثير الاضطراب في سلوكه .
وقد علمت قصة الغراب الذي راقه المشي على الأرض، فلا هو استطاع الخطو كما يبغي، ولا هو استطاع الطيران كما خُلق .
" إنه عسير جداً على الانسان مهما حاول أن يكون غيره "
سمية عثمان فلاتة
3453714
الشعبة: SP
بتاريخ: 14-12-1434هـ

