الترميم وإعادة البناء<!-- Header: [end] --><!-- Text: [begin] -->
تشير كل الدلائل العقلية والنقلية إلى أن أرض العراق أكتنفت مهد التمدن وأحتوت على باكورة العمائر. ونصل خلال رحلة البحث والتدقيق، إلى أن جل عناصر العمارة المتواجدة اليوم كانت جذورها عراقية،و قد وردت من ثنايا تدخل العقل الإنساني من خلال سطوة العلم والتأمل،موجهة لمهارة الأنامل في الإرتقاء بوسائل الإبداع بما سخرته من حذلقة تصاعدية في الأداء ليصب في أغراض راحة الإنسان وتسهيل حياته ،وهي بحد ذاتها سنة التطور لسنن البشر وإرتقاء نوعه من البدائية إلى الحضارة.
لاشك أن لطين العراق المهين،أثره في فذلكة الإنسان بقصد التغلب بسطوة العقل على تلك الدعة المتصفة بها تلك الخامة،فصنع من القصب والبردي (صرائفه) التي توجت بإختراع الطوب ثم الآجر(الطابوق) ،والأهم في تلك الشجون التطورية صنعه من تلك الوحدات الطينية عناصر العمارة مسترسلا من أشكال القصب الأولى ،وطور عناصر الإنشاء الحاملة والمحمولة،ولاسيما المحمولة منها والمتعلقة بالأسقف التي تعتبر جوهر وغاية العمارة. و اقتضى الأمر أن يخترع العراقيون العناصر الأساسية الثلاث في عقادة السقوف،وهي القوس(العقد) والطاق (القبو) وكذلك القبة.وفي خضم الخذلقة في الإرتقاء بتلك العناصر أنتجت العمارة جل العناصر الوظيفية والجمالية وحددت حتى هيئة المساقط بحسب معطيات خاماتها وسطوتها ومداها التحملي. وشهد العراق أول تجربة لعنصر الحوش(الفناء أو بالباحة)، وشهد أول تجربة لعمل مبنى متعدد الطوابق ،واستعملت السطوح للنوم عليها منذ أيام أور وأوروك ،ونجد تجارب بابلية لعنصر البادكير(الملقف) البيئي.وهكذا وائم العراقيون العمارة مع معطيات بيئتهم، حتى أمست حلولهم قاعدة توائم حسب الحاجة،متماشية مع عمائر كل الشعوب حتى يومنا هذا.
ولكل من عناصر العقد والطاق والقبة قصة مع الزمن،وكيف نشأفي الأصقاع العراقية ،والفضل يعود لمعاول الحفريين منذ أن شرع بوتا القنصل الفرنسي في الموصل عام 1840 ،و كانت مفاجأتهم دائما كبيرة حينما وجدوا في مدن العراقي الرسوبي ولاسيما السومرية، أقدم تلك العناصر على الإطلاق ،وتوصلوا الى صيغها البدائية الأولى ،قبل أن يتطور ويأخذ حالة الثبوت والمكوث.وهكذا لفت هؤلاء النظر إلى وجود أقدم الأمثلة لعناصر العمارة .كل ذلك ما يشجع على تبني خطه عالمية بإحياء هذا التراث كونه تراثا عالميا مشتركا،تتعدى ملكيته أهل العراق،وهذا ما يجب أن نسعى له جميعا من مجتمع مدني وحتى السلطات الثقافية والسياسية.
أجد في ستوكهولم متحفا للعمارة، بالرغم من أن أهل السويد مكثوا حتى قبل قرنين يبنون بما تجود عليهم الطبيعة ولاسيما من خامة الخشب،ولم يحاولوا تطوير مهارة بما لم تقتضيه حيثيات البناء به، كونه مادة مقاومة إنشائيا .وبالرغم من سقم مسار التطور لهذه الخامة الجاهزة التي لا تحتاج الحذلقة،فلم يمنع الأمر القوم في السويد بأن يشيدوا متحفا للعمارة مع اعترافهم بأنهم لم يشاركوا في تطويرها في التاريخ البشري مثلما العراقيين الأوائل.وهنا نلتقي على شقي نقيض بما هو متوفر في العراق،فثراء التراث المعماري لا يمكن أن تحتويه المتاحف بما يتطلب إنشاء متاحف مفتوحة بما يقتضي عملية ترميم واسعة لمدن يمكن أن تمكث كمتاحف في الهواء الطلق،يمكن أن تكون شاهدا على تاريخنا،وجاذب لعشاق الجمال و العلم ومتتبعي البحث و الثقافة،بما يمكن أن يشكل مشروعا حضاريا ذات صفة استثمارية ،و ربحية ، بعدما أفتقد العراق خلال حقبة البعث الكلحاء خلال أربعة عقود أي توجه صادق بهذا المنحى ،حينما وظفت أموال العراق للحروب والدمار أكثر من الاستثمار في عمليات ترميم واسعة وفعالة ومثمرة.
وجدير بنا هنا معرفة عملية الترميم التي هي صيانة المبنى أو المدن من الخراب الذي ألم بها ،وتستعمل عادة للمباني والمواقع التاريخية ومحاولة إعادة المبنى والموقع الحضري إلى حالته الأصلية عن طريق إعادة بناءه او إصلاحه حسب ما تتطلبه حالته .وقد تطورت لتصبح علم قائم يتبع تأريخ العمارة ويختص به نفر من المعماريين ،وقد ترادف مع معاني تصب في نفس الهدف مثل صيانة او محافظة Conservation او تجديد Renovation او إعادة بناء Reconstruction. ومن المعلوم أن المباني والمدن التاريخية لدينا في العراق تعاني من العتق والهزال بسبب تقادم الزمن عليها،أو الإهمال أو التقويض الذي مارسه مسيري العمران حينما غاب عن ضمائرهم الحس الحضاري،وشعورهم بقيمة الأثر، ولدينا مثال أمناء بغداد أيام الحكم الملكي(حسام الدين جمعه) و(أرشد العمري) الذين هدموا أجمل معالم بغداد الأثرية بحجة توسعة شوارع أن إنشاء عقار حداثي او عمل ساحة عامة أوموقف سيارات ،كما حدث مع الخان المتاخم لساحة الشهداء عام 1965.
كل تلك الإنتهاكات وعوادي الزمن تستدعي عملية منظمة، تدخل فيها العلوم والتقنية والفنون والعمارة والتاريخ على قدم وساق لتشارك في عملية تخليص المبنى مما يعانيه من عوامل الخراب الطبيعية كالرطوبة وعوامل الهدم او الحث والتجريد بفعل الزمن ، ويتطلب محاولة إعادة صنع مواد البناء الأصلية او إعادة إنتاجها بنفس المواصفات ومحاولة استعمال نفس التقنيات المتبعة لدى إنشاء المعلم ،بما يهب العملية مصداقية تاريخية تعيده إلى أقرب صورة كان عليها،وهي بحد ذاتها عملية مكلفة وذات نفس طويل وتستحق الرعاية،كونها عملية تراتبية علمية ( process). يمتد شوط العمل فيها من التخطيط السليم والمنهجي المعتمد على كل المعطيات حتى الشروع بالتنفيذ الذي يبدأ بعمل ابتدائي لإزالة حطام كبير من صلب البناء او ما علق به أو عطب منه أو أضيف إليه بما لا يمت للأصل بصلة، حتى العمليات التشطيبية التي تحتاج يد عاملة ماهرة ومعلمي للحرفة(artisan ) يكون وجودهم ضروري،بما يجعل إعدادهم علميا يقع من ضمن مقتضيات العمل.
والعراق والعالم الثالث عموما يأن من ضعف الحال في هذا إختصاص الترميم الذي يتطلب مهارة وتحضير علمي وتقني عالي ناهيك عن سخاء التمويل الذي يؤمن ديمومة العمل . وعادة ما نجد الحكومات تلجأ للأسلوب المقاولاتي في ترميم المباني بما يفقدها نفس العلمية،ويفقدها صلتها بأصلها،كونه عمل يعتمد على سباق الإنجاز وسهولته وإعتماده على خامات حداثية .وقد لمسنا من تجربتنا بأن ثمة الكثير من المعالم ترمم بخامة الأسمنت،وهي كما هو معروف تؤدي لتآكل مادة البناء الطبيعية من آجر وحجر،ولكن إنقطاع الجذور مع التراث وغياب الخطة والمتابعة المعمارية يؤدي إلى خسارتنا للمعلم. وإذ أفضل شخصيا أن يترك البناء على حاله،ومحاولة إسناد هيكله لدرء الإنهيار أو تنقيته من الهزال، أحسن من ترميمه عشوائيا. و لدينا أمثلة مدن سومر التي نحمد الله أن حفظتها الأتربة والرمال لألاف السنين قبل أن يشرع العابثين والمنقبين الفوضويين والسراق وجيوش الاحتلال اليوم من تشويهها.
ونجد في هذا السياق اليوم الوزيرة العراقية (نسرين برواري) تعطي الضوء الأخضر لترميم المدن التاريخية دون الرجوع لخطط عمرانية ومعمارية ،بحجة تسريع عملية الترميم،وكأن تخريبها على عجل أحسن من مكوثها وإصلاحها بعقل.وقد ارتضت الوزيرة أن تعلن عن مناقصة مقاولاتيه لعملية الترميم و،وسارعت في قبول العطاءات وإرساءها لمقاولين (مختارين)،على هواها ،بما يجعل العملية فاشلة من الأساس ،بما يستدعي تدخل هيئات المجتمع المدني الذي يبقى الأحرص على تراث البلد وثقافته من الإداريين والساسة،ولاسيما عندما تفسد تلك الإدارات بما ورثناه من سلطة البعث الساقطة،وتتبع السياسة عمليات المحاصصة والفرز المقيته.
يمتد شوط عمليات الترميم في العراق من مدن سومر بطبقاتها المتراكمة حتى مدن الإسلام كواسط وسامراء التي تحتاج العناية نفسها. ونضرب مثال سامراء مثلا التي تعتبر اليوم من أكبر المواقع الأثرية في العالم حيث تمتد على مسافة 70 كيلومتر،وتحوي على انتاج وحوصلة الفكر التخطيطي والتقني في العالم عند تأسيسها عام 833م.وإذ نشيد بتجربة عالم الحفريات الألماني هرتشفيلد الذي نقب خلال النصف الأول من ثلاثينات القرن العشرين وكشف لنا الكثير من بواكير عناصر العمارة الإسلامية.ومازال الجص المنقوش في ثنايا بنائاتها يشكل باكورة ذلك الفن العراقي الذي أمتد وتوسع شوطه بين أقطار الإسلام،وأمست المغرب اليوم مشهوره بصناعه.والحال نفسه ينطبق على مدينة واسط الأموية التي أهملت ،وكذلك الحال لمدن البصرة والكوفة القديمتين. وهاهو قصر الإمارة مازال يقبع تنازع أساساته وحيطانه القاعدية النفس الأخير.
ومثلما نتحمس لترميم مدن أور وأوروك وإعادتها للحياة شاخصة ضد عوادي الزمن ،نطمح إلى إحياء مدينة بغداد التاريخية ونقصد(مدينة السلام) المدورة التائهة اليوم في بساتين الشالجية،والتي كشف العلماء ومنهم مصطفى جواد وكريزويل عنها في الأربعينات.وهي بناء مدور قطره حوالي 3000م،يمكن أن يكون (إعادة بنائه) بحسب ما أعاد تخطيطه الإنكليزي كريزول،نفحة حضارية في إحياء أرث العراقي البنائي،وتوظيفه كمجمع ضخم متعدد الوظائف الثقافية والإقتصادية ،و بالنتيجة يمسى مشروعا ربحيا ذات جدوى إقتصادية.
ولا غرو في الأخذ بتجارب الشعوب في ذلك المضمار ،والقدوة التي يمكن تعلمها،ولاسيما إن لدينا أرث الدنيا . ويمكن الإقتداء بما فعله البولونيون عندما أعادوا المدينة القديمة (ستارا مياستا) إلى رونقها الأول واجمل بعد محوها مع الأرض بعد قصف النازية لها في الحرب الثانية ،وكذلك الحال مع عملية الترميم الممنهج لمركز ستوكهولم الحضري(كاملا ستان) التي تعتبر من أكثر التجارب الناجحة في ترميم وإعادة توظيف المدينة القديمة لأغراض تجارية وإدارية وسياحية وترويحية وترويجية ،بما أعطاها حياة بعد أن كادت أن تموت وهجر الناس مبانيها المتداعية.والأمر عينه يمكن أن يطبق على أحياء بغداد والنجف وكربلاء والموصل وكركوك وعنه الباقية تصارع الزمن،بحيث يتم إبعادها عن حركة النقل المديني،وتخصيص لها عملية محافظة على البنية الشوارعية والمعمارية ،وتنفذ عمليات تحسين الأداء التقني في مقاومة مبانيها لدرء عوادي الزمن،ثم جعلها تباعا مراتع للراحة وتوظف للحياة العامة التجارية والسكنية والثقافية.
<!-- Text: [end] --><!-- CONTENT ELEMENT, uid:1266/text [end] --> |
ساحة النقاش