ليست قضية المطالبة بإعادة النظر في قوانين الانتخاب، وتحديدا توزيع المقاعد الانتخابية لتلائم التركيبة الديموغرافية والجغرافية بالأمر الجديد، أو هي حكر على دولة دون أخرى؛ فهذا موضوع مطروح في الأردن، والكويت، والبحرين، والعراق؛ ويتوقع أن يكون مطروحا في أغلب الدول العربية، وفي أي دولة يشكل العامل الطائفي، أو القبلي، أو العرقي، أو المهاجرين جزءا من سمات التركيبة السكانية.
لكن إثارة السؤال استنادا إلى المطالبة بإنصاف مجموعة ما بصفتها تشكل نسبة ما من السكان، أو إنصاف الأخرى استنادا إلى حقوق تاريخية، والدخول بالتالي في لعبة المقارنات بين نسب وتصنيفات السكان، هذا السؤال قد يثار بطريقة خاطئة، تؤدي إلى الإضرار بالعملية الديمقراطية والتنمية والانصهار، من دون أن يعني هذا تأييد أي تحيز مقصود لفئة من دون أخرى؛ إن كان التمييز بين الفئات ممكن أصلا. وفي الحالة الأردنية، تحديدا، فإن استمرار الحديث عن مجموعات ونسب سكانية أمر غريب، وغير مجد.
وبداية، ليس مطلوبا من الأنظمة الديمقراطية والانتخابية أن تعبّر دائما عن نسب سكانيّة صماء، أي أن يكون لكل عدد من المواطنين نسبة متساوية من الممثلين، وهذا الأمر لم يحدث حتى في أكثر الدول الديمقراطية عراقة. ويمكن هنا أن نتحدث عن مثالين من خارج الأردن. الأول، هو دول الخليج العربية، حيث يتكون المجتمع من مواطنين عاش أجدادهم لقرون في تلك البلاد، ولهم أطرهم القبلية الفاعلة والمستقرة والمنتشرة، كما أن هناك مواطنين جاؤوا إلى البلاد في القرنين الماضيين، تعكس أسماؤهم وسيرتهم انتماءهم العرقي والطائفي، وأصولهم الجغرافية. وباعتقادي، فسيكون من الخطأ بناء نظام انتخابي يُسقط هذا التطور التاريخي من حسبانه.
وهذا لا يعني تبريرا لعدم المساواة، ولكن أي تغير اجتماعي سريع، يؤدي إلى خلخلة الأدوار والمكانات الاجتماعية بشكل سريع أيضا، ستكون له آثار مضرة بالجميع، وبعملية الإصلاح والتنمية. فمثلا، إذا شعر وجهاء وقادة العائلات والقبائل بتراجع مكانتهم فجأة، فسيناهضون العملية الديمقراطية بمجملها. لذا، فالتدرج (حرصا على نجاح العملية الانتخابية) أمر مطلوب.
والمثل الثاني الذي يوضح خطأ الركون إلى الأرقام الإحصائية في تحديد توزيع المقاعد الانتخابية، هو المثل الأميركي الشهير. ففي مجلس الشيوخ الاميركي، تحصل كل ولاية على عدد مقاعد متساو (مقعدان) بغض النظر عن عدد سكانها، في ما تحصل كل ولاية على عدد من المقاعد بالنسبة إلى عدد السكان في مجلس النواب. وهذا النظام تم فرضه أثناء وضع الدستور الأميركي في العام 1787، عندما رفض ممثلو الولايات الصغيرة الركون إلى عدد السكان لتحديد مقاعد كل ولاية في المجلسين.
كما أن توزيع المقاعد في الولايات لمجلس النواب أصبح يعني أن 26 ولاية صغيرة، نسبة عدد مواطنيها مجتمعين أقل من ثلث عدد الأميركيين، يحصلون على أغلبية عدد مقاعد مجلس النواب، وهو ما يجعل النائب عن ولاية مثل كاليفورنيا يمثل نحو 650 ألف مواطن، فيما يمثل النائب في ولايات صغيرة عددا قد لا يتجاوز 170 ألف مواطن. أي أنّه من الناحية الإحصائية يمثل بعض النواب 4 أضعاف ما يمثله آخرون.
وهذا التوافق يعكس إدراك الحاجة إلى التدرج في العملية الديمقراطية، والإقرار أنّ المقاعد لا توزع استنادا إلى نسب إحصائية مجردة. ولو تم الإصرار على النسب الإحصائية، لرفضت الولايات الصغرى الدخول في الدولة الأميركية الموحدة.
وفي الأردن، فإن الحديث عن نسب سكانية هو طرح غريب لسببين: الأول، حالة التمازج والتزاوج بين "الأصول والمنابت"، واستحالة الحديث عن نسب سكانية؛ وثانيا، أن درجة الانصهار والشعور بالمواطنة آخذان بالتجذر في الأردن، شأنه شأن جميع الدول العربية التي نشأت في القرن العشرين. والأجيال التي ولدت في الأردن تدرك وتعي وتشعر وتدافع لا عن حقوق المواطنة فحسب، بل وعن واجباتها في المواطنة أيضا. ويجب أن يكون ذلك من دون أن يقلل من الانتماء والالتزام بالهويّات والقضايا العربية والإسلامية والفلسطينية والاجتماعية والعائلية أو يتعارض معها.
وأي برنامج إصلاح حقيقي يجب أن يبنى على أساس الدفاع عن حقوق المواطنة المتساوية، في شؤون العمل، وحرية التعبير، وتكافؤ الفرص، مع إدراك أن مسألة المقاعد البرلمانية ليست أولوية. والأصل هو الحديث عن إصلاح البرلمان قبل الحديث عن مقاعده، كما الأصل أنّ المرشحين يخوضون الانتخاب استنادا إلى برامج وعقائد، لا إلى انتماءات "جهوية"؛ فالأولوية إصلاح قانون الانتخاب وإحداث وعي يؤدي إلى التخلي عن التصويت على أساس انتماءات ضيقة.
كذلك، فإن حصول المناطق غير الكثيفة سكانيا في الجنوب والشمال على عدد أعلى من المقاعد مقارنة بما تعطيه نسب التوزيع السكاني مهم لسببين: الأول، أنّ أبناء هذه المناطق، في جزء كبير منهم، موجودون في عمّان والزرقاء؛ وثانيا، أنّ تحقيق التوازن في التنمية يتطلب نوعا من عدم المساواة النظرية، لصالح تحفيز التنمية في تلك المناطق، لأنّ التنمية المتوازنة هي التي يمكن أن تنهي ثغرات التركيبة السكانية والاجتماعية.
وأعطي مثالا عمليا على ما يجب أن يتبناه الإصلاحيّون، وهو مدينة العقبة. فنجاح مشروع تحويل العقبة إلى منطقة اقتصادية مزدهرة، وفق أسس سليمة تخدم المواطن والمستثمر المحلي، سيؤدي إلى زيادة عدد سكان منطقة العقبة، وسيؤدي إلى أنماط إدارة وتفكير جديدة، كما إلى علاقات اجتماعية وأنماط سلوك يومية جديدة، وبالتالي إعادة توزيع سكان الدولة ككل -على نحو شبيه بما حدث في مدينة مثل بانجالور الهندية، التي تحولت إلى قاطرة النمو الاقتصادي الهندي القائم على المعرفة وتكنولوجيا المعلومات- وإعادة بناء المجتمع على أسس الإنتاجية الفردية والإبداع.
من هنا، فإن الإصلاحي الحقيقي سيدافع عن الكفاءة في الإدارة، والشفافية، وعن محاربة الفساد، وتكافؤ الفرص استنادا إلى الكفاءة بعيدا عن الواسطة والجهويّة، تحقيقا لتنمية متوازنة ستؤدي إلى إعادة رسم الخريطة السكانية كميّا بين المحافظات، وتؤدي إلى تراجع تدريجي للبنى التقليدية للمجتمع لصالح بنى حديثة لا تُعلي شأن الانتماء العائلي والجغرافي، بقدر ما تجاهد لإفراز مجتمع منصهر، قائم على تبني برامج ورؤى سياسية واجتماعية واقتصادية مستندة إلى هوية وطنية محورها فكرة "المواطنة".


ساحة النقاش