جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الحضارة الإسلامية و صياغة مستقبل البشرية
|
|
لا يخفي افرام كارش الجانب الذي يتخذه في هذا الكتاب بين اتجاهين. ويمكن للقارئ ان يعرف في الحال ان كارش نصير للغرب، على الرغم من كل شيء، عندما يتعلق الأمر في المجابهة مع الاسلام. ويمكن للقراء المسلمين ان يحترموه لأنه بينما يظهر الاسلام باعتباره خصما يتصرف ازاءه باحترام. فأن تكون مكروها لأسباب صحيحة أفضل من أن تكون محبوبا لأسباب خاطئة. وباستخدامه مصادر غربية واسلامية يدحض كارش موقف التبريريين بإظهار ان سوء الحظ الذي أصاب المسلمين كان، في معظم الأحيان، من عمل أيديهم. لنقل من البداية إن قراءة هذا الكتاب، بالنسبة لأي مهتم بالجدال حول مكانة الاسلام في العالم الحديث، هي حاجة ضرورية. والسبب يعود الى ان افرام كارش، أستاذ الدراسات المتوسطية في كينغز كوليج بلندن، لا ينتمي الى أي من المعسكرين اللذين هيمنا على الجدال لسنوات. فأحد المعسكرين، ولنسمه التبريريين، يقدم الاسلام كدين للسلام خلق حضارة عظيمة جرى اضعافها في وقت لاحق لا بسبب اخطائها الخاصة، وأخضعت للامبريالية الغربية. ويتميز موقف هذا المعسكر، في الحقيقة، بازدراء المسلمين الذين يجسدون فقط باعتبارهم ضحايا ومجرد مواضيع في تاريخهم الخاص. ووفقا لكتاب في هذا المعسكر فان المسلمين، على الأقل منذ حملة بونابرت على مصر، لم يفعلوا شيئا بأنفسهم، وانما كانوا مجرد دمى في أيادي أسيادهم الامبرياليين الغربيين. أما المعسكر الثاني، الذي يمكن تسميته بمعسكر الاسلاموفوبيا، فيصور الاسلام باعتباره اداة للارهاب، ويقدم تاريخه باعتباره سلسلة من النهب والتدمير والقتل. وبهذا المعنى فان الاسلام عدو ليس للحضارة حسب وانما للبشرية. ووفقا لكتاب في هذا المعسكر فان الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يتعامل بها الغرب مع الاسلام هو عبر الترويع والقوة. ويطرح كارش طريقة معالجة جديدة. فهو يرفض طريقة التبريريين التي تتسم بالتنازل والتبعية وطريقة الاسلاموفوبيين التي تتسم بالكراهية. وبدلا من ذلك يقدم الاسلام باعتباره منافسا للحضارة الغربية في ما هو، على أية حال، سباق لصياغة مستقبل البشرية. ويجادل بأن منجزات «العصر الذهبي» للاسلام قد جرت المبالغة بها، وبالتالي جعلت من اجراء تقييم مناسب لإسهام الاسلام في الحضارة، وهو ما يعترف به بأنه اسهام كبير، أكثر صعوبة. ويقدم كارش نظرة جديدة للحملات الصليبية، التي نادرا ما جرى النظر اليها من جانب المسلمين باعتبارها حروبا دينية، وانما غزوات عدوانية من جانب الافرنج. ففي اواسط القرن التاسع عشر فقط استعار الكتاب المسلمون مصطلح «الصليبيين» من الكتاب والمؤرخين الغربيين وراحوا ينظرون الى الحروب بين الإفرنجة والمماليك ليس باعتبارها نزاعا بين القوى المتنافسة في الجانبين المتعارضين على البحر الابيض المتوسط، وإنما حربا بين الاسلام والمسيحية. ومن اللافت للانتباه ان نشير الى أن مجموعة صغيرة جدا من المسلمين شاركت في «الحروب الصليبية» التي جرت في معظمها في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وهي جزء صغير من العالم الاسلامي الأوسع بكثير. ولم تشترك بلاد فارس، التي كانت يومئذ أكبر القوى الاسلامية، في «الحروب الصليبية»، وكانت، في بعض الاحيان، مسرورة لأن خصومها الاتراك كانوا مشغولين بغزو الافرنجة. وبكلمات اخرى فان الفكرة الشائعة عن أن «الحروب الصليبية» وضعت «الاسلام كله ضد المسيحية كلها» ليست سوى كذبة لفقت في السنوات الأخيرة. ولم يكن القتال بين القوى المتنافسة على ساحلي البحر الأبيض المتوسط المتقابلين، بالطبع، شيئا جديدا، وقد سبق المسيحية والاسلام. فقد أسس الفينيقيون، انطلاقا مما هو اليوم لبنان، مستعمرات بعيدة مثل كورنوول، وفي فترة مبكرة وصلت الى الف عام قبل الميلاد. ومن المؤكد أن هنيبعل القرطاجي الذي أشعل الحرب ضد الرومان لم يكن قائدا اسلاميا. ومن المؤكد أن غزاة غربيين للشرق من أمثال الاسكندر وتراجان وجوليان لم يكونوا مسيحيين. وكانت سواحل المتوسط مناطق نزاع قبل فترة طويلة من ظهور المسيحية أو الاسلام. وبتركيزه على الـ 250 عاما الأخيرة ـ أي منذ أول مجابهة حديثة بين الغرب والاسلام ـ يظهر كارش ان القوى الغربية كانت امام مفاجأة دائمة تقريبا في ما يتعلق بالشرق الاسلامي. وعلى العكس من ادعاء التبريريين يظهر كارش ان الديمقراطيات الغربية لم ترغب بتفكيك الامبراطورية العثمانية وفعلت الكثير من اجل ابقائها حية الى اطول فترة ممكنة لموازنة روسيا القيصرية. وما أن جرى التدمير الذاتي للعثمانيين اعادت الديمقراطيات الغربية، بقيادة بريطانيا، صياغة المنطقة استجابة لمطالب العرب في ذلك الوقت، وليس حسب «مؤامرة امبريالية» شريرة. وبينما ترى النظرة التقليدية أن الحسين، شريف مكة وأولاده، كانوا ادوات بيد الامبريالية البريطانية، يظهر كارش انهم، في الواقع، هم الذين استغلوا القوة البريطانية للفوز بعدد من التيجان العربية لأنفسهم. هل يمكن للمرء ان يعتبر الامبراطورية البريطانية أكبر امبراطورية اسلامية ؟ من ناحية معينة يجب أن يكون الجواب بالنفي لأن حكام تلك الامبراطورية لم يكونوا من المسلمين. ولكن في اطار الأرض التي تسيطر عليها وعدد الناس المسلمين فيها كانت الامبراطورية البريطانية في ذروة نجاحها أكبر من اية امبراطورية اقامها الفاتحون المسلمون. ويتسم تقييم كارش بالقسوة في ما يتعلق بعدد من الفاتحين المسلمين، وخصوصا السلطان محمود الغزنوي، الذي يقدمه باعتباره لصا ونهابا. ولكن الغزنوي لا يفوق في السرقة والنهب بناة الامبراطورية البريطانيين والغربيين الذين غزوا أراضي بلدان اخرى واستغلوا مواردهم الطبيعية والبشرية لغاياتهم الخاصة. يكون كارش اقل اقناعا عندما يبتعد عن حقل عمله كمؤرخ ليعالج قضايا دينية أو فلسفية لا يتقنها على نحو شامل. وعلى سبيل المثال فانه يتحدث عن «استيلاء الاسلام بالجملة على الثقافة والعلوم الهيلينية»، وهو شيء لم يحدث، كما أنه يشير الى أن الاسلام كان جذابا بالنسبة للناس الذين أخضعهم لأنه «لا يعترف بالجذور الاثنية والعشائرية». ولكن الأمر لم يكن على هذا النحو بالتأكيد. فقد كان ثلاثة من خلفاء النبي من آباء زوجاته، ورابعهم ابن عمه. وكانت الدولة الأموية، وهي اول امبراطورية اسلامية، تحت هيمنة قريش بينما زعم العباسيون انهم ينحدرون من عم النبي، والفاطميون، الذين حكموا مصر، من بنت النبي. ويثير الجدل أيضا زعم كارش من ان الاسلام أحل التعددية بدل الحكم المطلق، على الأقل في ما يتعلق بالسنوات الألف الماضية. ما الذي يريده الاسلام ؟ يطرح كورش السؤال ويجيب عليه بصورة بعيدة عن الغموض: انه يريد اعادة صياغة العالم وفقا لنموذجه، كما فعلت المسيحية في أوجها. وهذا لا يعني، بالطبع، أن الاسلام يريد ان يفتح العالم بالقوة، ذلك ان توازن القوى العالمي الحالي، على الأقل، ليس لصالح القوى الاسلامية. ان رسالة كارش جلية: العالم سيفعل خيرا اذا ما أخذ طموحات الاسلام مأخذ الجد. |
ساحة النقاش