جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
نرجسية الكُتّاب على أرض الواقع
|
|
* القلم أمانة.. والكتابة رسالة.. والثقافة ليست ثرثرة منمقة تطرب كاتبها فقط. لذا، هناك الكثير من الأقلام تحتاج لتهذيب وتقومي، لأنها تخاطب عقولاً متفتحة وتبني أسس المجتمعات. للثقافة دور هام في توعية المجتمع وتنوير أفكاره، إذ يمكن عبر أدواتها تغييرالمفاهيم والموروثات الفكرية لأفراده. ويعتبر قلم الكاتب المثقف أداة أمينة لا تقل قداسة عن أية رسالة حضارية انسانية تسعى إلى تطوير الانسان والارتقاء بفكره وحياته إلى أعلى مستوى، وذلك عبر التجربة التي يستخلصها الكاتب في معايشته للواقع، فيمد الأرض جذوراً نقية مستقاة من نظريات وآراء هادفة،قد تسعى إلى خدمة الناس وحل مشاكلهم المختلفة، وقد ينشط بعض الكُتّاب في البحث والمعرفة والدراسة المستفيضة لاستنباط فكرة يمكن من خلالها معالجة مشكلة اجتماعية أو أزمة اقتصادية، ويكون بهذا قد أثمر يراعه بما يملي عليه ضميره ككاتبن أو اجتهاده كمثقف. قد تكون هناك حالة نرجسية لبعض الكُتّاب تصل به أحياناً إلى بلوغ ذروة المجد الوهمي، فيمعن في اصتدار أفكار واجتهادات شخصية تعكس ذاته المتجذرة في أعماقه بعيداً عن الواقعية والموضوعية، وبالتالي تكون كل نتاجاته ضارة بل هدّامة أحياناً، ظناً منه أنه مؤهل لسن تلك النوعية من القيم التي تخدم الناس وتغرس فيهم تلك المفاهيم، وكلها بالطبع قضايا شخصية ذاتية تلف حول محور واحد، إلا وهو ذاته المتضخمة، وهي قضايا لا يرجو منها المجتمع أية فائدة تذكر، وقد صار لبعض الكتاب القدرة الأدبية حتى في الخوض العميق بقضايا شرعية ليست من اختصاصهم أو خبرتهم، وعاثوا فيها تخريفاً وفساداً. نلاحظ على سبيل المثال أن لبعض الكتاب آراء تناقض حقيقة فطرية كونية كموضوع الزواج باعتباره سكناً واستقراراً ومودة وتآلفاً بين الزوجين، يأتي أحدهم ممن تركوا بصمة سوداوية على العلاقة الزوجية، فيصرّح بآراء تهكمية هدّامة، معتبراص الزواج شركة تحطم الرجل وأنه أسر مدمر، ويطرح آراء في المرأة، واصفاً إياها بأبشع الصفات، ويعلن هذه الآراء عبر كتاباته الصحفية فينهل الجهلة تلك الأفكار التي تنعكس بالتالي سلباً على حياتهم. كاتب آخر يفرد صفحات من أجل الخوض في خصوصياته ومغامراته وكأنه المثل الأعلى الذي ينبغي لعامة الناس الاحتذاء به. هناك أقلام تحتاج إلى تهذيب وردع قاس، لأنها مسؤولةعن بعض الانحرافات السلوكية بين الناس، فالبسطاء منهم يتبنون تلك الأفكار وكأنها حقائق ثابتة وصحيحة، فالكاتب الذي يخوض في أطروحات فاسدة يجب أن يحاسب وينتقد، خصوصاً وان المجتمع يعيش فوضى فكرية لا يستطيع فيها أن يميز الغث من السمين، والكُتّاب الواعون عليهم الاجتهاد في تطهير المجتمع من مشكلاته ومعاناته ومفاسده، وهذا لن يؤتي ثماره ما لم ينس الكاتب لغته الذاتية، ويهذب إحساسه النفسي، ويسخره للناس لمعايشة ظروفهم لا للمجد الشخصي، فالنجومية الحقيقية هي في تحقيق هدف سام، بعيداً عن الأضواء، أن يتبنى الكاتب مبدأ يدافع عنه ويحارب من أجله. نلحظ الآن كيف أن اسرائيل تجند كل طاقاتها واعلامها ومثقفيها من أجل أن تهيمن على العالم، وتسيطر على ثروات البلاد ومنابع البترول، لتحول باقي الشعوب إلى عدم، وجندت كتّابها كإحدى الوسائل للتعبئة الإعلامية، ولتوجيه الرأي العام العالمي ناحية مصالحها، وهذا واقع مفروض علينا، وليس قضية سياسية هامشية لها خصوصية محددة، نحن الآن أمام موجة تترية زاحفة إلينا بشراسة، وقلم الكاتب هو السلاح الذي له صوت مدو يطوف العالم كله متجاوزاً حدود ساحة المعركة، ومؤسف أن تتحول بعض الأقلام في مثل هذه الظروف الحرجة إلى معالم ميتة أو أسلحة هدامة تخدم العدو من حيث لا تشعر، القلم الأصيل أشبه بجرس الإنذار مستعد دائماً لتنبيه الناس وايقاظ حماستهم، ويوجه عقولهم إلى مواطن الخلل في حياتهم، وليس مداداً مخدراً يذوب الشعوب ويثملها في وحل المتع والملذات، فتاريخنا شهد الكثير من الكتّاب والمفكرين الذين غيروا مسيرة شعوبهم بعد أن آمنوا بدور الكاتب الانساني، وأن رسالته هي امتداد لرسالة الأنبياء والمصلحين، آمنوا بالقلم كرسالة هادفة مقدسة، لا وسيلة للارتزاق أو الشهرة. انه لمقرف حقاً أن يفرط كاتب في حب ذاته ويهيمن إعجابه بنفسه إلى حد سخيف ومخجل كأن يعترف أحدهم ممن له تاريخ في مسيرة الثقافة، أنه بكى بحرقة على ممثلة اغراء شهيرة، للأسف كان يكررها في معظم لقاءاته وكتاباته، وكأنها حدث عظيم يستحق الذكر، وآخر يتحفنا بأخباره اليومية الشخصية لندوّنها في صفحاتنا كمواقف خالدة. هل أصبحت الثقافة مجرد ثرثرة منمقة يغازل بها المثقف مجتمعه لينتشي ويطرف؟! هل هذا هو كل ما في الأمر؟! حينما يقترب وحش الخطر على الشطآن الجميلة وتحت دفء الشمس ستمتحن هذه الأقلام، فبعضها سيسقط صريع الخوف والذل، والبعض الآخر سيصمد ويناضل من أجل الحرية الحقيقية التي تعيد للانسان كرامته، والكاتب هنا يقف عند مفترق الطرق، وعليه أن يختار إما الصعود إلى الهاوية أو السقوط في درب الكفاح. المصدر :امراة في زمن العولمة
|
ساحة النقاش