يجتهد البغداديون في شهر رمضان لتوفير جو ملائم للترويح عن النفس، وأفضل مكان يلبي رغباتهم هو المقهى، الذي أصبح، وبعد غزو بلادهم عام 2003، يبحث عن زمنه الجميل، وسط روائح، استكان، الشاي، المهيّل، وقرقرات، أركيلة. عامرة !
وعيون البغداديين تتجه إلى مقاه جديدة انتشرت في أماكن متفرقة من بغداد، بعضها كانت حدائق عامة، واليوم، وبفعل الحياة الرتيبة التي يعيشها العراقيون عموماً، أصبحت ملاذاً لهم لكسر الرتابة.
وأصبح الجلوس في هذه المقاهي وتناول المرطبات والشاي وسط قرقرات «الأركيلات»، ملاذاً للشباب لقضاء أوقات فراغهم بعد ساعات من الصوم في شهر رمضان، قد تكون طويلة وسط حرارة الجو التي تجاوزت الحدود المتعارف عليها.
ويكسر بعض الشباب حالة الرتابة بلعبة »الدومينو» أو «الطاولة»، فيما يقوم البعض الآخر بممارسة لعبة البلياردو، بينما يستعين بعض من الجالسين بالمثلجات للتخفيف من حرارة الجو.
غير أن عادة تناول الشاي غابت في الكثير من المقاهي بعد أن اعتبرها البعض من المواد غير المستحبة التي تسهم في تسخين الجسم وتزيد من معاناة المواطن الذي اكتوى بحرارة الجو والتي تزامنت مع انقطاعات غير معهودة في الطاقة الكهربائية حتى باتت المولدات الأهلية لا تسد الطلب على الطاقة، على الرغم من إجراءات الدولة بتزويد هذه المولدات بمادة «الكاز»، التي ارتفع سعرها مع ارتفاع درجات الحرارة.
و الجلوس في المقاهي في شهر رمضان بأنه الوسيلة الوحيدة للخلاص من موجة الحر، باعتبار أن المقاهي أكثر قدرة على توفير الكهرباء المفقودة في الدار. كذلك يعتبر الجلوس في المقاهي بالنسبة للمواطنين حالة صحية لأنه يسهم في امتلاك المواطن معلومات جديدة قد تكون خافية عليه من خلال النقاشات، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. والجلوس في المقاهي في كل الأحوال، بحسب كلام أبو إبراهيم يعطي المواطن راحة نفسية، إضافة إلى كونه عادة متوارثة عن الآباء والأجداد.
وكانت مقاهي بغداد قديماً تشهد خلال شهر رمضان مسابقات بين المحلات الشعبية على لعبة «المحيبس»، فيما انحسرت هذه اللعبة بعدد من المقاهي بعد التطورات الحاصلة نتيجة متاعب المواطن العراقي الاجتماعية وانحسار التآلف الاجتماعي، مع ظروف أمنية في غاية التعقيد، تجعل المواطن يتقيد بوقت مغادرة المقهى خوفاً من المجهول.
بعض مقاهي بغداد العريقة عرفت بتخصصها وتختلف عن سواها لكون معظم روادها من فئات معينة، ويعرف بعضهم الآخر، على الرغم من أنهم لا ينتمون إلى المنطقة التي تقع فيها المقهى، كمقهى «حسن عجمي» ومقهى «الزهاوي» ومقهى «الشابندر» الذي لملم جراحه من اثر السيارة المفخخة بعد التفجير الذي استهدف شارع المتنبي العريق بكتبه ورواده في مارس من عام 2007 وأدى إلى تدميره، ومن ثم يعاد بناء المقهى، مع إعادة إعمار شارع المتنبي.
ففي هذه المقاهي يلتقي الأدباء والمثقفون، وخاصة في أيام الجمع، حيث تقام فيه المناظرات الثقافية والأدبية ويعرض الشعراء والأدباء نتاجهم الفكري في جو لا يخلو من الألفة والرومانسية.
وفي مكان آخر ليس ببعيد عن مقهى «الشابندر» يوجد مقهى «حسن عجمي» الذي يطل على شارع الرشيد، أقدم شوارع بغداد، حيث كان المقهى الملاذ الآمن والتجمع الأكثر شهرة للأدباء والمتقاعدين من أعيان البلد.
فإذا أضعت أحداً من أعلام الأدب العراقي فإنك تجده على أريكة قديمة من أرائك تلك المقاهي.. حيث شهد المناقشات الأدبية والصراعات الحداثوية ذائعة الصيت.
وعلى أنغام شجية لاغاني كوكب الشرق أم كلثوم، يتوقف الزمن ويعود أدراجه إلى حيث بدأ صاحب مقهى «أم كلثوم» عبدالمعين الموصلي مشواره الذي اختطه من مدينة الموصل، لإقامة مقهاه التي لا تبعد كثيراً عن مقهى «حسن عجمي»، وما زالت قائمة في ساحة الميدان، وما زال روادها يجلسون بخشوع وهم يسمعون أغاني كوكب الشرق.
وما يميز هذه المقاهي تلك الصور الكبيرة والنادرة لـ «أم كلثوم»، وقد انتشرت فوق جدران المقاهي التي تتميز بامتلاكها تسجيلات نادرة لكوكب الشرق، يقال ان دائرة الإذاعة والتلفزيون العراقية كانت تستعير بعضها لتعزيز برامجها، وهذه المقاهي التي كانت تحتضن في الأيام الخوالي أهل بغداد، أضحت اليوم المتنفس لجيل يحاول التشبث بعبق بغداد القديمة، الذي تحمله أباريق الماء المغلي وجمر الفحم الذي يحتضن «قواري الشاي».
وفي جانب آخر، من بغداد وفي مكان ليس ببعيد عن نهر دجلة، يقبع مقهى «الطرب» في الركن المؤدي إلى المبنى السابق لدائرة الإذاعة والتلفزيون وهو ما زال قائماً وما زال إلى حد ما ملتقى المطربين والملحنين وشعراء الأغاني، أو من تبقى منهم.
أما باقي المقاهي في بغداد فلا تخلو من وجود أساليب اللهو ليلاً ونهاراً، ويوجد في بعض المقاهي التي أصبحت طي النسيان، عازف الربابة يجلس في المقهى وحوله الناس يستمعون إلى الأنغام وهو يشنف أذانهم بغناء «العتابة»، و«النايل» الشائع آنذاك في بغداد.

المصدر: البيان، عراق أحمد، بتصرف
  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 523 مشاهدة

ساحة النقاش

رمضانيات

ramadaniat
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

121,157

شراب قمر الدين