نفوس تواقة للسمو
سؤال قاهر يُلح عليّ كلما سمعت خبراً عن تفجير انتحاري بين مدنيين أو أشخاصاً يقومون بذبح أناس بما فيهم أطفال هو، بمَ كان يفكر من فعل ذلك تلك اللحظة بالذات؟ وما المراحل التي مرّت بها عقيدته حتى وصلت تلك القناعة؟
ففي الإسلام دين السلام، يعتبر قتل النفس البشرية أياً كانت من الكبائر التي توجب الخلود في النار، خلافاً للرسالتين السماويتين الأخريين التي تعتبر أولها قتل الأغيار خطوة سلوكية تكمل الإيمان وتتحول لطقس عند الملتزمين بأصولها «فكل من يسفك دم شخص غير يهودي كمن يقدم قرباناً لله»، وبرغم ما تتضمن به مبادئ الثانية من معان البذل وإنكار الذات، إلا أنها تستعذب الألم، وتعتبره رسولاً مصلوباً يتدلى على صدرها تحمله في الدنيا وصولاً لنعيم الآخرة.
فكيف سمّمت هذه النزعة الدخيلة منبع تشريعنا الرحيم؟ وسرت في عروق الأغرار مسرى الدم منها، وأقنعتهم بطريقة ما أن توقهم للجنة هو بتحوّل بشر إلى غبار أثيري في ثوان، وتصَعُّدهم مع ضحاياهم كيميائياً «Sublimation» كتسامي مادة من حالتها الصلبة إلى حالتها الغازية دون المرور بالحالة السائلة متجاوزين حالات الضغوط النظامية لمواد الطبيعة، مبررين ذلك برغبتهم السريعة في إحقاق الحق!
كيف صدقوا أن سفك دماء محرمة على مذبح شعائر منقوصة، قربان لله؟ وكيف زُجوا بعبثية الموت هذه دون أن يعطوا فرصة أن يفتحوا أعينهم صباح يوم من الأيام على خيارات ما قد يقدموه لله ولأنفسهم وللحياة؟ وكيف اقتنعوا أن الطريق إلى جنات عدن هو طرفة عين وحشية؟!
ففي طول وعرض تاريخ أمتنا لا يوجد من استمرأ عقيدة «التسامي» تلك إلا في مختبر كيمياء ساحات الوغى التي يتقابل بها جيشان عسكريان وجهاً لوجه. فالخليفة عمر بن عبدالعزيز مثلاً، والذي يعتبر من أصدق من تساموا بأرواحهم للجنة قال يوماً: «إن لي نفساً تواقة، وما حققت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن تتوق نفسي إلى الجنة، فأرجو أن أكون من أهلها»، ومات بعدها مسموماً بعد أن قضى ثلاثين شهراً فقط في الحكم، حقق فيها للمسلمين ما خلد اسمه بين العظماء، مطوعاً توقه للجنة لمراحل استحقاقه لها دنيوياً وأخروياً بمساعدة رجال أكفاء مثله.


