جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الإمـام الطـبـري
عملاق من الرجال أجبر ذاكرة التاريخ على المثول أمامه
لتلتقط علومه الفريدة وأعماله الخالدة، ومصنفاته الباهرة
والتي أصبحت فيما بعد منارة للعلماء، ونبعاً ثرياً لرجال الفكر والمعرفة
ولادتـه ونشـأتـه
إنه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ولد في آخر سنة 224 ه
أو في مطلع سنة 225 هـ
وكانت ولادته ( بآمُل ) عاصمة إقليم طبرستان
ـ وتقع جنوب بحر قزوين ـ وهو متسع ممتد تشغل الجبال
أكثر مساحته وتعتبر ( آمُل ) أكبر مدينة في سهله
وهي كثيرة المياه متهدلة الأشجار متنوعة الثمار، وقد فُتح هذا الإقليم
في عهد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه
وفي هذه البيئة السهلة اللينة، المتمردة العاصية، التي تجمع
بين الجبال الشاهقة والسهول المنبسطة
نشأ محمد بن جرير الطبري، وما كاد يبلغ السن التي تؤهله للتعليم
حتى قدمه والده إلى علماء آمل. وشاهدته دروب المدينه
ذاهاباً آياباً يتأبط دواته وقرطاسه.
وسرعان ما تفتح عقله، وبدت عليه مخايل النبوغ والاجتهاد
حتى قال عن نفسه: " حفظت القرآن ولي سبع سنين
وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا في التاسعة ".
وقد رأى أبوه رؤيا في منامه أن ابنه واقف بين يدي
الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه مخلاة مملوءة بالأحجار
وهو يرمي بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
وقص الأب على مُعَبِّرٍ رؤياه فقال له: " إن ابنك إن كبر نصح
في دينه وذبَّ عن شريعة ربه ".
رحلاتـه في طلـب العلـم
أول رحلة كانت إلى الرَّي فأخذ عن محمد بن حميد الرازي
ثم رحل به والده بعد سنوات قليلة من تحصيله لبعض العلوم
الشرعية وكانت هذه الرحلة إلى بغداد حيث بها إمام أهل السنة
والجماعة والعالم الذي أطبقت شهرته الآفاق
أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ إلا أن الأقدار لم تحقق للوالد
أمنيته فقد مات العالم الجليل قبل أن يصل محمد بن جرير إلى بغداد.
فانصرف عن بغداد، واتجه إلى البصرة وهي موطن العلم
ومهبط القضاء فجلس بين يدي علمائه، وأخذ عن شيوخها
كمحمد بن بشار المعروف ببندار، ومحمد بن الأعلى الصنعاني، وغيرهم
ثم انتقل إلى واسط، ثم الكوفة، ثم رجع إلى بغداد مرة أخرى
وكان قدصلب عوده واستقام فكره، فأقام بها حيناً من الزمان
ثم إنه فكر في الرحيل إلى مصر، فوصل إليها ستة 253 ه
وهناك اجتمع بمحمد بن إسحاق بن خزيمة، العالم المؤرخ
حيث قرأ عليه كتابه في السيرة، وأخذ عن شيوخه
كيونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان صاحب
الشافعي ـ رحمهما الله ـ وإسماعيل بن يحيى المزني، وغيرهم
وعاد أبو جعفر إلى بغداد بعد رحلة طويلة، وانقطع للدرس والتأليف
وقد شغله كل ذلك عن أن يتزوج أو أن ينشغل بمطالب الحياة
كان رحمه الله عفيفاً في نفسه منضبطاً في أخلاقه
وكان يرفض دائماً هدايا الوزراء والحكام مترفعاً عن قبول
نفحات السلاطين. ويذكر المؤرخون أن الخاقاني لما تقلد الوزارة
أرسل إلى ابن جرير مالاً كثيراً فأبى أن يقبله.
ملامح شخصيته وأخلاقه
تمتع الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ بمواهب فطرية متميزة
جبله الله عليه، وتفضل عليه به، كما حفلت حياته بمجموعة من
الصفات الحميدة، والأخلاق الفاضلة، والسيرة المشرفة
ومن هذه الصفات
نبوغ الطبري وذكاؤه
إن كثيرا من صفات الإنسان تكون هبة من الله عز وجل
وعطاء مبارك، من الخالق الباريء، ولا دخل للإنسان فيه
والله يختص برحمته من يشاء، ويفضل بعض الناس على بعض
ويرزق المواهب الخاصة لعباده
وكان الطبري- رحمه الله ـ موهوب الغرائز، وقد حباه الله
بذكاء خارق، وعقل متقد، وذهن حاد، وحافظة نادرة
وهذا ما لاحظه فيه والده، فحرص علي معونته على طلب العلم
وهو صبي صغير، وخصص له موارد أرضه لينفقها على دراسته
وسفره وتفرغه للعلم. ومما يدل على هذا الذكاء أنه ـ رحمه الله ـ
حفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وصلي بالناس وهو
ابن ثماني سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين.
ورع الطبري وزهده
وهاتان الصفتان من فضائل الأخلاق، ومن أشد الصفات
التي يجب أن يتحلي بها العالم والداعية، والمربي والإمام
وكان الطبري على جانب كبير من من الورع والزهد والحذر
من الحرام والبعد عن مواطن الشبه، واجتناب محارم الله تعالى
والخوف منه والاقتصار فى المعيشة على ما يرده من ريع
أرضه وبستانه الذي خلفه له والده. وكان من العبادة والزهادة
والورع والقيام فى الحق لا تأخذه لومة لائم، وكان من كبار
الصالحين زاهدا فى الدنيا غير مكترث بمتاعها ومفاتنها
وكان يكتفي بقليل القليل أثناء طلبه للعلم ويمتنع عن قبول
عطايا الملوك والحكام والأمراء
عفة الطبري وإباؤه
وكان الطبري ـ رحمه الله عفيف اللسان، يحفظه عن كل إيذاء،
وكان عفيف النفس أكثر من ذلك، فهو مع زهده لا يسأل أحد
مهما ضاقت به النوائب، ويعف عن أموال الناس، ويترفع عن العطايا
تواضع الطبري وعفوه
كان الطبري شديد التواضع لأصحابه وزواره وطلابه
دون أن يتكبر بمكانته أو يتعالي بعلمه، أو يتعاظم على غيره
فكان يدعي إلي الدعوة فيمضي إليها، ويسأل فى الوليمة
فيجيب إليها.وكان رحمه الله لا يحمل الحقد والضغينة لأحد
وله نفس راضية، يتجاوز عمن أخطأ فى حقه، ويعفو عمن أساء إليه
ومع كل هذا التواضع، وسماحة النفس، والعفو والصفح
كان الطبري لا يسكت علي باطل، ولا يمالي فى حق
ولا يساوم فى عقيدة أو مبدأ
فكان يقول الحق، ولا تأخذه فى الله لومة لائم
ثابت الجنان، شجاع القلب، جريئا فى إعلان الصواب
مـرتبتـه العلميـة
كان ابن جرير ـ رحمه الله ـ عالماً فاضلاً ومفكراً إسلامياً جليل
ولكثرة تعمقه في العلوم الشرعية، صار مجتهداً في الفقه صاحب
مذهب بعد أن كان على مذهب الشافعي ـ رحمه الله.
ووصفه الخطيب بقوله: " كان إماماً يُحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه
وكان عالماً بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين
في الأحكام ومسائل الحلال والحرام
وذكر الخطيب في تاريخه أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة
يكتب كل يوم منها أربعين ورقة.
وقال أبو حامد الإسفراييني " لو سافر رجل إلى الصين حتى
يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيراً
وقال عنه الذهبي ـ رحمه الله: كان ثقة حافظاً صادق
رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف
علامة في التاريخ و أيام الناس، عارفاً بالقراءات، واللغة، وغيره.
وما ذكرناه غيض من فيض من كلام العلماء وثناءهم على ابن جرير
وإن كانت كتبه تغنيه عن شهادات الشهود، وما بقى فيها يدل
على أنه كان من أفذاذ الموسوعيين في العالم
وحسبنا من تواليفه تاريخه وتفسيره.
آراء العلماء فيه
قال عنه ياقوت الحموي " أبو جعفر الطبري المحدث، الفقيه
المقريء، المؤرخ، المعروف، المشهور "
وقال الخطيب البغدادي " كان أحد أئمة العلم، يحكم بقوله
ويرجع إلي رأيه، لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم
ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره "
وقال ابن سريج " محمد بن جرير الطبري فقيه العلم "
وقال ابن كثير " كان احد أئمة الإسلام علما وعملا
بكتاب الله وسنة رسوله"
وقال الإمام الذهبي " الإمام الجليل، المفسر أبو جعفر
صاحب التصانيف الباهرة.. من كبار أئمة الإسلام المعتمدين "
مؤلفات الطبري
ترك لنا الطبري ثروة علمية تدل على غزارة علمه، وسعة ثقافته
ودقته فى اختيار العلوم الشرعية والأحكام المتعلقة به
وكان له قلم سيال، ونفس طويل، وصبر فى البحث والدرس
فكان يعتكف على التصنيف، وكتابة الموسوعات العلمية
فى صنوف العلوم، مع ما من الله عليه من ذكاء خارق
وعقل راجح متفتح، وجلد على تحمل المشاق
من مؤلفاته
*جامع البيان عن تأويل القرآن،المعروف بتفسيررالطبري
وهو موجود وطبع عدة مرات
* تاريخ الأمم والملوك، المعروف بتاريخ الطبري
* لطيف القول فى احكام شرائع الإسلام، وهو كتاب
فقه فى المذهب الجريري.
*الخفيف فى أحكام شرائع الإسلام، وهو فى تاريخ الفقه
وهو مختصر لكتاب اللطيف
*بسط القول فى أحكام شرائع الإسلام، وهو فى تاريخ
الفقه الإسلامي ورجاله وأبوابه
*تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم من الأخبار، وسماه القفطي
*أداب القضاة، وهو فى الفقه عن أحكام القضاء وأخبار القضاة
* أدب النفوس الجيدة والأخلاق الحميدة
*مختصر مناسك الحج
* مختصر الفرائض
*كتاب المسترشد
تفسير الطبري
المسمى( جـامـع البيـان في تـأويـل آي القـرآن)
يعد تفسير الطبري رحمه الله باتفاق العلماء موسوعة علمية كبري
ودائرة معارف متنوعة،لأنه يحتوي مختلف صنوف العلوم
الدينية واللغوية، مما يندر وجوده في تفسير آخر
ولذلك بلغ القمة، واستقر على الذروة، وبقي فى المكان الشامخ
يقصده كل دارس، ويستفيد منه كل مفسر، ويستعين به
كل من تناول علما من علوم القرآن
ويقع هذا التفسير فى ثلاثين جزء من الحجم الكبير
يبدأ بمقدمة ثم يتناول تفسير القرآن الكريم، بحسب ترتيبه المتلو
سورة سورة، وآية آية، ابتدأ من سورة الفاتحة ونهاية بسورة الناس
أقوال العلماء فى تفسير الطبري
احتل تفسير الطبري سويداء القلب عند العلماء على مر العصور
فى القديم والحديث، وحظي بالرعاية والعناية
وأثني عليه الأئمة والعلماء والمؤرخون والمفسرون
وسطروا الجمل المذهبة حوله،وعلقوا عليه أوسمة الفخار
قال عنه الإمام النووي " لم يصنف أحد مثله "
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية " وتفسير محمد بن جرير الطبري
وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدر..
وقال " وأما التفاسير التي فى أيدي الناس فأصحها تفسير
محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف
بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة
وقال السيوطي في الإتقان: " وكتابه أجل التفاسير
وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض
والإعراب والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين "
وقال النووي: " أجمعت الأمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبري "
وقال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور " فكان جديرا بالتفسير،
حين تناوله الطبري بتلك المشاركة الواسعة وذلك التفنن العجيب
أن يبلغ به أوجه، وأن يستقر على الصورة الكاملة التي تجلت
فيها منهجيته، وبرزت بها خصائصه مسيطرة علي كل
ما ظهر من بعده من تآليف لا تحصي فى التفسير "
مصـادر الطبري فى تفسيره
الطابع المميز لتفسير الطبري اعتماده على المأثور
عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى آراء الصحابة والتابعين
ثم أضاف إلى التفسير بالمأثور ما عرف في عصره من نحو
وبلاغة وشعر، كما رجع إلى القراءات وتخير منها ورجح
ما تخيره، وعرض كثيراً من آراء الفقهاء في مناسباته، ورجح
ما رآه موافقاً للدليل، وكذلك استعان بكتب التاريخ
فنقل عن ابن إسحاق وغيره.
منهجـه في التفسيـر
لقد أجمع العلماء على عظيم قيمة هذا التفسير، وأنه لا غنى عنه
لطالب العلم عمومًا، وطالب التفسير على وجه الخصوص
يقول النووي فيه: " أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل
تفسير الطبري " أما ابن تيمية فيقرر أن تفسير الطبري
أصح التفاسير التي بين أيدي الناس.
وقد كان "تفسير الطبري " محط اعتبار عند المتقدمين
وكان كذلك عمدة عند المتأخرين من أهل العلم عموماً
والتفسير خصوصاً؛ فهو مرجع الأولين، وهو ملاذ
الآخرين في موضوع التفسير
وكما كان لهذا التفسير أوَّليَّة زمانية فقد كان له كذلك
أوَّليَّة موضوعية، فهو لم يقتصر على لون واحد من التفسير
بل اشتمل على ألوان من التفسير، رفعت من شأنه
وجعلت له تلك المنـزلة عند العلماء؛
فـ الطبري على الرغم من اعتماده على التفسير بالمأثور أساساً
جمع إلى جانب الرواية جانب الدراية، واهتم بالقراءات
القرآنية أي اهتمام، وكان له اعتناء بعرض وجوه اللغة
فضلا عن آرائه الفقهية واجتهاداته التي أودعها كتابه المذكور
إلاَّ أن السمة البارزة التي ميزت الطبري في " جامعه "
ذاك المنهج العلمي الذي سلكه في التفسير
فـ الطبري بحق كما يتبين لقارئ تفسيره كان صاحب منهج واضح
ونستطيع أن نوجز منهج الطبري في "تفسيره"
في النقاط التالية: - اعتماده أساساً على التفسير بالمأثور
الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صحابته الكرام
أو التابعين؛ وهو لا يكتفي بذلك، بل نجده يشدد النكير
على من يفسر القرآن بمجرد الرأي فحسب
ولا يُفهم من هذا النهج أن الطبري لم يكن يُعمل الرأي في تفسيره
بل الواقع خلاف ذلك، إذ إننا كثيرًا ما نجده يُرجِّح
أو يصوب أو يوجِّه قولاً لدليل معتبر لديه.
كان يقف من السند موقف الناقد البصير، والعالمِ النحرير
الذي لا يقبل الرواية إلا بعد تمحيص وتدقيق
ثم إنه كان يقدر إجماع الأمة، ويعطيه اعتباراً كبيراً
في اختيار ما يذهب إليه ويرتضيه.
أما منهجه في التعامل مع القراءات القرآنية فيقوم
على رد القراءات التي لم ترد عن أئمة القراءات المشهود لهم
أما القراءات الثابتة فكان له اختيار فيها؛ فهو أحياناً
يرفض بعضها لمخالفتها الإجماع، وأحياناً أخرى يفضِّل قراءة
على أخرى لوجه يراه، ويكتفي حيناً بالتسوية بين
تلك القراءات دون ترجيح
ومن منهجه كذلك أنه لم يكن يهتم بتفسير ما لا فائدة في معرفته
وما لا يترتب عليه عمل؛ كمعرفة أسماء أصحاب الكهف
ومعرفة نوع الطعام في المائدة التي نزلت على رسول الله
عيسى عليه السلام ونحو ذلك.
وكان الطبري يحتكم كثيراً في تفسيره عند الترجيح والاختيار
إلى المعروف من كلام العرب، ويعتمد على أشعارهم
ويرجع إلى مذاهبهم النحوية واللغوية
وكما أِشرنا بداية فقد كان الطبري صاحب مذهب فقهي
وهذا واضح في "تفسيره"، فنحن كثيراً ما نراه يعرض
لآيات الأحكام ويناقشها ويعالجها، ثم يختار من الأحكام
الفقهية ما يراه الأقوى دليلاً والأوجه تعليل
وكان من منهج الطبري أيضًا تعرضه لكثير من مسائل علم
الكلام والعقيدة، والرد على كل من خالف فيها ما عليه
أهل السنة والجماعة، وكان هذا النهج واضحًا لديه في رده
على كثير من آراء المعتزلة ومن شابههم
ثم أخيراً نَلْمَحُ الطبري يسوق في تفسيره أخباراً من القصص
الإسرائيلي، ومن ثَمَّ يتعقَّبها بالنقد والتمحيص
لكن وعلى الرغم من ذلك فاته بعض المرويات التي
لا تزال تحتاج إلى النقد الفاحص، والتمحيص الناقد
تلكم كانت جولة سريعة أطللنا من خلالها على شيخ المفسرين
وعلى تفسيره اوتعرَّفنا بإيجاز على أهم سمات
منهج الطبري في تفسيره الجامع
المآخذ على تفسير الطبري
الطبري رحمه الله ليس معصوما من الخطأ
وكتابه الذي بلغ ستة آلاف صفحة ليس غريبا أن ترد عليه
بعض المأخذ وأن تصدر منه أخطاء، والرسول صلى الله عليه وسلم
يقول فى الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة
" كل ابن آدم خطاء "
ولذلك لم يسلم تفسير الطبري من النقد
وكشف الأخطاء التي وقع فيها
ويمكن إجمالها فيما يلي
لم يطبق الطبري منهجه النقدي الكامل للأسانيد
على جميع ماجاء فى التفسير، وإنما فعل ذلك فى بعض
الروايات النادرة، وترك غيرها مع ما فيها من أسانيد
ضعيفة كان جديرا به أن ينبه عليها ويكشفه
حشد الطبري فى تفسيره كثيرا من الروايات الإسرائيلية
والنصرانية والأساطير والخرافات، وقصص الوعظ الخيالية
وكان المفروض علي الطبري أن ينبه علي حقيقته
دون أن يكتفي بذكرها وإشاعتها والسكوت عنها
ورد في تفسير الطبري بعض الروايات المتناقضة لابن عباس
رضي الله عنهما ولم يرجح رواية منها على أخرى
ولم يتعرض لبيان الصواب من ذلك، كما اعترض بعض
العلماء على الطبري فى نقده لبعض القراءات، وإبهامه
لأسماء بعض علماء العربية الذين أخذ منهم
وأشار إلى أسمائهم إشارة
وهذه الأخطاء ـ والحمد لله ـ ليست فى العقيدة
ولا فى أصول الدين ولا فى أركان الإسلام، ولا فى قواعد الدين
ولا فى الأحكام القطعية، ولا فى النصوص الثابتة
ولا فى معاقد الإجماع
ويبقي تفسير الطبري ثروة عظيمة، وذخيرة من ذخائر الإسلام
ومصدرا أصيلا لكل مفسر وعالم مجتهد، ومرجعا مهما فى جميع
العلوم اللغوية والعلوم الشرعية من علوم القرآن، إلى علوم السنة
إلى علوم السيرة إلى علوم الفقه والعقيدة وأصول الدين
والمذاهب الفقهية والكلامية، والتفسير بالمأثور
والرأي والاجتهاد والمعقول
وفـاتـه
بارك الله فى حياة الطبري فعاش ستة وثمانين عاما
فى سبيل العلم ونشره ليبقى ذكرى خالدة فى التاريخ
واسمه يتردد على الألسنة، وكتبه تتنقل من جيل إلى جيل
وعلمه ينتفع به الناس إلي يوم القيامة
وبقي الطبري مستوطنا فى بغداد ـ عاصمة الدولة العباسية ـ
وأعظم مركز للعلم والمعرفة في العالم في ذالك الوقت
ـ يؤدي رسالته، ويلتف حوله طلاب العلم والعلماء
ويملي كتبه التي بدأ بعضها فى آخر حياته
وهكذا عاش الطبرى راهبا فىالإمـام الطـبـري
عملاق من الرجال أجبر ذاكرة التاريخ على المثول أمامه
لتلتقط علومه الفريدة وأعماله الخالدة، ومصنفاته الباهرة
والتي أصبحت فيما بعد منارة للعلماء، ونبعاً ثرياً لرجال الفكر والمعرفة
ولادتـه ونشـأتـه
إنه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ولد في آخر سنة 224 ه
أو في مطلع سنة 225 هـ
وكانت ولادته ( بآمُل ) عاصمة إقليم طبرستان
ـ وتقع جنوب بحر قزوين ـ وهو متسع ممتد تشغل الجبال
أكثر مساحته وتعتبر ( آمُل ) أكبر مدينة في سهله
وهي كثيرة المياه متهدلة الأشجار متنوعة الثمار، وقد فُتح هذا الإقليم
في عهد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه
وفي هذه البيئة السهلة اللينة، المتمردة العاصية، التي تجمع
بين الجبال الشاهقة والسهول المنبسطة
نشأ محمد بن جرير الطبري، وما كاد يبلغ السن التي تؤهله للتعليم
حتى قدمه والده إلى علماء آمل. وشاهدته دروب المدينه
ذاهاباً آياباً يتأبط دواته وقرطاسه.
وسرعان ما تفتح عقله، وبدت عليه مخايل النبوغ والاجتهاد
حتى قال عن نفسه: " حفظت القرآن ولي سبع سنين
وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا في التاسعة ".
وقد رأى أبوه رؤيا في منامه أن ابنه واقف بين يدي
الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه مخلاة مملوءة بالأحجار
وهو يرمي بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
وقص الأب على مُعَبِّرٍ رؤياه فقال له: " إن ابنك إن كبر نصح
في دينه وذبَّ عن شريعة ربه ".
رحلاتـه في طلـب العلـم
أول رحلة كانت إلى الرَّي فأخذ عن محمد بن حميد الرازي
ثم رحل به والده بعد سنوات قليلة من تحصيله لبعض العلوم
الشرعية وكانت هذه الرحلة إلى بغداد حيث بها إمام أهل السنة
والجماعة والعالم الذي أطبقت شهرته الآفاق
أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ إلا أن الأقدار لم تحقق للوالد
أمنيته فقد مات العالم الجليل قبل أن يصل محمد بن جرير إلى بغداد.
فانصرف عن بغداد، واتجه إلى البصرة وهي موطن العلم
ومهبط القضاء فجلس بين يدي علمائه، وأخذ عن شيوخها
كمحمد بن بشار المعروف ببندار، ومحمد بن الأعلى الصنعاني، وغيرهم
ثم انتقل إلى واسط، ثم الكوفة، ثم رجع إلى بغداد مرة أخرى
وكان قدصلب عوده واستقام فكره، فأقام بها حيناً من الزمان
ثم إنه فكر في الرحيل إلى مصر، فوصل إليها ستة 253 ه
وهناك اجتمع بمحمد بن إسحاق بن خزيمة، العالم المؤرخ
حيث قرأ عليه كتابه في السيرة، وأخذ عن شيوخه
كيونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان صاحب
الشافعي ـ رحمهما الله ـ وإسماعيل بن يحيى المزني، وغيرهم
وعاد أبو جعفر إلى بغداد بعد رحلة طويلة، وانقطع للدرس والتأليف
وقد شغله كل ذلك عن أن يتزوج أو أن ينشغل بمطالب الحياة
كان رحمه الله عفيفاً في نفسه منضبطاً في أخلاقه
وكان يرفض دائماً هدايا الوزراء والحكام مترفعاً عن قبول
نفحات السلاطين. ويذكر المؤرخون أن الخاقاني لما تقلد الوزارة
أرسل إلى ابن جرير مالاً كثيراً فأبى أن يقبله.
ملامح شخصيته وأخلاقه
تمتع الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ بمواهب فطرية متميزة
جبله الله عليه، وتفضل عليه به، كما حفلت حياته بمجموعة من
الصفات الحميدة، والأخلاق الفاضلة، والسيرة المشرفة
ومن هذه الصفات
نبوغ الطبري وذكاؤه
إن كثيرا من صفات الإنسان تكون هبة من الله عز وجل
وعطاء مبارك، من الخالق الباريء، ولا دخل للإنسان فيه
والله يختص برحمته من يشاء، ويفضل بعض الناس على بعض
ويرزق المواهب الخاصة لعباده
وكان الطبري- رحمه الله ـ موهوب الغرائز، وقد حباه الله
بذكاء خارق، وعقل متقد، وذهن حاد، وحافظة نادرة
وهذا ما لاحظه فيه والده، فحرص علي معونته على طلب العلم
وهو صبي صغير، وخصص له موارد أرضه لينفقها على دراسته
وسفره وتفرغه للعلم. ومما يدل على هذا الذكاء أنه ـ رحمه الله ـ
حفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وصلي بالناس وهو
ابن ثماني سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين.
ورع الطبري وزهده
وهاتان الصفتان من فضائل الأخلاق، ومن أشد الصفات
التي يجب أن يتحلي بها العالم والداعية، والمربي والإمام
وكان الطبري على جانب كبير من من الورع والزهد والحذر
من الحرام والبعد عن مواطن الشبه، واجتناب محارم الله تعالى
والخوف منه والاقتصار فى المعيشة على ما يرده من ريع
أرضه وبستانه الذي خلفه له والده. وكان من العبادة والزهادة
والورع والقيام فى الحق لا تأخذه لومة لائم، وكان من كبار
الصالحين زاهدا فى الدنيا غير مكترث بمتاعها ومفاتنها
وكان يكتفي بقليل القليل أثناء طلبه للعلم ويمتنع عن قبول
عطايا الملوك والحكام والأمراء
عفة الطبري وإباؤه
وكان الطبري ـ رحمه الله عفيف اللسان، يحفظه عن كل إيذاء،
وكان عفيف النفس أكثر من ذلك، فهو مع زهده لا يسأل أحد
مهما ضاقت به النوائب، ويعف عن أموال الناس، ويترفع عن العطايا
تواضع الطبري وعفوه
كان الطبري شديد التواضع لأصحابه وزواره وطلابه
دون أن يتكبر بمكانته أو يتعالي بعلمه، أو يتعاظم على غيره
فكان يدعي إلي الدعوة فيمضي إليها، ويسأل فى الوليمة
فيجيب إليها.وكان رحمه الله لا يحمل الحقد والضغينة لأحد
وله نفس راضية، يتجاوز عمن أخطأ فى حقه، ويعفو عمن أساء إليه
ومع كل هذا التواضع، وسماحة النفس، والعفو والصفح
كان الطبري لا يسكت علي باطل، ولا يمالي فى حق
ولا يساوم فى عقيدة أو مبدأ
فكان يقول الحق، ولا تأخذه فى الله لومة لائم
ثابت الجنان، شجاع القلب، جريئا فى إعلان الصواب
مـرتبتـه العلميـة
كان ابن جرير ـ رحمه الله ـ عالماً فاضلاً ومفكراً إسلامياً جليل
ولكثرة تعمقه في العلوم الشرعية، صار مجتهداً في الفقه صاحب
مذهب بعد أن كان على مذهب الشافعي ـ رحمه الله.
ووصفه الخطيب بقوله: " كان إماماً يُحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه
وكان عالماً بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين
في الأحكام ومسائل الحلال والحرام
وذكر الخطيب في تاريخه أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة
يكتب كل يوم منها أربعين ورقة.
وقال أبو حامد الإسفراييني " لو سافر رجل إلى الصين حتى
يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيراً
وقال عنه الذهبي ـ رحمه الله: كان ثقة حافظاً صادق
رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف
علامة في التاريخ و أيام الناس، عارفاً بالقراءات، واللغة، وغيره.
وما ذكرناه غيض من فيض من كلام العلماء وثناءهم على ابن جرير
وإن كانت كتبه تغنيه عن شهادات الشهود، وما بقى فيها يدل
على أنه كان من أفذاذ الموسوعيين في العالم
وحسبنا من تواليفه تاريخه وتفسيره.
آراء العلماء فيه
قال عنه ياقوت الحموي " أبو جعفر الطبري المحدث، الفقيه
المقريء، المؤرخ، المعروف، المشهور "
وقال الخطيب البغدادي " كان أحد أئمة العلم، يحكم بقوله
ويرجع إلي رأيه، لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم
ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره "
وقال ابن سريج " محمد بن جرير الطبري فقيه العلم "
وقال ابن كثير " كان احد أئمة الإسلام علما وعملا
بكتاب الله وسنة رسوله"
وقال الإمام الذهبي " الإمام الجليل، المفسر أبو جعفر
صاحب التصانيف الباهرة.. من كبار أئمة الإسلام المعتمدين "
مؤلفات الطبري
ترك لنا الطبري ثروة علمية تدل على غزارة علمه، وسعة ثقافته
ودقته فى اختيار العلوم الشرعية والأحكام المتعلقة به
وكان له قلم سيال، ونفس طويل، وصبر فى البحث والدرس
فكان يعتكف على التصنيف، وكتابة الموسوعات العلمية
فى صنوف العلوم، مع ما من الله عليه من ذكاء خارق
وعقل راجح متفتح، وجلد على تحمل المشاق
من مؤلفاته
*جامع البيان عن تأويل القرآن،المعروف بتفسيررالطبري
وهو موجود وطبع عدة مرات
* تاريخ الأمم والملوك، المعروف بتاريخ الطبري
* لطيف القول فى احكام شرائع الإسلام، وهو كتاب
فقه فى المذهب الجريري.
*الخفيف فى أحكام شرائع الإسلام، وهو فى تاريخ الفقه
وهو مختصر لكتاب اللطيف
*بسط القول فى أحكام شرائع الإسلام، وهو فى تاريخ
الفقه الإسلامي ورجاله وأبوابه
*تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم من الأخبار، وسماه القفطي
*أداب القضاة، وهو فى الفقه عن أحكام القضاء وأخبار القضاة
* أدب النفوس الجيدة والأخلاق الحميدة
*مختصر مناسك الحج
* مختصر الفرائض
*كتاب المسترشد
تفسير الطبري
المسمى( جـامـع البيـان في تـأويـل آي القـرآن)
يعد تفسير الطبري رحمه الله باتفاق العلماء موسوعة علمية كبري
ودائرة معارف متنوعة،لأنه يحتوي مختلف صنوف العلوم
الدينية واللغوية، مما يندر وجوده في تفسير آخر
ولذلك بلغ القمة، واستقر على الذروة، وبقي فى المكان الشامخ
يقصده كل دارس، ويستفيد منه كل مفسر، ويستعين به
كل من تناول علما من علوم القرآن
ويقع هذا التفسير فى ثلاثين جزء من الحجم الكبير
يبدأ بمقدمة ثم يتناول تفسير القرآن الكريم، بحسب ترتيبه المتلو
سورة سورة، وآية آية، ابتدأ من سورة الفاتحة ونهاية بسورة الناس
أقوال العلماء فى تفسير الطبري
احتل تفسير الطبري سويداء القلب عند العلماء على مر العصور
فى القديم والحديث، وحظي بالرعاية والعناية
وأثني عليه الأئمة والعلماء والمؤرخون والمفسرون
وسطروا الجمل المذهبة حوله،وعلقوا عليه أوسمة الفخار
قال عنه الإمام النووي " لم يصنف أحد مثله "
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية " وتفسير محمد بن جرير الطبري
وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدر..
وقال " وأما التفاسير التي فى أيدي الناس فأصحها تفسير
محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف
بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة
وقال السيوطي في الإتقان: " وكتابه أجل التفاسير
وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض
والإعراب والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين "
وقال النووي: " أجمعت الأمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبري "
وقال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور " فكان جديرا بالتفسير،
حين تناوله الطبري بتلك المشاركة الواسعة وذلك التفنن العجيب
أن يبلغ به أوجه، وأن يستقر على الصورة الكاملة التي تجلت
فيها منهجيته، وبرزت بها خصائصه مسيطرة علي كل
ما ظهر من بعده من تآليف لا تحصي فى التفسير "
مصـادر الطبري فى تفسيره
الطابع المميز لتفسير الطبري اعتماده على المأثور
عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى آراء الصحابة والتابعين
ثم أضاف إلى التفسير بالمأثور ما عرف في عصره من نحو
وبلاغة وشعر، كما رجع إلى القراءات وتخير منها ورجح
ما تخيره، وعرض كثيراً من آراء الفقهاء في مناسباته، ورجح
ما رآه موافقاً للدليل، وكذلك استعان بكتب التاريخ
فنقل عن ابن إسحاق وغيره.
منهجـه في التفسيـر
لقد أجمع العلماء على عظيم قيمة هذا التفسير، وأنه لا غنى عنه
لطالب العلم عمومًا، وطالب التفسير على وجه الخصوص
يقول النووي فيه: " أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل
تفسير الطبري " أما ابن تيمية فيقرر أن تفسير الطبري
أصح التفاسير التي بين أيدي الناس.
وقد كان "تفسير الطبري " محط اعتبار عند المتقدمين
وكان كذلك عمدة عند المتأخرين من أهل العلم عموماً
والتفسير خصوصاً؛ فهو مرجع الأولين، وهو ملاذ
الآخرين في موضوع التفسير
وكما كان لهذا التفسير أوَّليَّة زمانية فقد كان له كذلك
أوَّليَّة موضوعية، فهو لم يقتصر على لون واحد من التفسير
بل اشتمل على ألوان من التفسير، رفعت من شأنه
وجعلت له تلك المنـزلة عند العلماء؛
فـ الطبري على الرغم من اعتماده على التفسير بالمأثور أساساً
جمع إلى جانب الرواية جانب الدراية، واهتم بالقراءات
القرآنية أي اهتمام، وكان له اعتناء بعرض وجوه اللغة
فضلا عن آرائه الفقهية واجتهاداته التي أودعها كتابه المذكور
إلاَّ أن السمة البارزة التي ميزت الطبري في " جامعه "
ذاك المنهج العلمي الذي سلكه في التفسير
فـ الطبري بحق كما يتبين لقارئ تفسيره كان صاحب منهج واضح
ونستطيع أن نوجز منهج الطبري في "تفسيره"
في النقاط التالية: - اعتماده أساساً على التفسير بالمأثور
الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صحابته الكرام
أو التابعين؛ وهو لا يكتفي بذلك، بل نجده يشدد النكير
على من يفسر القرآن بمجرد الرأي فحسب
ولا يُفهم من هذا النهج أن الطبري لم يكن يُعمل الرأي في تفسيره
بل الواقع خلاف ذلك، إذ إننا كثيرًا ما نجده يُرجِّح
أو يصوب أو يوجِّه قولاً لدليل معتبر لديه.
كان يقف من السند موقف الناقد البصير، والعالمِ النحرير
الذي لا يقبل الرواية إلا بعد تمحيص وتدقيق
ثم إنه كان يقدر إجماع الأمة، ويعطيه اعتباراً كبيراً
في اختيار ما يذهب إليه ويرتضيه.
أما منهجه في التعامل مع القراءات القرآنية فيقوم
على رد القراءات التي لم ترد عن أئمة القراءات المشهود لهم
أما القراءات الثابتة فكان له اختيار فيها؛ فهو أحياناً
يرفض بعضها لمخالفتها الإجماع، وأحياناً أخرى يفضِّل قراءة
على أخرى لوجه يراه، ويكتفي حيناً بالتسوية بين
تلك القراءات دون ترجيح
ومن منهجه كذلك أنه لم يكن يهتم بتفسير ما لا فائدة في معرفته
وما لا يترتب عليه عمل؛ كمعرفة أسماء أصحاب الكهف
ومعرفة نوع الطعام في المائدة التي نزلت على رسول الله
عيسى عليه السلام ونحو ذلك.
وكان الطبري يحتكم كثيراً في تفسيره عند الترجيح والاختيار
إلى المعروف من كلام العرب، ويعتمد على أشعارهم
ويرجع إلى مذاهبهم النحوية واللغوية
وكما أِشرنا بداية فقد كان الطبري صاحب مذهب فقهي
وهذا واضح في "تفسيره"، فنحن كثيراً ما نراه يعرض
لآيات الأحكام ويناقشها ويعالجها، ثم يختار من الأحكام
الفقهية ما يراه الأقوى دليلاً والأوجه تعليل
وكان من منهج الطبري أيضًا تعرضه لكثير من مسائل علم
الكلام والعقيدة، والرد على كل من خالف فيها ما عليه
أهل السنة والجماعة، وكان هذا النهج واضحًا لديه في رده
على كثير من آراء المعتزلة ومن شابههم
ثم أخيراً نَلْمَحُ الطبري يسوق في تفسيره أخباراً من القصص
الإسرائيلي، ومن ثَمَّ يتعقَّبها بالنقد والتمحيص
لكن وعلى الرغم من ذلك فاته بعض المرويات التي
لا تزال تحتاج إلى النقد الفاحص، والتمحيص الناقد
تلكم كانت جولة سريعة أطللنا من خلالها على شيخ المفسرين
وعلى تفسيره اوتعرَّفنا بإيجاز على أهم سمات
منهج الطبري في تفسيره الجامع
المآخذ على تفسير الطبري
الطبري رحمه الله ليس معصوما من الخطأ
وكتابه الذي بلغ ستة آلاف صفحة ليس غريبا أن ترد عليه
بعض المأخذ وأن تصدر منه أخطاء، والرسول صلى الله عليه وسلم
يقول فى الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة
" كل ابن آدم خطاء "
ولذلك لم يسلم تفسير الطبري من النقد
وكشف الأخطاء التي وقع فيها
ويمكن إجمالها فيما يلي
لم يطبق الطبري منهجه النقدي الكامل للأسانيد
على جميع ماجاء فى التفسير، وإنما فعل ذلك فى بعض
الروايات النادرة، وترك غيرها مع ما فيها من أسانيد
ضعيفة كان جديرا به أن ينبه عليها ويكشفه
حشد الطبري فى تفسيره كثيرا من الروايات الإسرائيلية
والنصرانية والأساطير والخرافات، وقصص الوعظ الخيالية
وكان المفروض علي الطبري أن ينبه علي حقيقته
دون أن يكتفي بذكرها وإشاعتها والسكوت عنها
ورد في تفسير الطبري بعض الروايات المتناقضة لابن عباس
رضي الله عنهما ولم يرجح رواية منها على أخرى
ولم يتعرض لبيان الصواب من ذلك، كما اعترض بعض
العلماء على الطبري فى نقده لبعض القراءات، وإبهامه
لأسماء بعض علماء العربية الذين أخذ منهم
وأشار إلى أسمائهم إشارة
وهذه الأخطاء ـ والحمد لله ـ ليست فى العقيدة
ولا فى أصول الدين ولا فى أركان الإسلام، ولا فى قواعد الدين
ولا فى الأحكام القطعية، ولا فى النصوص الثابتة
ولا فى معاقد الإجماع
ويبقي تفسير الطبري ثروة عظيمة، وذخيرة من ذخائر الإسلام
ومصدرا أصيلا لكل مفسر وعالم مجتهد، ومرجعا مهما فى جميع
العلوم اللغوية والعلوم الشرعية من علوم القرآن، إلى علوم السنة
إلى علوم السيرة إلى علوم الفقه والعقيدة وأصول الدين
والمذاهب الفقهية والكلامية، والتفسير بالمأثور
والرأي والاجتهاد والمعقول
وفـاتـه
بارك الله فى حياة الطبري فعاش ستة وثمانين عاما
فى سبيل العلم ونشره ليبقى ذكرى خالدة فى التاريخ
واسمه يتردد على الألسنة، وكتبه تتنقل من جيل إلى جيل
وعلمه ينتفع به الناس إلي يوم القيامة
وبقي الطبري مستوطنا فى بغداد ـ عاصمة الدولة العباسية ـ
وأعظم مركز للعلم والمعرفة في العالم في ذالك الوقت
ـ يؤدي رسالته، ويلتف حوله طلاب العلم والعلماء
ويملي كتبه التي بدأ بعضها فى آخر حياته
وهكذا عاش الطبرى راهبا فى محراب العلم والعمل
حتى جاءته الوفاة ولا رآد لأمر الله
قال الخطيب: " واجتمع عليه - حال الجنازة - من لا يحصيهم
عدداً إلا الله، وصُلِّي على قبره عدة شهور ليلاً ونهار
ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب "
وكان ذلك في يوم 26 من شهر شوال الموافق سنة 310 ه
محراب العلم والعمل
حتى جاءته الوفاة ولا رآد لأمر الله
قال الخطيب: " واجتمع عليه - حال الجنازة - من لا يحصيهم
عدداً إلا الله، وصُلِّي على قبره عدة شهور ليلاً ونهار
ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب "
وكان ذلك في يوم 26 من شهر شوال الموافق سنة 310 ه
ساحة النقاش