
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
"الراحمون يرحمهم الله تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمان من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله" حديث نبوي رواه الترمذي. الرحمة خلق رفيع يدل على نبل الطبع، وسمو الروح ونقاء المعدن، وكلما زادت معاني الرحمة في إنسان دلّ ذلك على اكتمال شمائله، ونضج فضائله، بلغت نسقها الأعلى في شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فكانت سيرته مع الناس نموذجا للرقة واللطف والسماحة والعطف بتأديب من رب العالمين "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" "آل عمران 159"؛ هذا ما جعله عليه الصلاة والسلام يقول "إن أبعد الناس من الله تعالى القاسي القلب".
وهكذا كان الإسلام يأمر بالتراحم، وقد جعله من دلائل الإيمان الكامل؛ فالمسلم يلقى الناس قاطبة وفي قلبه لهم عطف مذخور، وبر مكنون فهو يوسع لهم ويخفف عنهم جهد ما يستطيع بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن تؤمنوا حتى ترحموا، قالوا يا رسول الله كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة عامة".
فالإنسان يهش لأصدقائه حين يلقاهم، وقد يرق لأولاده حين يراهم وهو الشائع والمفروض أن تكون دائرة رحمة المؤمن أوسع لعامة الناس تبعا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء".
لقد وصف الله المجتمع المسلم بأنه متماسك بهذا العطف المتبادل، فقال عن أهله "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" "المائدة 56" ويعني بالذلة الليونة، ثم قال عز وجل "أشداء على الكفار رحماء بينهم" "الفتح 29"؛ فالمقصد من الشدة للمصلحة العامة هو حبس الشر، فقد تكون الشدة مع الشرير رحمة به وتقويما لعوجه.
الإسلام رسالة خير وسلام وعطف على البشر كلهم بدليل قول الله تعالى لرسوله "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" "الأنبياء 106" فقد حصر مقصد الرسالة في تحقيق الرحمة للناس كافة "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون" "سبأ 28". والمتأمل في القرآن الكريم يلاحظ أن كل سورة مفتتحة بـ"بسم الله الرحمان الرحيم" وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام "جعل الله الرحمة مائة جزء، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه".
وأجدر الناس بجميل بر الإنسان أحنهم عليه وأولاهم به وهم الوالدان، قال تعالى "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا" "الإسراء 24"، ثم أولاده، فعن البراء قال "أتى أبو بكر عائشة وقد أصابتها الحمى فقال: كيف أنت يا بنية؟ وقبل خدها". وعن أبي هريرة "قبّل رسول الله- صلى الله عليه سلم- الحسن أو الحسين بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحد قط" فنظر إليه رسول الله- صلى الله عليه سلم- وقال: "من لا يَرحم لا يُرحم"..
لا يجوز للمسلم أن يوصد قلبه وبيته دون أقاربه وأن يبت علائقهم فيحيا بعيدا عنهم لا يواسيهم في ألم ولا يسدي إليهم عونا، فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول "الرحم شجنة من الرحمة تقول: يا رب إني قطعت! يا رب إني أسيء إليّ! يا رب إني ظلمت! يا رب! يا رب.. فيجيبها: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك".
وتجب الرحمة باليتامى، فعن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى رسول الله- صلى الله عليه سلم- قسوة قلبه قال "امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين". وفي رواية للطبراني: أن رجلا جاءه يشكو قسوة قلبه فقال له: "أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟! ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلين قلبك، وتدرك حاجتك". ذلك أن القلب يتبلّد في المجتمعات التي تضج بالمرح الدائم فالمترفون يتنكرون لآلام الجماهير لأن الملذات التي تيسرت لهم تغلف أفئدتهم، وتطمس بصائرهم، فلا تجعلهم يشعرون بحاجة المحتاج وألم المتألم وحزن المحزون، والأفئدة النبيلة تكون للذين يحسون بالوحشة مع اليتم، والفقدان مع الثكلى، وبالتعاسة مع البائس الفقير.
وتجمل الرحمة مع المرضى، فإن أولئك المصابين يستقبلون الحياة بوسائل منقوصة، تعجزهم عن المسير فيها، لا يجوز أن نؤاخذهم بما أعفاهم الله منه؛ والمريض شخص قيّدته العلة ونغصه حر الداء ومر الدواء وهو في صبره على أوجاعه قريب من الله حقيق برحمته. ومن مواطن الرحمة الإحسان في معاملة الخدم، قال صلى الله عليه وسلم "كل يوم سبعين مرة" وقال "من ضرب سوطا ظلما اقتص منه يوم القيامة".
ومن الرحمة، الرفق بالحيوان، قال رجل: يا رسول الله: "إني لأرحم الشاة أن أذبحها" فقال "إن رحمتها رحمك الله". وقال عليه الصلاة والسلام "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض".
وقال عليه الصلاة والسلام "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيه فشرب ثم خرج وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني؟ فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله تعالى له فغفر له"؛ قالوا: "يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجرا" قال "في كل كبد رطبة أجر". وفي رواية "أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها "خفها" فغفر الله لها به".
لئن كانت الرحمة بكلب بلغت درجة غفران ذنوب البغايا، فإن الرحمة بالبشر تصنع العجائب بمشيئة الله الرحمان الرحيم "إن الله بالناس لرؤوف رحيم" "الحج 65"، "كتب على نفسه الرحمة" "الأنعام 12"، "إن رحمة الله قريب من المحسنين" "الأعراف 56".
نشرت فى 25 سبتمبر 2009
بواسطة princess
عدد زيارات الموقع
1,774,565


ساحة النقاش