لله درُّ البخاري حيث ترجم في كتاب (الصوم) باب (أجودُ ما كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يكون في رمضان). فقد أورد فيه حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسُهُ جبريل القرآن؛ فلرسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حين يلقاهُ جبريل أجود بالخير من الرِّيح المرسَلَة)! قال ابن رجب: "فدلَّك هذا على أنه - صلى الله عليه وسلم - أجودُ بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلُهم وأعلمُهم وأشجعُهم وأكملُهم في جميعِ الأوصافِ الحميدة".
فوصفُ جُودِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالرِّيحِ المرسَلة في ذَرْوةِ البلاغة ورَوْعةِ المناسبة؛ لأنها كنايةٌ عن الكثرة؛ وتلك من لطائفِ البيانِ لترجمانِ القرآن؛ فـ(الجود) "أصلٌ واحِدٌ يدلُّ على التسمُّحِ بالشيءِ وكثرةِ العطاء...والجود: المطرُ الغزير، والجوادُ: الفرسُ الذَّرِيعُ والسَّريعُ".ولا يخفى أنَّ المراد بالريح ـ كما قال ابنُ الـمُنَيِّر ـ "ريحُ الرَّحمةِ التي يُرْسِلُها الله؛ لإنزالِ الغيثِ العام، الذي يكون سبباً لإصابةِ الأرضِ الميتةِ وغيرِ الميتة؛ أي فيعُمُّ خَيْرُهُ وبِرُّهُ مَنْ هو بصفةِ الفقرِ والحاجةِ، ومَنْ هو بصفةِ الغِنَى والكِفايةِ؛ أكثرَ مما يَعُمُّ الغيثَ الناشىءَ عن الرِّيحِ المرسَلَة! "
أخي الصائم.. تذكَّرْ أنَّ الجودَ فلاحٌ ونجاحٌ، وقد امتدح الله - عز وجل - عباداً له بأنهم (يؤثرون على أنفسِهم ولو كان بهم خصاصةٌ). فهلاّ تشبَّهتَ بهم؟ وتفكَّرتَ في حالِهم؛ فلولا أنَّ الجودَ يُثْمِرُ فلاحاً ونجاحاً؛ ما سَمَّى اللهُ - عز وجل - الأجوادَ الأسخياءَ مُفلِحِين، فقال جلَّ جلاله: (ومَنْ يُوقَ شُحَّ نفسِهِ فأولئك هم المفلحون)!
وما ظنُّك أخي الصائم.. بخصلةٍ رَتَّبَ الله جلَّ جلالُهُ عليها المغفرةَ والفضلَ والحِكمةَ، فقال- تبارك وتعالى -: (الشيطانُ يَعِدُكُم الفقرَ ويأمركم بالفحشاء والله يَعِدُكُمْ مغفرةً منه وفضلاً والله واسعٌ عليمٌ يُؤتِي الحِكْمَةَ مَنْ يشاءُ ومَنْ يُؤتَ الحِكْمَةَ فقد أُوتِيَ خيراً كثيراً وما يذَّكَّر إلا أُولُو الألباب)!
وقد بشَّرَ اللهُ عبادَهُ بِنَيْلِ البِرِّ؛ إذا هم جادوا لإخوانِهم بما يُحِبُّونه لأنفسِهم، كما قال الله - عز وجل -: (لن تنالوا البرَّ حتى تُنفِقوا مما تُحِبُّون)! فهلْ يفوتُكَ هذا الفضل؟! أم تُراك تقول كما قال أبو بكر - رضي الله عنه - وقد قطع نفقتَه على مِسْطح ـ لما تكلّم في عائشة - رضي الله عنها - ـ فأنزل الله - عز وجل -: (ولا يأتل أولو الفضلِ منكم والسعةِ أن يؤتوا أولي القُربَى والمساكينَ والمهاجرينَ في سبيلِ اللهِ ولْيعفُوا ولْيصفحُوا ألا تُحِبُّون أن يغفرَ اللهُ لكم واللهُ غفورٌ رحيمٌ). فقال أبو بكر: (بلى واللهِِ يا ربَّنا، إنّا لنُحِبُّ أن تغفرَ لنا؛ وعاد له بما كان يصنع)!
[2] الجـُود من أعظم أبواب العلم:
وقد كان السلفُ فقهاءَ في هذا الباب؛ ليقينِهم بقولِ الله - تعالى -: (وما أنفقتم من شيءٍ فهو يُخْلِفُهُ وهو خيرُ الرَّازقين)! وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: (ما نقصتْ صدقةٌ من مالٍ)!
ويدلُّك على ذلك أحسنَ دلالةٍ ما رواه الترمذي في أبواب (الزهد) عن أبي كبشة الأنماريِّ - رضي الله عنه - أنه سمع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إنما الدنيا لأربعةِ نفر: عبد رزقَهُ اللهُ مالاً وعلماً؛ فهو يتقي فيهِ ربَّهُ ويصل فيهِ رَحِمَهُ، ويعلم للهِ فيهِ حقّاً؛ فهذا بأفضلِ المنازل، وعبد رزقَهُ اللهُ علماً ولم يرزقْه مالاً؛ فهو صادقُ النيّةِ يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ بعملِ فلانٍ؛ فهو بنيّتِهِ فأجرُهما سواءٌ، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقْهُ علماً؛ فهو يخبط في مالِهِ بغيرِ علمٍ: لا يتقي فيهِ ربَّهُ، ولا يصل فيهِ رحمَه، ولا يعلم للهِ فيهِ حقّاً؛ فهذا بأخبثِ المنازل، وعبد لم يرزقْهُ اللهُ مالاً ولا علماً؛ فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ فيهِ بعملِ فلانٍ؛ فهو بنيَّتِهِ؛ فوِزْرُهما سواء).
وقد أشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك إشارةً بليغةً في قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: (لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله الكتابَ وقام به آناءَ الليل، ورجلٌ أعطاهُ الله مالاً؛ فهو يتصدَّق به آناء الليل وآناءَ النهار).
مُضاعَفةُ الجودِ في رمضان:
ذكر أهلُ العلمِ فوائدَ كثيرةً؛ لزيادةِ الجُودِ في رمضان. قال ابن حجر: "قيل: الحكمةُ في ذلك: أنَّ مدارسةَ القرآنِ؛ تُجدِّدُ له العهدَ بمزيدِ غِنَى النفس، والغنى سببُ الجود... وأيضاً فرمضان موسمُ الخيرات؛ لأنَّ نِعَمَ الله على عبادِهِ فيه زائدةٌ على غيرِهِ؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُؤثِرُ متابعةَ سنةِ اللهِ على عبادِهِ؛ فمجموعُ ما ذُكِرَ من الوقتِ والمنزولِ به والنازلِ والمذاكرة؛ حصل المزيد من الجود".
وقال ابنُ رجب - رحمه الله تعالى -: "في تضاعف جودِهِ - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان بخصوصِهِ فوائدُ كثيرةٌ: منها شرفُ الزمانِ ومضاعفة أجرِ العمل فيه... ومنها: إعانةُ الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعاتِهم؛ فيستوجب المعينَ لهم مثل أجرِهم؛ كما أنَّ من جهَّز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهلِهِ فقد غزا... ومنها: أنَّ شهر رمضان شهرٌ يجود الله فيه على عبادِهِ بالرحمة والمغفرة والعتق من النار؛ لاسيما في ليلة القدر، والله - تعالى -يرحم من عبادِهِ الرحماء... ومنها: أنَّ الجمعَ بين الصيامِ والصدقة من موجِباتِ الجنة... ومنها: أنَّ الجمعَ بين الصيامِ والصدقةِ أبلغُ في تكفيرِ الخطايا واتقاءِ جهنم والمباعدة عنها؛ خصوصاً إذا ضُمَّ إلى ذلك قيامُ الليل... ومنها: أنَّ الصيامَ لا بدَّ أن يقعَ فيهِ خللٌ أو نقصٌ، وتكفيرُ الصيامِ للذنوبِ مشروطٌ بالتحفُّظِ مما ينبغي التحفُّظُ منه... ومنها: أنَّ الصائمَ يَدَعُ طعامَهُ وشرابَهُ للهِ؛ فإذا أعان الصائمين على التقوِّي على طعامِهم وشرابِهم؛ كان بمنزلةِ مَن ترك شهوةً للهِ وآثَرَ بها أو واسى منها؛ ولهذا يُشرَع له تفطيرُ الصُّوّامِ معه إذا أفطرَ؛ لأنَّ الطعامَ يكون محبوباً له حينئذٍ؛ فيُواسِي منه حتى يكون ممّن أطعمَ الطعامَ على حبِّهِ؛ ويكون في ذلك شكرٌ للهِ على نعمةِ إباحةِ الطعامِ والشرابِ له، وردّه عليه بعد منعِهِ إيّاه؛ فإنَّ هذه النعمةَ إنما عرفَ قدرَها عند المنع منها. وسئل بعضُ السلفِ: لِمَ شُرِعَ الصيامُ؟ قال: ليذوقَ الغنيُّ طعمَ الجوعِ؛ فلا ينسى الجائع! "
أنواع الجود:
الجُودُ أنواعٌ كثيرةٌ من المعروف والمواساة؛ فهو ـ كما قال ابنُ حجر ـ "إعطاءُ ما ينبغي لمن ينبغي؛ وهو أعمُّ من الصدقة". ولله درُّ ابنِ القيِّم حيث قال: "المواساةُ للمؤمنين أنواعٌ: مواساةٌ بالمال، ومواساةٌ بالجاه، ومواساةٌ بالبدنِ والخِدمة، ومواساةٌ بالنصيحةِ والإرشادِ، ومواساةٌ بالدعاءِ والاستغفارِ لهم، ومواساةٌ بالتوجُّعِ لهم؛ وعلى قدرِ الإيمانِ تكونُ هذه المواساة؛ فكلما ضعف الإيمانُ ضعفت المواساة؛ وكلما قوي قويت؛ وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أعظمَ الناسِ مُواساةً لأصحابِهِ بذلك كلِّهِ"!
ذهبَ الذي كان الصيامُ شعاره ** ولضيفِهِ الإنزالُ والآكالُ!
فكأنَّـهُ رمضـانُ في إخبـاتِهِ ** وكأنه في جُـودِهِ شوّالُ!
فالجود لا يرتبط بفقرٍ أو غِنًى، والسخاء لا يكون في وقتٍ دون وقتٍ، أو حالٍ دون حال؛ بل هو سجيّةٌ ثابتةٌ ومَلَكةٌ راسخة! وما أكرمَ قولَ ابن أبي حصينة:
ومتى رأيتَ يدَ امريءٍ ممدودةً ** تبغي مُواساةَ الكريمِ فَواسِها!
خيرُ الأكفِّ السابقاتِ بجودِها ** كفٌّ تجود عليك في إفلاسِها!
فمن للمسلمين بجوادٍ بارٍّ كالذي ذكره زياد الأعجم بقولِه:
أخٌ لك ما تراه الدهرَ إلا ** على العِلاتِ بَسَّاماً جَوادا!
سألناهُ الجزيلَ فما تلكَّأ ** وأعطى فوقَ مُنيتِنا وزادا!
فأعطى ثم أعطى ثم عدنا ** فأعطى ثم عُدتُ له فعادا!
مِراراً ما أعودُ إليه إلا ** تبسَّمَ ضاحِكاً وثَنَى الوسادا!
الجُودُ رَغبةٌ في عِتقِ الرقبة من النار:
وقد حكى القرآن من أخلاق الصالحين؛ أنهم (يُوفُون بالنَّذْرِ ويخافُون يوماً كان شَرُّهُ مُستطيراً ويُطعِمون الطعامَ على حُبِّهِ مِسْكِيناً ويتيماً وأسِيراً إنما نُطعِمُكم لوجهِ الله لا نُرِيدُ منكم جزاءً ولا شكوراً إنّا نخاف من ربِّنا يوماً عبوساً قمطريراً)!
وقد أخرج البخاريُّ في كتاب (الرقاق) باب (صفة الجنة والنار) حديث عدي بن حاتم (أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر النارَ فأشاح بوجهِهِ، فتعوّذ منها، ثم ذكر النارَ فأشاح بوجهِهِ، فتعوّذ منها، ثم قال: اتقوا النارَ ولو بشقِّ تمرة؛ فمن لم يجدْ فبكلمةٍ طيِّبةٍ)!
وللهِ درُّ ابنِ رجب، حيث قال: "هو شهرُ المواساةِ؛ فمن لم يقدرْ فيهِ على درجةِ الإيثارِ على نفسِهِ فلا يعجز عن درجةِ أهلِ المواساةِ... وجاء سائلٌ إلى الإمام أحمد، فدفعَ إليهِ رغيفين كان يَعُدُّهما لفِطْرِهِ ثم طَوى وأصبح صائماًن وكان الحسن يُطعِم إخوانَه وهو صائمٌ تطوُّعاً، ويجلس يروحهم وهم يأكلون، وكان ابنُ المبارك يُطعم إخوانَهُ في السفرِ الألوانَ من الحلواء وغيرِها وهو صائمٌ! سلامُ اللهِ على تلك الأرواح؛ رحمةُ الله على تلك الأشباح؛ لم يبقَ منهم إلا أخبارٌ وآثار! كم بين مَنْ يمنعُ الحقَّ الواجبَ عليه وبين أهلِ الآثار!
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمين



ساحة النقاش