عمرو خالد يكتب: ألوان الطيف
٢٩/ ٩/ ٢٠٠٨


(١)

«يا أَيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَي وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا».

هذه الآية دعوة للحوار، دعوة للتفاهم بين بعضنا البعض، دعوة لبناء الجسور بين بعضنا البعض عوضا عن بناء السدود، دعوة لتقريب المسافات بين بعضنا البعض، دعوة أن يتفاهم بعضنا البعض إن اختلفنا - وهو مؤكد ما سيحدث - لأن الله قد خلقنا مختلفين عن بعضنا البعض.

«يا أَيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَي وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا».. الشعوب والقبائل: أي مختلفين عن بعضكم، كان من الممكن أن تكونوا قبيلة واحدة أو شعبًا واحدًا أو عائلة واحدة، ولكن سبب هذا الاختلاف «لتعارفوا» اللام للتعليل، تتعارفوا فتتبادلوا فتتعاونوا فتتفاهموا فيحدث ثراء للأرض، فتتبادلوا الأفكار فالكل يزيد ويعلي، لأن هدف خلق الأرض هو إعمار الأرض، فإذا كان من آمالنا النهضة لبلادنا،

فأول خطوة هي التعايش مع أنفسنا، هناك كلمة قالها عالم من علماء الإسلام الكبار اسمه القاضي عياض، يقول: «الألفة إحدي فرائض الإسلام، وأركان الشريعة، ونظام يجمع شمل المسلمين» الألفة بيننا وبين بعض إحدي فرائض الإسلام، تخيلْ! ليس هذا فقط، بل إنه ليس هناك حكم شرعي في الإسلام إلا ومن أهدافه الألفة بين الناس عمومًا وبين المسلمين خصوصًا، فلماذا حرمت الغيبة والنميمة؟

ولماذا أُمِرْنا بصلاة الجماعة، وصلاة الجمعة، وتسوية الصفوف؟ حتي الطلاق له ضوابط شديدة! حتي لا تتفرقوا إلا بعد ضوابط شديدة وإحكام شديد، هذا هو الإسلام. الإسلام يرفض الإجبار علي الرأي الواحد، الإسلام يرفض أحادية الفكر.

الإسلام يري أنه ليس من العيب أن نكون مختلفين علي عكس ما يعتقده الكثير من المسلمين، فكل واحد يظن في نفسه أنه الصواب والآخر خطأ. فكرة الإسلام تقول إن الاختلاف عن الآخر سنة كونية، وإن العقل هو أعظم ما خلق الله، ولا يصح أن يكون الناس جميعاً بعقل واحد، لابد أن تختلف العقول.

وتلك أعظم نعمة خلقها الله، ولهذا قَبِل الإسلام أن نكون مختلفين، كيف تقبل أن يكون الناس مختلفين في أشكالهم، ولا تقبل أن يكون الناس مختلفين في طريقة تفكيرهم؟ تخيل لو كل الناس شبهك تماماً ثم تخيل أن كل موديلات السيارات وألوانها مثل موديل سيارتك ولونها، ثم تخيل لو كل الناس يلبسون ملابسك نفسها.. ماذا سيحدث لك؟

ستفقد عقلك وتجن، فلماذا لا تتخيل لو كل الناس صاروا يفكرون مثلك تماما ستحدث النتيجة نفسها، ستفقد عقلك وتجن، يجب أن ندرك أن اختلافنا ثراء وليس فقراً. فكرتي علي فكرتك ليست فكرة ثالثة بل عدد لا نهائي من الأفكار مثل انشطار النواة.

إن ألوان الطيف مختلفة عن بعضها البعض ولكنها، رغم اختلافها، استطاعت أن تجتمع لتصنع لوحة إبداعية رائعة من تناسق الالوأن المختلفة.. يقول الله تعالي «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ»، هذا هو الثراء، وهكذا تظهر حكمة الله في اختلاف البشر، إنها لغني وثراء البشرية.

(٢)

ثم إن هناك نقطة أخري.. إننا عندما نختلف لا نفكر أبداً أن ننظر لوجهة نظر الطرف الآخر، إننا فقط نري أنفسنا ولا نفكر، ولو للحظات، أن نضع أنفسنا مكان الطرف الآخر وننظر من زاويته هو، رغم أننا إن فعلنا ذلك، سنكون أقل حدة عند اختلافنا معه.

يحكي أنه كانت هناك سيدة في انتظار القطار في إحدي المحطات، وعندما تأخر القطار ذهبت لتشتري كيسًا من الحلوي وجلست في انتظار القطار علي أحد المقاعد وفي يدها كتاب تقرأ فيه، وإذا بفتاة تأتي لتجلس بجانبها وتأكل من كيس الحلوي الذي هو بجوار السيدة، وظلت السيدة تقرأ في الكتاب وتنظر إلي الفتاة التي تأكل من الحلوي دون أن تستأذن وتفكر السيدة أن تسبها وأن تتشاجر معها، ولكنها لا تستطيع أن تفعل،

وظلت الفتاة تأكل هي والسيدة من الكيس والفتاة مبتسمة والسيدة مستاءة حتي كانت آخر قطعة حلوي فأسرعت الفتاة بأخذها وقسَمَتها، وتركت النصف الآخر في الكيس لتأخذه السيدة وتصعد القطار وهي مستاءة للغاية من الفتاة، وإذا بالسيدة تفتح حقيبتها لتجد أن كيس الحلوي الخاص بها كما هو بحقيبتها وإذا بها تكتشف أنها هي التي كانت تأكل من كيس الحلوي الخاص بالفتاة. وهنا ندرك أهمية أن نضع أنفسنا في مكان الآخر.

(٣)

مهم أن نختلف.. فالاختلاف سنة كونية.. وأن يكون هناك رأي ورأي آخر.. هذا يقبل وهذا يرفض. لكن من الضروري أن يصل الاختلاف إلي نقطة التقاء تحقق في النهاية مصلحة بلادنا دون أن يفرض أحد رأيه علي الآخر بالقوة.


 

  • Currently 90/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
30 تصويتات / 349 مشاهدة
نشرت فى 8 أكتوبر 2008 بواسطة princess

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

1,775,526