للمتقاعدين في غزة.."حيثياتٌ" و"هموم"

الإثنين, 18 إبريل, 2011, 19:26 بتوقيت القدس

تقرير- مريم الشوبكي

 

هكذا هو حالهم..حياةٌ بلا عمل واستسلامٌ للجلوس في البيت، فلا مؤسسات حكومية أو خاصة ترعاهم ولا تستثمر خبراتهم، إلا فئةٌ قليلة استطاعت أن تجد لنفسها مشاريع خاصة.

السواد الأعظم من المتقاعدين تغلب السلبية على حياتهم، فهم يعتمدون على معاشهم في تدبر شئون حياتهم، ويعتبرون ذلك أقصى أمانيهم لأنه يوفر لهم حياة كريمة، دون أن يفكروا في استثمار طاقاتهم في أعمالٍ خاصة بهم، لكننا لا يمكن أن نلقي باللائمة عليهم وحدهم إذ لا مشاريع حكومية ولا خاصة تحتضنهم بعد تقاعدهم.

واقع المتقاعدين في غزة له العديد من الزوايا التي نجهل الكثير منها خاصةً ما يتعلق بحقوقهم، لذا ارتأينا أن نصحبكم إلى "جمعية الموظفين المتقاعدين المدنيين" كونها "البيت الوحيد" الذي يستظلون فيه..

ما يتعلق بالراتب
تأسسّت جمعية الموظفين المتقاعدين عام 1999، حيث تضم في عضويتها 800 متقاعد، وتعد مقراً يلتقي فيه المتقاعدون كي يتدارسوا شئونهم الاجتماعية، ويتبادلوا ذكرياتهم الجميلة، لتشكّل بالنسبة لهم "متنفساً فعلياً"، وتضم الجمعية شرائح متعددة من الموظفين مثل المهندسين والأطباء والمدراء، كما يُمثل المعلمون 55% من إجمالي المتقاعدين، كما أن "ناظم العمل" فيها هو قانون التقاعد الفلسطيني رقم (8) للعام 1964.

حين قمتُ بزيارةٍ لجمعية المتقاعدين..كان أول ما رأيته "خمسة" من الرجال الكبار يلعبون "طاولة الزهر" التي استحوذت على تركيزهم التام.. أومأتُ بابتسامة مرفقةٍ بتحيةٍ صباحية، ثم اتجهتُ نحو المكتب الذي يجلس عليه الأستاذ محمد الجدي رئيس مجلس إدارة الجمعية، حيث تعرّفنا عبره على طبيعة الإجراءات التي يعيشها المتقاعدون.

يقول الجدي:"إن الجمعية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهيئة التقاعد الفلسطينية، التي تشرف على صرف رواتب المتقاعدين بانتظام شهرياً، فكأحد الحقوق لهذه الفئة التي تتجدد أعدادها كل عام..فإن هناك قانونٌ للتأمين والمعاشات يضمن للمتقاعد حياةً كريمة، حيث بموجبها يتقاضون معاشاتٍ شهرية كما لو كانوا موظفين عاديين، بخلاف ما هو سائد في المؤسسات الخاصة ولاسيما الجامعات التي تمنح متقاعديها "مكافأةً نهاية الخدمة" دفعةً واحدة وليس راتباً شهرياً.

ويشير إلى أن من "ميزات القانون المذكور" هي المادة التي تنصّ على أن أي زيادة تطرأ على راتب الموظف العامل تنعكس بدورها على راتب الموظف المتقاعد، بمعنى أن أي علاوة تمنح للموظف العامل يأخذ مثلها المتقاعد، بالإضافة إلى النسبة التي تضاف على راتب المتقاعد كـ
بدل غلاء" معيشة، ولكن مع الأسف هذا البند الهام لا يزال قيد التنفيذ.

كما يبين أن سلم الرواتب يتغير كل (4-5) سنوات وهذا ينطبقُ أيضاً على رواتب المتقاعدين، وفي ذات السياق يضيف:"إن راتب المتقاعد اليوم أعلى بكثير من راتبه خلال سنوات عمله".

ويوافق تماماً الرأي القائل إن "قليلٌ دائم أفضل من كثيرٍ منقطع"، فحسب رأيه أن ما ثبت على مر السنين أن "الراتب الشهري المنتظم" للمتقاعد، يضمن له حياة كريمة وتمنعه من الاحتياج ومد يده إلى أبنائه، وهذا أفضل بكثير من "راتب نهاية الخدمة" المُتبع في المؤسسات الخاصة، وبه يمنح المتقاعد ادخاره دفعة واحدة.

لا يلبي الطموح
وبالطبع لا يخلو الواقع الذي يحياه المتقاعدون من بعض المشاكل التي تؤرّقهم، يتطرق إليها الجدي بقوله:"إن هيئة التقاعد الفلسطينية هي الجهة المسئولة عن المتقاعدين في غزة، حين يواجه المتقاعد أي مشكلةٍ فإنه ما يلبث أن يتوجه إليها لحلها، فمثلاً العام الماضي حدث وأن تأخر دفع الرواتب في البنوك، مما أحدث مشاكل عديدة وزحاماً شديداً، وقد وصلت شكوانا إلى إدارة الهيئة فبات المتقاعد يحصل على راتبه قبل أيامٍ من الموظفين".

لكن ماذا عن تنفيذ "مشاريع حكومية" خاصة للمتقاعدين؟!، يبدو محبطاً وهو يعرب عن أسفه إزاء غياب برنامجٍ حكومي واضح لاستغلال طاقاتهم وخبراتهم، فالأمر يقتصر على اختيار بعض المتقاعدين للمشاركة في المؤتمرات والندوات التي تعقدها، وبشكلٍ عام توقفَ الدعم المالي الذي كان يُمنح لجمعية المتقاعدين في الماضي، "فالدعم شحيحٌ ولا يلبي الطموح"، مستدركاً أن الأمر لا يخلو من الحصول على بعض الدعم من قبل بعض المؤسسات الخاصة.

وكما يظهر الجدي في بعض المحاور شيئاً من إحباطه، فإنه في المقابل يظهر استحساناً إيجابياً نحو نظرته في بعض الأمور:"أعتقد أن الاستسلام للواقع نظرةٌ قديمة تغيّرت الآن، حيث أجد أن الكثير منهم إما يعمل مع أبنائه، أو حتى يعملون في الجامعات والمدارس الخاصة، ومنهم من يعمل في "أعمالٍ حرة"، وبذلك يؤمّنون لحياتهم مستقبلاً دائماً ويستكملون عطاءهم في الحياة"، متمنياً أن تجد فكرة إنشاء منتدى للمتقاعدين طريقاً للنور، وهذا الطبع يتطلب التعاون من الجهات المعنية".

إنجازات
وقد حقّقت الجمعية إنجازاتٍ عدة تصب في مصلحة المتقاعدين، حيث إن القانون يتضمن بنداً يتيح في حال توفي "الأب المتقاعد" والأم المتقاعدة" فإنه يتم تحويل راتبهما إلى "الوارثين"- غير المتزوجين – على ألا يزيد "مجموعهما" عن 3000 شيقل، لكن جمعية المتقاعدين استطاعت رفعه إلى 3600 شيقل.

ويتابع "الجدي"لقد استطعنا أيضاً إصدار "جواز سفر" المتقاعد، وكتابة مهنته السابقة فيه، إضافةً إلى تخفيض "رسوم السياقة" إلى النصف لمن يرغب من المتقاعدين تعلّمها، وكذلك تم تكريم بعض المتقاعدين برحلةٍ إلى الديار الحجازية لأداء مناسك الحج من قبل وزارة الأوقاف، وتم الاتفاق مع بعض المؤسسات الطبية لتخفيض "سعر الكشف" للمرضى من المتقاعدين إلى النصف".

مطالب بتفعيل القرارات
ولا يزال المتقاعدون يطالبون بإنصافهم والإسراع في تطبيق القوانين التي تضمن لهم الحق في الحصول على زيادة في الراتب في حال حصول الموظف العامل على هذه الزيادة، بالإضافة إلى مطالبتهم باستبدال "بيع ربع المعاش" الذي يعني بأن المتقاعد إذا رغب في الحصول على "مبلغ معين" على سبيل "السلفة"، فإنه يكلفه استقطاعاً من راتبه مدى الحياة، بالرغم من أنه قد يكون سدده كاملاً خلال بضع سنوات، بالإضافة إلى أنه في حال أي زيادة تطرأ على راتب المتقاعد تزيد نسبة الاقتطاع وذلك يتوقف على معدل المبلغ الذي اقترضه.

وعن رأي الجدي في مطالبة بعض المتقاعدين برفع سن التقاعد إلى 62 عاماً، فقد رفضَ ذلك معللاً بأن "جيش" العاطلين عن العمل سيزيد وتتفاقم مشاكل البطالة أكثر، وسيهمش دور الشباب في المجتمع، مطالباً بإيجاد مشاريع أخرى تستوعب هؤلاء المتقاعدين وتستفيد من خبراتهم.

ما بين هذا وذاك
"اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً"...إنها "النصيحة الجميلة في إيجابيتها وواقعيتها التي وجهها للمتقاعدين والتي ختم بها الجدي حديثه، لننتقل بعد ذلك إلى الحديث مع "بعضهم" ممن كانوا يتواجدون في الجمعية، حيث وصف "جزءٌ" منهم الواقع الذي يعيشونه بأنه يغلب عليه التهميش، بينما آخرون أكدوا أن المتقاعدين في غزة أفضل حالاً من نظرائهم في الدول العربية، نظراً لقوانين التقاعد المجحفة بحق الأخيرين والتي لا تمنحهم رواتب كافية لحياة كريمة.

فعلى سبيل المثال يرى محمد أبو الليل،-الذي كان يعمل سكرتيراً تنفيذياً في كلية فلسطين للتمريض، أن المجتمع لا يوفر أي مجالات للعمل تناسب المرحلة التي يمرون بها، مضيفاً:"من المفترض أنه بعد مضي 28 عاماً من العمل فإنه يحصل الموظف تلقائياً على ترقية وعلاوة راتب، لكني بعد خدمة ثلاثين عاماً لدائرتي لم أحصل على ترقية ولا أي مكافأة، وعلاوةً لنهاية الخدمة، ذلك أن قرار العلاوة توقف بعد استلام حركة حماس الحكم في غزة، فما زلت أتقاضى راتبي كأني موظفاً عادياً دون علاوة كباقي المتقاعدين الذي يعلمون في قطاعاتٍ غير حكومية".

ويمضي في حديثه:"لم يتوقف الأمر عند ذلك بل امتد إلى قانون بيع "ربع المعاش" الذي قمت بالتوقيع عليه، وغلطتي أني كنت أجهل عواقبه، حيث وقعّت على "بيع ربع المعاش" لمدى الحياة، والآن بعد مضي عشر سنوات فقد سددت المبلغ، ولكني الآن أوشك على دفع "الضعف"، وهذا يعد ظلماً بالنسبة للمتقاعد لأنه يسدد المبلغ ويبقى الخصم متواصلاً".

هل ترى أن الواقع الذي يعيشه المتقاعدون بلا عمل يعود إلى السلبية التي يتصفون بها؟!"، أطرق مجيباً:"لا يمكن وصف ذلك بالسلبية، إلا أن المتقاعدين بالفعل لا يجدون عملاً يناسب الخبرات التي قدموها، وحالياً يشتكي الكثيرون من قلة خبرة الجيل الحالي من الأطباء في المستشفيات.. فلماذا لا تضع الحكومة برنامجاً خاصاً لتدريب هؤلاء الأطباء على أيدي الخبراء المتقاعدين لتحسن مستوى المهنة في غزة".

أحدهم كان يشغل مناصب عليا في مؤسسته، كـ"حال" اسحاق زيدية المدير العام السابق لدائرة المالية في وزارة البريد والاتصالات، الذي أكد بأن المتقاعدين في غزة يتمتعون بمميزات تضمن له حياة كريمة بعد المعاش.


ولـ"زيدية" تجربة في حضور مؤتمرات المتقاعدين العرب كممثل عن اتحاد المتقاعدين الفلسطينيين في الدول العربية، ومسئول العلاقات الدولية والعربية للاتحاد، أكد أن قانون التقاعد المعمول به في فلسطين رقم (8) للعام 64، يتفوق على قانون التقاعد المعمول به في الدول العربية ولا سيما المصرية منها.

ولفت إلى أنه تم إصدار قانون جديد للتقاعد رقم (7) للعام 2005، وهذا القانون فيه مشاكل عديدة منها يرفع سنوات الخدمة من 28 سنة إلى 35 سنة حتى يتمكن المتقاعد من الحصول على زيادة مكافأة الخدمة بعد خمسةٍ وثلاثين عاماً بالتمام والكمال، كما أنه يلغي بند التقاعد المبكر.

 

المصدر: جريدة فلسطين أونلاين
  • Currently 16/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 231 مشاهدة
نشرت فى 4 مايو 2011 بواسطة paltrain

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

محمد حامد الجدي

paltrain
الموقع الشخصي للأستاذ محمد حامد الجدي متخصص تربوي مدير عام للتربية والتعليم بقطاع غزة سابقاً »

عدد زيارات الموقع

22,406