بينما كان يوسف زيدان ملتقيا بجمهوره في معرض تونس للكتاب الذي يحل عليه "ضيف شرف" كانت في القاهرة حرب مشتعلة ضده يقودها محامي الكنيسة المصرية ورجال الدين المسيحي الذين أعلنوا عليه الحرب مهاجمين إياه بكل الطرق الممكنة. وبينما كان زيدان يجيب عن أسئلة القراء التونسيين ، كان محاميان شهيران يعدان بلاغاً ليتقدما به إلى النائب العام ، يتهمانه فيه بازدراء الدين المسيحي والتهكم على الديانة المسيحية ، مطالبين بالوقوف ضد هرطقات زيدان.
علاقة زيدان المتوترة مع رجال الكنيسة المصرية بدأت بإصداره رواية "عزازيل" التي تتناول جانبا من تاريخ الكنيسة من وجهة نظر تاريخية إبداعية مثيرة للجدل ، نتج عنها مواجهات وصدامات وصلت إلى ساحات القضاء ، حيث اتهمه القمص عبد المسيح بسيط بالإلحاد ، وهي التهمة التي نالت من سمعة الروائي والأكاديمي ، فقرر أن يقاضي "بسيط" بتهمة السب والقذف ، إلا أنه تنازل عن حقه وقضيته التي كانت كفتها تميل إلى ناحيته بعدما اعتذر "بسيط" موضحا أن اتهامه زيدان بالإلحاد كان "زلة لسان" ، فتغاضى عن القضية لأنه على ـ كما قال حينئذ ـ لا يريد أن يرى رجل دين في قفص الاتهام بسبب رأي قاله ، حتى ولو كان هذا الرأي جارحا ومفتريا.
أما سبب الهجوم الأخير الذي يتعرض له صاحب عزازيل فيرجع إلى نشر جريدة اليوم السابع القاهرية نصَّ ندوةْ عقدتها الصحيفة معه ، وقال فيها رأيه ، على اعتباره عالما وخبيرا بالمخطوطات والعلوم الفلسفية ، بشأن تأثر بعض التفاسير المسيحية بالوعي الأسطوري في فكرة الفداء الرباني ، والخلاص من الخطيئة. ويبدو أن المستشار نجيب جبرائيل ، وهو محامي الكنيسة المصرية ومحامي البابا شنودة ، وجد في هذا الكلام فرصة جيدة للرد على ما أسماه "تطاول" زيدان على الديانة المسيحية. فعزم على أن يقدم بلاغا للنائب العام يتهم فيه زيدان بتعمد الإساءة للمسيحية والمسيحيين. وجاء في نص البلاغ الذي حصلت الدستور على نسخة منه ، قبل تقديمه للنائب العام ، أن زيدان "عاود ـ المرة تلو الأخرى ـ وصف المسيحية بأن بها أساطير ، وأنها تضمنت كتاباته وأقواله ، فى مواقع عدة ، ما يسيء للديانة المسيحية ويزدريها ، ما يشكل جرائم منصوصاً عليها فى المادة 89 من قانون العقوبات الخاصة بتجريم ازدراء الأديان". والتُمًسَ اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المشكو عليه حفاظا على السلام الاجتماعى ، ومنعا لإزدراء دين سماوى معترف به فى الدستور المصرى.
الدستور سألت جبرائيل عن سبب لجوئه للقضاء وعدم الرد على الفكر بالفكر ، والرأي بالرأي فقال: "استنفدنا كل طاقتنا في مواجهته. وكنا نتبع معه مبدأ الرد على الفكر بالفكر ، لكن زيدان يهوى معاندتنا واستفزازنا بتهكمه على ديانتنا ، فكان لا بد من وقفة حازمة حياله". لكنْ لماذا يعتبر جبرائيل رأي زيدان المبني على أساس علمي استفزازاً وتهكماً؟ يجيب المستشار عن هذا السؤال بقوله: "لا يوجد شيء اسمه 'علمي' مع العقيدة. وفي عقيدتنا العديد من المقدسات التي يجب أن يحترمها الجميع ـ شاؤوا أم أبوا ـ وغير مسموح لأحد أن يتكلم في أمور العقيدة ويدلي برأيه فيها لأن كل ما فيها مقدس ، حتى الأيقونات في الكنائس التي 'يرشمها' البابا ، فإنها تصبح مقدسة وغير قابلة للمساس بأي شكل".
في الوقت ذاته ، الذي كان يعد فيه جبرائيل مذكرته القانونية التي سيقدمها للنائب العام ، كان المحامي ممدوح نخله عضو الاتحاد الدولى للمحامين بباريس ، ورئيس مركز الكلمة لحقوق الإنسان ، يعد مذكرة لتقديمها للقضاء ضد زيدان ، يتهمه فيها بتعمد الإساءة للأقباط ، وتشويه عقيدتهم ، وهذا الهجوم المسيحي الكبير على زيدان دفع أحد أشهر المحاميين المصريين (نبيه الوحش) المشهور بقضايا الحسبة التي يقول إنه يدافع عن الإسلام من خلالها ، يعرب عن تطوعه للدفاع عن زيدان متمنيا مواجهة جبرائيل ونخلة في معركة قضائية ستشغل الرأي العام فترة قد تطول. أما زيدان نفسه فقد آثر الصمت ، وأجل رد فعله على حتى ينهي زيارته إلى تونس ويعود إلى القاهرة.


ساحة النقاش