جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يدخل المعلم ( جلال ) الفصل ومعه لوحة .. يبسطها ويضعها على السبورة .. وفجأة تنفجر البنات بالضحكات المكتومة تحت الحياء ، وأخذتِ الشهقات والهسهسات تتحاور بينهن وكأن في اللوحة مهرجًا عجيبًا ، لكنه وقف بثبات المعلم قوي الشخصية يوزع النظرات الحادة عليهن التي تحمل وقع السياط الموجع فأخرست كل هذا الاضطراب المحكوم ، إلا أن واحدة من البنات أخذتها الغيرة الشديدة على الحياء الذي سيُهْدر دمه في الفصل بعد قليل ، فقامت بحماس في مقعدها تصرح :ـ هذا لا يجوز ـ يا أستاذ ـ .. لا ينبغي أن يقوم بشرح هذا الدرس معلم ، ألا توجد معلمة بالمدرسة .. ينبغي أن تراعي المدرسة البنات مرهفات الإحساس أمثالنا .. وأنا شخصيا لن أقبل بهذا الوضع .. أريد أن أقدم شكوى لمدير المدرسة بهذا الخصوص .. رجاءً نحن بذلك نفصل آخر عقد الحياء في مجتمعنا .. أما يكفي ما يؤذينا به التليفاز وتفجعنا به الشابكة الحاسوبية ..
يلتزم المعلم ( جلال ) الصمت بينما ينظر إليها متذكِّرا حديثه مع الناظر في فناء المدرسة قبل دخول الحصة ..
:ـ يا حضرة الناظر درس اليوم إمَّا أن يشرحه معلمُ الفصل لأن البنات قد اعتدن عليه ، وإما أن تدخل معلمه تقوم بشرحه حتى نخفف من حدة الحرج ، فأنا لست معلم هذا الفصل ، وأخشى ....
:ـ يا أستاذ (جلال ) قدِّر ظروفي ـ يا أخي ـ أرجوك ، فالأستاذ ( عصام ) هو معلم الفصل ، ومتغيب اليوم والله أعلم بظروفه ، والأستاذة ( أمل ) منشغلة في حصة .. ولا يوجد أحد غيرك هيَّا ـ يا بطل ـ أنهِ فنجان القهوة الذي في يدك وادخل الحصة ... باقي عشر دقائق .. سلام .
جلس يكمل فنجان القهوة تُحدِّثه نفسه برفض الأمر :ـ ( عصام ) يتغيب ويقضيها دروسًا خصوصية ، وتسيبًا وإهمالًا ، وأنا أتحمل هَمَّ الحصص الإضافية وبدون مقابل أو مُحفِّز .. ألا ينبغي أن تلتفت المدرسة لمثل هذا الأمر المهم، فيدخل المعلم حصتة مُحَفَّزًا فيتم الحصة بكامل النشاط ويعطي كل ما لديه من طاقة .. التحفيز هام جدا للمعلم .. آااااهٍ يا ( عصام ) متى ترعوي وتنضبط وتكفَّ عن تسيبك وأعمالك التي ستوصلك حتمًا إلى طردكك من البيت ، وقد يقوم صاحب العمارة بطرد كل المدرسين المغتربين من العمارة بسببك ، ولربما أدى الأمر إلى إنهاء تعاقدنا لترحيلنا إلى بلادنا ، وعندما أحذره كي يتوقف عن استقبال البنات بشقته بحجة الدروس الخصوصية ، وأنا أعلم تماما ما الذي يدور داخل الشقة يضحك ويقول :ـ هههههه ، وماذا أفعل ـ يا جلال ـ يا صديقي ـ بعضهن يحب الشرح العملي لدرس الجهاز التناسلي والجهاز البولي ...
بالأمس شاهدت إحدى البنات تخرج من الشقة مهرولة وهي تحاول ارتداء النقاب على باب الشقة لكي لا يراها ولا يعرفها أحد ، شاهدتها أثناء نزولي من الطابق الأعلى حيث أقيم لكنها لم ترني .. انطلقت كالريح وألقت نفسها في سيارة أجرة متوقفة بجوار العمارة .. كان منظرها مخزيًا ويدعو للشفقة أيضا على حالها ... ياااالَكِ ـ أيتها الساقطة الشقية ـ من عار على المتعلمات ، وتتخذين أيضا من النقاب هذا السمت المحتشم الطيب الذي تُكَرَّمُ به النساء .. تتخذين منه ستارا يواري عملك الشائن ... وااااه نقاباه .. كم من جرائم ترتكب باسمك ... فَضَحَكِ الله أيتها الخاطئة الخسيسة .. إيييييييه ، ولماذا أدعو عليها ؟ ... أسأل الله لها الهداية والتقى ولكل البنات يا رب العالمين .. فإن لها أبا وأما لا يستحقان منها أن تفضحهمها هذه الجاهلة برعونتها ... ويحي على الأباء من الأبناء والبنات في فترة المراهقة فترة عصيبة ودقيقة تحتاج إلى أبوين رحيمين وحازمين بالوقت نفسه وفطنة بالغة .. ، وقبل أن يغلق ( عصام ) الباب وقد وقف يراقبها ويراقب السلالم ومدخل العمارة حيث يقيم هو في الطابق الأرضي أظهرتُ له نفسي ووقفتُ أحذره للمرة المليون من عاقبة ما يفعل .. يضحك ويقول : ههههه بعض البنات يحب الشرح العملي وأنا ماهر في الشرح العملي ـ يا جلال ـ ... :ـ أستغفر الله العظيم .. سبَّةٌ أنت يا ( عصام ) في جبين التعليم و المعلمين ، تتخذ من إرث الأنبياء وسيلة لإشباع أهوائك الشيطانية يا لك من مغبون .. هداك الله يا ( عصام ) .
ما زالت تلك الصاخبة تصرخ في الفصل ، وهو يجمع تركيزه بعد هذه الومضة الخاطفة التي تذكَّر فيها كل الأسباب التي أدخلته هذا الفصل اليوم .. البنات يعرفن المعلم ( جلالا ) ويعرفن شدته وحزمه في مثل هذه الأمور ، ويفهمن جيّدًا أنواع العقاب التي يجيدها مع البنات المشاغبات من استخدام لكافة أنواع الحِرْمَانات ( من الفسحة .. من حصة التربية الرياضة .. ومن كافة الأنشطة الترفيهية ) وقد يصل الأمر إلى استدعاء ولي الأمر أو الطرد من المدرسة ... كل ذلك يَعْرِفْنَه عن المعلم ( جلال ) ويُقَدِّرْنَ أيضًا كفاءَتَه ونبوغ مادته العلمية، لكن هذه بالذات ما زالت ترغي وتزبد صارخةً بينما المعلم (جلال) يراقب صامتًا مصوبا نظراته الحادة إلى الجميع لكي لا تقلدها بنت من البنات فنتتج بالفصل ثورة وفتنة .. يتوجه إليها حيث تقف في المقعد الأخير من الصف أقصى اليمين بهدوء مُجَمِّعًا يديه إلى صدره جاذبا كل نظرها له وهي ما زالت واقفة .. :ـ اجلسي ولا أريد أن أسمع صوتك ، وإلا جعلتُ منك مُثْلةً للمدرسة كلها .. ثم اقترب أكثر وهمس إلى أذنها :ـ هل نبدأ الدرس الآن أم أنَّكِ تُحبِّينَ الشَّرحَ العملي كما يفعل الأستاذ ( عصام ) في الشقةِ معكِ