نسمات مديحة حسن

شعر / خواطر / قصة قصيرة / وطنيات

authentication required

حـســـن زايــــــد .. يكتب :
غــريـب فـي قـريـتـي
خرجت من مسجد ـ بني حديثاً ـ علي رأس الشارع ، الذي يفضي إلي البيت القديم ، في قريتنا ، التي خلعت إيهاب الريفية ومعطفه ، وتلفحت بأردية الابنية الحديثة ، عمارات حجرية شاهقة ، ذات شرفات مزينة بزخارف اسلامية ، تصبغ المبني بصبغة معمارية ، لا تنتمي إلي البيئة الريفية القديمة , وما أن خرجت من المسجد بعد صلاة عيد الفطر ، أتوكأ علي كتف نجلي ، حتي رن الهاتف . أخرجت الهاتف ، ونظرت فيه ، فإذا به رقم دون اسم . فتحت الخط ، ورددت علي الجانب الآخر :
ـ أتعرف من يكلمك ؟ .
انتظرت هنيهة كي استدعي نغمة الصوت وجرسه ، وتخميناً قلت بثقة مصطنعة :
ـ طبعاً .
لم يطل بي الإنتظار ، تحت وهج الشمس ، المنذر بارتفاع درجة حرارة الجوعند انتصاف النهار، حتي قدم الصديق القديم . تعانقنا بحرارة ، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث ، كما كنا نفعل بالأمس البعيد . داهمني بقوله :
ـ ما الذي دفعك إلي الإنقلاب علي الإخوان في مقالاتك ؟ .
قلت : لم انقلب .
قال : أين كتبهم التي كنت تقرأها في شبابك . وترعرت عليها .
قلت : كلام نظري انقلبوا عليه ، حين تقلدوا مقاليد الأمور في البلاد . فضلا عما تكشف لي ، فيما بعد من نفعيتهم ، التي تعد بمثابة المحرك الأول لتدينهم المغشوش .
قال : أفهم من ذلك إنك سيساوي ؟ .
قلت : لا أنا مصراوي .
قال : أراض عما نحن فيه ؟ .
قلت : لا . إنه الشر الذي لابد منه ، من باب الضرورات التي تبيح المحظورات ، ولكن لا تحملوا السيسي كل أوزار من سبقوه ، كونوا منصفين مع الرجل ، ومع أنفسكم ، فلم يمر عليه في حكمه من الوقت ، ما يكفي لتحقيق كل ما تزعموه من الشرور. لو كان في الشر ساعياً . وأنا أراه علي خلاف ذلك . ثم تطرق الحوار إلي قضايا أخري .
بعد انتهاء اللقاء ، توكأت علي كتف نجلي ، وقفلت عائداً إلي بيت الأسرة العتيق . وفي طريقنا تصفحت المباني الحجرية الشاهقة ، التي تدنوها أبواب المحلات التجارية المتراصة ، ذات الأسماء الإفرنجية ، وماركات السيارات الفارهة التي تمرق مسرعة ، في الشوارع الضيقة .
اصطحبني أخي الأكبر في رحلة صلة الأرحام ، والمعايدة علي الأهل . وفي كل بيت نذهب إليه ، تدور المناقشات ، حول الإخوان والجيش والشرطة والأسعار. وتجد نفسك في معارك جدلية مفتوحة علي نحو صرعي ، مع شباب صغير ، غزته سموم الإخوان ، سواء عبر الدعاية المباشرة ، أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي . مستغلين في ذلك الظروف الاجتماعية والفكرية البائسة ، فضلا عن الظروف الصحية والتعليمية المنعدمة .
ونتيجة تردي الأوضاع الإقتصادية ، كانت الهجرة ، سواء الشرعية أو غير الشرعية لإيطاليا . وعاد من هاجر في أجازة محملاً بما اغترفه من أموال ، تفوق التصور والإحتمال . ومن لم يهاجر غزته التجارة غير المشروعة ، التي تفضي إلي الثراء الفاحش ، دون وجود مبررات موضوعية لهذا الثراء . أو نال منه التمويل القطري الإخواني علي نحو لافت وفج .
وقريتنا ليست من القري الرأسمالية ، وإنما كانت قرية تابعة لإحدي إقطاعيات أسرة محمد علي ، وهو الإقطاعي عمرو باشا إبراهيم . وأهالي القرية كانوا مجموعة من الأجراء في هذه الإقطاعية ، إلا قليلاً . وبعد ثورة يوليو 1952م ، جري توزيع الأراضي علي الأهالي . ومن هنا يمكن القول ، بأن التراكم الرأسمالي ، الحاصل نتيجة ملكية هذه الأراضي ، لا يحقق هذه الطفرة الهائلة من النمو العمراني
وهذه المناطق الريفية تغفل عنها الدولة لأسباب شتي ، وهي بيئة خصبة ؛ لنمو حواضن التفريخ ، للفكر المعادي للدولة ، ومؤسساتها ؛ لأسباب شتي .
لقد شعرت داخل قريتي بالغربة القاتلة . لم تعد البيوت الريفية المبنية من الطوب اللبني ذات وجود ، إلا كوجود الآثار الفرعونية في مصر الحديثة . لم تكن تتعدي هذه البيوت ارتفاع الدورين لا أكثر ، ملحقا بكل بيت زريبة لتربية المواشي ، وعشة فوق السطوح لتربية الدوجن والطيور، وفرن بلدي لصناعة الخبز ، وكوانين لطبخ الطعام . ووسيلة الانتقال هي الحمير .
لم نشاهد البيوت الحجرية سوي في البندر ، ولم نشاهد سوي القصور الملكية في التلفاز ، ولم نر السيارات الفارهة سوي في الأفلام والمسلسلات ، وسيارة مدير المديرية ومرافقيه ، القادمة من ديوان عام المحافظة ، للتفتيش علي أعمال الإصلاح الزراعي .
اليوم نري العمارات الشاهقة ، والسيارات الفارهة ، والقصور الباسقة .
لقد أكلتني الغربة في قريتي .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 24 مشاهدة
نشرت فى 27 يونيو 2017 بواسطة nsmat

مديحة حسن كاتب وشاعر

nsmat
شعر / خواطر / وطنيات / قصة قصيرة / اخري »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

260,966