| تأملات في دنيا الله مفتاح اللغز بقلم:د. مصطفي محمود | |
|
هل العقل هو مجرد نشاط المخ...؟! أم أن العقل شيء آخر أكبر من المخ..؟ سؤال محير...!! لو قلت إن العقل هو مجرد نشاط المخ لكان معني هذا أن العقل لن يكون له وجود إلا حيثما يوجد مخ ولن يملكه إلا من يملك مخا... وهي نتيجة لاتبدو صحيحة.. فالحيوان الوحيد الخلية الذي لا يمتلك أي أثر لمخ أو جهاز عصبي يتصرف بفطرة عاقلة, فيميز ماينفعه مما يضره, ويدرك مكامن الخطر ويبتعد عنها, ويدرك مواطن المنفعة ليتجه إليها.. وهو قد يجتمع في أعداد هائلة ويعيش في شبه مجتمعات, وفي داخل هذه المجتمعات البدائية يحدث ما يشبه تقسيم الوظائف, فتتخصص بعض الخلايا في عمل علي حين تتخصص خلايا أخري في عمل آخر لصالح المجموع. وفي الوقت ذاته يحتفظ كل كائن فرد بحريته, فيترك المستعمرة إذا شاء ويهيم وحده.. فإذا حدثت الكارثة وبدأ المستنقع يجف أو اشتدت البرودة فجأة, فإنه يحيط نفسه بغلاف واق وينام في حالة غيبوبة قد تمتد سنوات حتي تواتيه الفرصة, فيخرج من غلافه ويستأنف الحياة. مثل هذا السلوك هو سلوك عاقل فيه نظام وفيه ارتباط بين الأسباب ومسبباتها, ولابد أن في هذه المادة الحية البدائية التي بلا مخ فطرة عاقلة تهديها.. وإذا عبرنا خط الحياة وذهبنا إلي الفيروس, ذلك الكائن الذي مايكاد يقع علي خلية حية حتي ينشب مخالبه في جدارها ويحقنها بمادته السحرية D.N.A التي تشملها تماما وتحولها إلي خادم تحت إمرته, تصنع له من مادتها نسلا بالملايين. هذا الغازي المتنكر الذي يستولي علي إرادة ضحيته ويستعبدها بل يفنيها لأغراضه.. ماذا نسمي ما يفعله.. غير أنه خطة ماكرة فيها حبكة.. وكأنها العقل بعينه. وإذا عبرنا الخط أكثر وذهبنا إلي المادة الجامدة الموات.. المادة الكيميائية العادية مثل كبريتات النحاس أو ملح الطعام أو السكر أو نترات البوتاسيوم. مثل هذه المواد لو أذبناها في الماء في محاليل مركزة وترقبنا ما يحدث بعد أن يتبخر جزء من الماء لرأينا عجبا, فإنها لتتساقط إلي القاع.. ولكن في أشكال هندسية مكعبة ومربعة وسداسية وأسطوانية ومغزلية.. ثم هي تنمو .. كل بلورة منها تنمو وتكبر محافظة علي شكلها الهندسي المميز.. وإذا حاولت أن تكسرها, فأنت محتاج إلي طاقة.. وإذا ضغطت عليها أطلقت تيارا من الكهرباء. هذا النظام الرائع الذي ينبثق من اللانظام. وهذا الكيان الذي يتخذ لنفسه طابعا خاصا وذاتية منفردة, ألا يعطيك إحساسا بأنه هنا.. أيضا.. العقل يعمل في داخل المادة الموات, ومن عجب أن كل مادة تتبلور حتي الحديد والنحاس والألمونيوم والكبريت.. وحتي الخشب.. كل مادة تحاول أن تتخذ لها نظاما مميزا وأن تخرج من الحالة المهوشة إلي الانتظام وكأنما بعقل مبثوث فيها يرسم لها هذا المخطط البالغ الدقة. وإذا عبرنا الخط أكثر وذهبنا إلي سحب الغبار والغاز البدائي التي تكونت منها النجوم والمجرات والشموس في رحلة نتفرج فيها علي ميلاد الأكوان النجمية وعلي المادة في حالتها البدائية الأولي, فإننا نري ماهو أعجب, فإن ما بدأ علي شكل سحابة مهوشة من الغبار ما يلبث بقوة كامنة فيه أن ينتظم في دوامات, ثم في دوامة كبيرة تبتلع هذه الدوامات, ثم تتكثف هذه الدوامة فتتحول نواتها إلي شموس.. وأطرافها إلي أنجم صغيرة وكواكب تدور في جمال وبهاء حول المركز... مرة أخري ينبثق النظام المحكم من الفوضي. مرة أخري نشعر وكأنما العقل مبثوث في كل شيء في الحي.. وفي الميت, أو دعنا نقول إنه لم يعد هناك حي ولا ميت.. وإنما الكل أصبح عاقلا حيا من الفلك العظيم إلي الذرة المتناهية في الصغر (حيث الإلكترونات تنتظم حول النواة وتدور في نظام بديع).. النظام في كل شيء والحركة في كل شيء, فأين الموت إذن... وأين الفوضي... وأين اللاعقل...؟' إن مايحدث بين نجمين من جاذبية حينما يحدث بين فردين من بني الانسان نسميه عاطفة... والانفجار الذي يحدث في الديناميت حينما يحدث في قلوبنا نسميه الغضب... والقوة الدافعة في البخار هي في الإنسان الإرادة. والعقل والطاقة والعاطفة والمادة والحياة والإدارة هي في النهاية ظواهر شيء واحد... وإنما تختلف التسمية التي نطلقها عليه حسب الموقف الذي نقف فيه وننظر منه إلي ذلك الشيء. إن الفكر الحديث يميل إلي إسقاط الحواجز بين الحياة والموت وبين العقل واللاعقل. لم يعد هناك موت... ولم يعد هناك لاعقل... وإنما الحياة منبثة في كل شيء... وهناك وحدة نسيج بين كل الموجودات. ومايبدو لنا من ظواهر متعددة إنما هي مكنونات هذه الوحدة الخصبة الثرية العميقة.. إنها اللانهاية التي تحتوي علي جميع الاحتمالات.. والواحد الصحيح الذي ينقسم إلي كل الأنصاف والأرباع والكسور والجذور وإلي كل التواليف الحسابية اللانهائية التي في كتاب الجبر... إن التراب الذي أمكن أن ينتظم علي شكل شموس وكواكب ونجوم.. أمكن أيضا أن ينتظم علي شكل مادة حية وخلايا ونبات وحيوان ومخ وأجهزة عصبية من جميع الرتب والأنواع... بهدي ذلك العقل الكلي الباطن فيه وبإلهامه.. ولأنه العقل الكلي فهو ليس عقلك الخاص ولاعقلي الخاص.. وإنما العقل المفرد المتعال علينا وعلي كل شيء... الملهم لكل مخلوقاته أو قل إذا أردت الدقة: الذات الواحدة العليا المبدعة. إن العالم الحي له خصائصه التي يختلف بها عن العالم الميت..... هذا صحيح وصادق... ولكن الصدق هنا نسبي. فهذه الخصائص تبدأ في التداخل والزوال في الخط الفاصل بين الحي والميت.... وتدخل بنا في مناطق تشابه وتقارن... وكأننا مازلنا في المنطقة الحية لم نبرحها. ثم إذا بنا نكتشف الوحدة من وراء التناقضات والمفارقات والتعدد... وإذا بالعالم الميت ينبض أمامنا بنبضه الخاص وإذا بنا نكتشف فيه النظام والحركة والطاقة والفعل والانفعال والتطور وإذا بنا أمام عالم حي عاقل علي طريقته.. وهذه النظرة الحديثة للعلم إلي الوجود والكون تدخل به في المنطقة الحرام التي طالما احتكرها المتصوفة لأنفسهم.. وإنه لعلم يشبه التصوف.. وإنه لعلم هو الدين في حقيقته وإنه ليتخذ نبرة الصوفيين الغامضة ويستعير شحناتهم العاطفية وتحليقهم وشطحاتهم, ولكنه أيضا يدخل في الضباب حيث تصعب الرؤية... ويصعب تبين الخطأ... ويصعب اكتشاف الطريق... ولانكاد نعرف.. هل نستطيع أن نري أكثر.. أم أننا بلغنا حافة الممكن, ولم يبق لنا إلا التخمين والافتراض والحلم؟.. * وإلي هنا... وعلي حافة هذا الضباب يحلو الصمت, فقد قال العقل كل ماعنده. وهنايبدأ دور الدين... حينما يقول لعلم ماعنده ويصمت, يأتي دور النبي ليتكلم بالوحي الذي جاءه من الغيب ليأخذ بيدنا من العلم إلي منتهي العالم.... إلي الله جل جلاله وتقدست أسماؤه. |
نشرت فى 17 يناير 2008
بواسطة nour123
عدد زيارات الموقع
78,080


ساحة النقاش