بيني و بينك!أنيس منصور | |
|
ـ أنت فين ياأخي؟ ـ الدنيا مشاغل... ـ طيب ياأخي اغلط واسأل... انت كسلان تمد إيدك وتحرك قرص التليفون.. ـ ضروري إن شاء الله أمر عليك.. ضروري... ـ... إلخ كلام يدور بين الناس في كل وقت.. بل إن الشكوي من عدم الاتصال هي افتتاحية الحديث بين الناس... فكل واحد يشكو من أن واحدا آخر لايتصل به ولايسأل عنه.. ولايكلف خاطره أن يطلبه في التليفون, مع أن هذا الذي يشكو في استطاعته أن يتصل بك وأن ينشط فيمد يده من جيبه إلي قرص التليفون.. وتنتهي مبررات الشكوي, ولكن الشكوي عنصر ضروري في الكلام بين الناس... واعتاد الناس الشكوي ولذلك فهم حريصون علي أن تظل أسباب الشكوي قائمة... وهي: أنت فين ياأخي؟! هل المسافة بين الناس بعضهم وبعض اتسعت فجأة؟ أم أن المسافة بين عقول الناس تباعدت فجأة؟ هل انتقلت قلوب الناس إلي جانب آخر من الجسم؟ هل اتجهت عواطف الناس إلي أشياء أخري بعد أن جربت التعلق بالناس ففشلت؟! هناك عشرات الأسباب.. ولكن النتيجة أن المسافة بين الناس قد تباعدت وفي استطاعتك أن تتساءل: من الذي أعرفه من سكان الدور الذي أنا فيه؟ من الذي أعرفه من سكان العمارة... الشارع... المدينة؟ من الذي أعرفه من الزملاء في العمل؟ من الذي تربطني بهم صلة؟ ومامعني هذه الصلة؟ هل هي مجرد زمالة؟ هل هي صداقة؟ هل هو الشوق والحنين اذا غاب واحد منا عن الآخر؟! وأكثر من هذا.... ما الذي يربطك بالذين يعيشون معك في نفس الشقة؟.... أمك؟ زوجتك؟ أولادك؟ هناك صلات.. ولكن ماشكلها؟ هل عندك وقت لأن تجلس وتأخذ وتعطي.. وتصلح ماانكسر من العلاقات الزجاجية الشفافة..... وكيف تصلح هذه العلاقات؟ بالجلوس أمام التليفزيون؟ إن الجلوس أمام التليفزيون يحول المتفرجين إلي أناس صامتين... لايتكلمون فكأنهم في بلدين مختلفين يتفرجون علي شيء واحد؟ هل تذهب إلي السينما؟ إن السينما هي تليفزيون كبير... يجلس أمامه الناس بالمئات ولاتربطهم أية صلة بعضهم ببعض... والذهاب إلي مباريات كرة القدم؟ إنهم يجلسون بعشرات الألوف ولكن لاصلة بينهم... إنهم متجاورون في المكان.. إن الصلة بينهم صلة جغرافية.. تماما كما يتقارب نهر وجبل.. وجبل وصحراء... إن الحضارة هي المواصلات.. فالحضارات كلها نشأت في وديان الأنهار.. لأن الأنهار وسيلة مواصلات تربط بين الناس, وتطورت السفن إلي بواخر.. . وتطور الحمام الزاجل إلي طائرات وتطور الزعيق والمناداة إلي تليفون وميكروفون.. وتقارب الناس.. فهل استطاع التليفون ان يقرب بين الناس؟ لقد أصبح التليفون إمكانية معطلة, إنه علي استعداد دائم لأن يوصل ماتريد إلي من تريده من الناس... ولكن التليفون علي الرف.. لا لأنه عاجز عن القيام بشيء.. ولكن لأن صلتك بالناس هي التي علي الرف!! هل استطاع التلغراف أن يحل مشاكل الوقت بين الناس؟ فبدلا من أن تبعث إلي أي إنسان عزيز في مناسبة عزيزة بخطاب طويل في استطاعتك أن تختصر وقتك وان تنقذ نفسك من الكذب العاطفي فتبعث ببرقية... فهل تفعل ذلك؟ طبعا لا... لماذا؟ لأن المسافة بينك وبين معارفك وزملائك وأصدقائك وأقاربك أبعد من أن يصل إليها تلغراف. إنها مسافة بعيدة عن العين وعن القلب... فما الذي يشغلك؟ إنه كثير جدا... وهو نفس الشيء الذي يشغل غيرك... حتي السلام باليد.. لقد ابتدع الانسان من ألوف السنين عادة السلام باليد, وكان غرضه ان يعرف ان كان عدوا يحمل سلاحا... ولذلك كان لابد أن يحرص علي أن يمد يده التي أخفاها عدوه وراء ظهره... فإذا امتدت اليد جاء ذلك دليلا علي انه لاسلاح وراء ظهره ـ طبعا هذه أيام كان الإنسان لايستطيع أن يخفي القوس والسهم والرمح والسكين في جيبه.. كان ذلك قبل عصر المسدسات وأجهزة التسجيل التي تأخذ شكل زراير الجاكتة ودبوس الكرافتة.. ولكن في عصر هذه الأجهزة الصغيرة الدقيقة عدل الانسان عن عادة السلام. إنه يكتفي بأن يهز رأسه أو عينيه. إنهم في الهند يرفعون اليدين مضمومتين للسلام علي الشخص الواحد وعلي ملايين الأشخاص أيضا. وأنا أعتقد ان الانسان بالعدول عن السلام باليد أصبح اكثر صراحة لأنه بالفعل يخفي شيئا لا وراء ظهره ولكن تحت جلده.. أما هذا الشيء فهو: إنه لامبرر للسلام. فالمسافة أبعد من أن تقطعها يدي إلي يدك. ولو استمعت إلي الرسائل التي يبعث بها الطلبة إلي أولياء أمورهم أو الغرباء إلي أقاربهم هنا أو في الخارج, لرأيت شيئا عجيبا ففي جميع البرامج إن الجميع يشكون من قلة الرسائل... الابن لايبعث لوالديه منذ شهرين.. والابن لايبعث لوالديه منذ سنوات.. وأحيانا من عشر سنين. حتي برنامج مايطلبه المستمعون في كل الاذاعات ليس إلا نوعا من الرسائل غير الشخصية والتي ليس لها أي معني أو دلالة خاصة. فما معني أن تبعث: سوزي وتوتو وفيفي ونوسة ونوال إلي خالتهم خيرية وعليه بأغنية ياعوازل فلفلوا لفريد الأطرش بمناسبة النجاح في الإعدادية؟؟! ما الذي تقوله هذه الأغنية بالنسبة لواحدة نجحت في الإعدادية؟ ما علاقة كلام الأغنية بالتهنئة؟ ما العلاقة بين كلمات الأغنية وبين الذين أهدوها للطالبة التي نجحت؟ لاعلاقة... لامعني.. لايوجد أي شيء يعني دلالة شخصية... لايوجد أي شيء يدل علي ان هناك صلة ذات معني وإنما الإهداء فقط.. وهذا الإهداء معناه أن تطلب بعض المستمعات إلي فريد الأطرش عن طريق مقدمة البرنامج أن يمد يده مهنئا طالبة الإعدادية بالنجاح فيقدم لها أغنية عمرها عشرات السنين؟! ومن الغريب أننا قد لاحظنا هذه المسافات التي بيننا ونحاول بشيء من الخجل أو التورط أن نضيقها.. فنندفع إلي الزيارات بعصبية.. فلان يري من الضروري والواجب والأصول أن يزور فلانا... وهذا الفلان يري من الضروري والأصول ان يرد الزيارة.. ولكن ما الذي يحدث في هذه الزيارة؟ لاشيء ما الذي يقوله الناس؟ لاشيء.. يجلسون وكأنهم واقفون.. ويقفون وكأنهم ينتهزون فرصة للهرب؟ ولكن من أي شيء يهربون؟ يهربون من إحساسهم بأنهم يمثلون بعضهم علي بعض... يمثلون الشوق والحنين والصداقة والمحبة والوحشة.. وهو تمثيل يقوم به ممثلون أمام ممثلين هواة أيضا... ولكن هذه هي التمثيلية الوحيدة الكاذبة والتي اكسبها التكرار اليومي حق الحياة بين أناس عواطفهم غائبة. سمعت أخيرا عن شلة من الأصدقاء قرروا أن يتزاوروا كل يوم أحد في بيت.. وقرروا في نفس الوقت ان يلقي واحد من الحاضرين بحثا في موضوع يختاره.. واثناء الكلام يقدمون الشاي.... وهو أسلوب مهذب لتخفيف حدة الكلام... أو طريقة لكي يصبح للألفاظ طعم الجاتوه.. وحاجة الإنسان إلي أن يغير ريقه معناها أن فيه رائحة غير مستحبة... ومن المؤكد أنها رائحة الكلام الذي يخرج من فم السيد المتحدث.... فما معني هذا؟! معناه ان الناس عندما يقررون أن يلتقوا مجرد التقاء يجدون أنفسهم في حاجة إلي مبرر... في حاجة إلي سبب وجيه... فاللقاء نفسه ليس غاية... وإنما هو وسيلة إلي شيء... ومعني ذلك أنه إذا فكر إنسان في أن يزور جاره فيجب ألا يندهش إذا سأله الجار: خير إن شاء الله؟! وسيندهش الجار طبعا اذا علم أنها مجرد زيارة فقط... لمجرد الزيارة, يعني لوجه الله.. زيارة بلا غرض.. زيارة غاية في ذاتها وليست وسيلة لأي شيء آخر.. *** وفي هذه اللحظة : ما الذي يربطني بك؟ اللغة... هي التي تربطني بك.. هذه الكلمات التي نعرفها نحن الاثنان... هذه المعاني التي أحاول أن أنقلها إليك علي اكتاف هذه العبارات.. فالعبارات مثل عربات القطار... مثل الترام... مثل الطائرات... كلها وسائل للنقل بيني وبينك .. وبين كل الذين حولك... فهل انا مفهوم عندك؟ يجوز!! هل أنا محبوب منك؟ يجوز!! هل أنت مفهوم من الذين حولك؟ هل تستطيع ان تنقل بسهولة كل ما في رأسك إلي رءوس الآخرين؟ ألا تشكو من انك تؤذن في مالطة؟ أي في مكان بعيد فلا يسمعك أحد؟! هل الناس ينظرون ولا يرون.. أي يفتحون عيونهم دون أن يعرفوا بوضوح ما يرون؟ هل الناس يسمعون ولا يصغون.. أي هل يفتحون آذانهم ولا يدركون ماذا تقول؟ المشكلة هي أن اللغة مشكلة... والإنسان يحاول من عشرات الألوف من السنين أن يعبر... أي يحاول ان يكتشف وسيلة اوضح واسرع للعبور والتعبير... أي للنقل بين الناس بعضهم وبعضا... وليس الدين والفلسفة والأدب والفن والعلوم إلا محاولة إنسان أن يقرب المسافة بين الناس بعضهم وبعضا.. ليست إلا محاولة للحوار بين الناس.. والحوار معناه : أن أراك وأن أتحدث إليك أنت.. وأن تسمع ما أقول وأن ترد علي ما تسمع... وأن نتبادل عملات ثابتة القيمة, فتضيق المسافات بيننا فلا نصبح في حاجة إلي جسور لغوية.. أو كباري... أو أسلاك علمية.. وإذا كانت المواصلات عندنا هي : السيارات والقطارات والطائرات والتلغرافات والتليفونات فهناك مواصلات أخري بين الناس, وهي مواصلات الكلمات في الأدب والخطوط في الفن... وهذه المواصلات لها أسماء أيضا هي : الواقعية وفوق الواقعية والتكعيبية والمستقبلية والتأثيرية والوجودية... واللامعقولية وكل هذه المذاهب ليست إلا ماركات لمواصلات جديدة بين الناس, ومذهب اللامعقول أو العبث معناه أنه لا صلة بين الناس... وأن لا حوار... لا لغة... لا تفاهم بين الناس... وأن كل إنسان يتحدث إلي نفسه... مجنون دون أن يدري.. .. أو ماركات لمواصلات تحاول أن تقصر هذه المسافة التي بيني وبينك... وما أبعد المسافة التي بيني وبينك.. إن هاتين الكلمتين متجاورتان... لا يفصلهما سوي ملليمترات... ولكن هذه المسافة في الحقيقة هائلة عرضا وطولا وعمقا وعقدا وتاريخا؟ فهل هناك أبسط من أن تقول الأرض و الشمس..؟ ولكن هذه الواو التي بين الأرض والشمس طولها 93 مليون ميل... *** وكما وصل سوف يصل الإنسان إلي القمر وإلي المريخ وإلي الزهراء.. ولكن علي هذه الكواكب سوف تتجدد نفس المشكلة : وهي أن المسافات بين الناس أبعد من المريخ.. وسيبقي عاجزا عن تضييقها عاجزا عن قطعها.. وما دام الإنسان عاجزا عن أن يكون مفهوما سيكون عاجزا أن يكون محبوبا من الزهراء... لأن الإنسان لايزال... فالمسافة التي بينه وبين الناس لا يمكن أن يقطعها الضوء نفسه وهو أسرع وسيلة للمواصلات بين أطراف الكون كله... بيني و بينك... هذه المسافة هائلة مخيفة ومحاولة الإنسان معرفتها وإلقاء الضوء عليها حديثة جدا... فعلم النفس.. مثلا هو أحدث العلوم التي اهتدي إليها الإنسان فما الذي اهتدي إليه علم النفس؟ اهتدي الي أن الإنسان حيوان والحيوان ليس اجتماعيا بطبعه وإنما هو وحش بطبعه... وعقل الإنسان هو الذي يجعله يهذب أظفاره ومخالبه ويبدو متحضرا.. ولكن يظل وحشا قد تحضر.. ويكفي أن تثير إنسانا وان تهدده في حياته لتري أنك لست امام وحش.. وإنما أنت أمام الإنسان الاول بل أمام حيوانات الغابة قبل ان يظهر الإنسان.. وربما كانت هذه هي الحالة الوحيدة التي يصدق فيها الإنسان : أن يغضب ويثور... هنا فقط تحس أنك أمام عدد حقيقي... أمام كراهية مؤكدة.. أمام تاريخ الإنسانية كلها ذلك التاريخ الذي لم تحتفظ به أوراق البردي والصخور... فهل من المعقول أن تتلاشي المسافة التي بين الإنسان والإنسان؟ نعم في لحظة الغضب فقط .. في لحظة القتل.. في لحظة الدمار والحروب! فقط يصبح الإنسان طبيعيا وصادقا عندما يكون مدمرا؟ إذن ما معني الصداقة والحب والتضحية؟ إن لها جميعا معاني باقية.. ولكن هذه المعاني النبيلة هي عبارة عن حبات لؤلؤ في الوحل.. هي مصابيح صغيرة شاردة في مهب العواصف... إن الكثير مما يشغل الإنسان في حياته, وفي عمله ليس إنسانيا, ولكي يعود الإنسان إلي إنسانيته يحتاج إلي أن يتوقف بعض الوقت ويواجه الناس, ويتساءل : لقد نسيت يدي.. ونسيت أن للآخرين يدين أيضا فإذا لم أمد يدي فلن يمد أحد يده... ولن ينشلني من عزلتي أحد... ولن ينقذني من أن أكون مثل روبنسون كروز أحد.. إذن يجب أن أعمل مثل نوح عليه السلام, سوف أبني سفينتي علي الأرض... وليضحك الناس, ولكن سوف أنفخ في شراع السفينة حتي تنزل إلي البحر وأقطع هذه المسافة التي بيني وبين الناس... لأن أحدا لا يريد ان يقطع هذه المسافة... كل ينقطع عن الناس.. ان يقتطع نفسه من الناس... وان يقتطع الإنسانية من نفسه أيضا.. ثم يشكو في نفس الوقت من أنه محاط بجزيرة لا إنسانية.. ولكن نوح لم يصنع السفينة وحده... لقد اشترك معه أبناؤه وزوجاته وزوجات أبنائه.. والأدباء والفنانون والمفكرون هم نوح وأولاده... ومهمتهم جميعا أن ينبهوا الناس إلي طوفان اللامبالاة... إلي طوفان الزمالة بلا حب؟ بين الناس في البيت والعمل.... لقد تصور بعض أصحاب دور السينما في أمريكا أن تحويل دور السينما الي قاعة صغيرة سوف يؤدي الي تعميق الصداقة بين الناس, وهي بالفعل عمقت المسافة بين الناس جعلت بينهم خندقا عميقا... فهل هناك أصغر من البيت حيث يسكنه أربعة أو خمسة أفراد؟ فما الذي فعله هذا العدد الضيق وهذه المساحة الصغيرة؟... لا شيء!! فما هو الحل إذن؟! الحل هو أن ينتزع الإنسان نفسه من كل انشغال يستغرقه حتي يغرقه... ومن كل تسلية تستولي عليه.. وتسلبه الحوار... وتسلبه وسائل المواصلات.. تسلبه اللغة مع الآخرين... تسلبه صفة جوهرية : هي إنه اجتماعي بطبعه.. إنها مسافة هائلة تلك التي بيني وبينك... هذه الواو ... ما أطولها وما أعرضها وما أعقدها ... لا أعرف لماذا كان الفراعنة يطلقون علي الوجع في الرأس كلمة واوا إنهم لم يكونوا يعرفون اللغة العربية طبعا... إذن لقد تنبأ الفراعنة بأحد معاني حرف الواو!! |
نشرت فى 17 يناير 2008
بواسطة nour123
عدد زيارات الموقع
78,080


ساحة النقاش