عيون الآخرين !بقلم:أنيس منصور | |
|
قصة يوسف وزليخا من القصص المحفوظة في الكتاب المقدس والقرآن, وهي قصة جميلة ترضي غرور الرجال في كل زمان ومكان.. فقد كان يوسف رجلا جميلا قطعت له النساء أيديهن ومزقن أثوابهن.. وليس أجمل ما في القصة , مانسجه خيال الرجال حولها من أساطير وخرافات.. كأن يقال: إن الله قد حرم حواء من ثلاثة أرباع الجمال لأنها اخطأت وأعطي الجمال الباقي ليوسف.. وليس أجمل مافيها ان موسي عندما خرج وأهله من مصر راح يبحث عن قبر يوسف فلم يجده, فقد أراد أن يحمل معه كل أثر لجماله في أرض مصر.. وليس أجمل مافيها أنه في لحظة خاطفة كاد يستسلم لفتنة امرأة العزيز.. ولكن أجمل لحظات هذه القصة السعيدة الحظ أن زليخا امرأة العزيز عندما أغلقت الأبواب ونزعت قميصها وتلفتت وراءها تلقيه علي أحد المقاعد ارتاعت عندما رأت تمثالا يصوب عينيه نحوها, ينظر إليها نظرة جامدة ثابتة.. فارتعدت وحملت القميص والقت به فوق عيني التمثال , ثم أقبلت تفتن يوسف.. ونظر إليها نبي الله يوسف قائلا: هل تخافين من عيني التمثال, ولا تخافين الله الذي ينظر إليك!!! وكلام يوسف هذا كلام أنبياء... ولكن الحق مع امرأة العزيز إنها إنسان.. إنها بشر.. انها أرادت أن تكون حرة في عريها, حرة في خطاياها.. حرة بلا رقيب, بلا عيون تراها, ولو كانت عيون تمثال!! والذي فعلته امرأة العزيز تفعله كل امرأة وكل رجل من أيام يوسف عليه السلام إلي أيام يوسف آخر, في وقتنا هذا.. ان امرأة العزيز قد ضاقت من نظرة التمثال إليها, لقد كانت نظرة جامدة ثابتة, نظرة تجعلها تحس أنها ليست وحدها, تجعلها تحس أن هنالك من يراها, من يراقبها من الخلف, يري ظهرها العاري, ويري ساقيها وفخذيها, يراها وهي ترتعد شهوة, وهي تضعف أمام يوسف الانسان الجميل .. انها لا تستطيع أن تمنع هاتين العينين من النظر إليها.. انها لا تستطيع ان تطرد التمثال من حجرتها ولا أن تأمر من يفقأ عينيه.. ولا من يحطمه , لقد اكتفت بأن وضعت عليه الثوب الذي كان يسترها عن العيون.. لقد سترها الثوب مرة أخري عن عينين لا تتحولان, عن عينين ثابتتين جامدتين لا تقيمان لها وزنا, ولا تحسان بها!! قرأت قصة لأديب أسباني اسمه ميجل دالورانشيا تقول فيها البطلة: أبعث إليك مع هذا الخطاب صورتك التي بقيت بجوار سريري سبعة أيام كاملة لم استطع فيها ان أنام دون أن أطفيء ضياء حجرتي, انني أكره نظرتك وأحبها.. أحبها لأنني أحبك.. وأكرهها لأنها لا تتغير ولأنها لا تغضب عندما أغضب, وتبكي عندما أبكي , ولا ترد قبلاتي إذا قبلتها.. انها تحتقرني , إنها لا تقيم لي وزنا.. انني أحس كأني مقعد, أو كأني كالسرير الذي أتمدد عليه.. خذ صورتك وانظر الي نفسك فيها.. ان نظرته الجامدة في الصورة نظرة مطبوعة علي الورق.. انها نظرة كنظرة التمثال الذي خجلت منه امرأة العزيز.. انها نظرة تجعلك تحس أنك لست وحدك , ولذلك فأنت لست حرا!! اننا حتي اليوم اذا رأينا رجلا أو امرأة ميتة , ثم نظرنا اليه ووجدناه مفتوح العينين سارعنا فورا إلي اطباق عينيه.. لأن هذه النظرة الثابتة الجامدة, نظرة مفزعة, نظرة تجتاحك , نظرة تكتسح حريتك.. نظرة تتجاهل وجودك , تتجاهل حريتك في النظر الي هذا الميت, انها نظرة لا تقيم لك وزنا, انها نظرة تجعلك تحس كأنك شيء, كأنك ميت. انها نظرة تجعلك ميتا.. فتسارع أنت إلي اقفال هاتين العينين اللتين ترميانك بالجمود وبالموت!! كتب الفنان الفرنسي جوجان مذكراته الأدبية الجميلة وكتب معظمها عن جزر المحيط الهادي التي عاش فيها.. فكتب مرة يصف الجمال الحر في هذه الجزر فقال: هناك فتيات لهن صدور كالتلال الناعمة, ولهن عيون هادئة ساكنة كالبحيرات الدافئة , تستطيع ان تنزع ملابسك أمامها في هدوء , ودون ان تتلفت وراءك.. انها اذن عيون بلا خطر.. لأنك تفعل كما يفعل الناس, انك لا تلفت أحدا إليك, انهن لا ينظرن إليك, فليس غريبا ماتقوم به.. ان أحدا لا ينظر إليك , فأنت حر في أن تنزع ملابسك وأن تنزع جلدك, وان تقلم أظافرك وأفكارك وتستحم هادئا آمنا!! لقد أعجبتني عبارة خاطفة في أحد الأفلام الايطالية التي عرضت في القاهرة .. فقد وقفت احدي السيدات تصرخ في وجه خادم زنجي, ثم انهالت عليه ضربا والخادم لا يتأوه ولا يبكي ولكنه ينظر إليها.. فصرخت فيه قائلة: لماذا تنظر هكذا.. لماذا لا تبكي.. انني أعرف ماذا تقول عيناك!! فهي تضربه وهو لا يتأوه , انه مستسلم لها.. ولكن الحقيقة انه ليس مستسلما كل الاستسلام , فهو يقاوم ضرباتها بالنظر إليها وهذه النظرات لها معني, انه يقول عنها شيئا.. لابد أنه يقول عنها: انها متوحشة.. إنها مجرمة.. ان هؤلاء البيض قلوبهم سوداء.. انه يقول ما يشاء ويلعنها ما يشاء ويحتقرها ما يشاء.. انها لا تستطيع ان تدفع عن نفسها ما تقوله عيناه.. ان لعينه انسانا.. ولهذا الانسان لسان في كل رمش.. وكلها تلعنها.. فماذا تستطيع السيدة الطاغية ان تفعل!! وعند سارتر نجد ان أحد أبطاله يقول لبطل آخر: هل تستطيع أن تقتلني وأنا أنظر إليك؟!! وفي القرآن الكريم نقرأ كذلك ان الكافرين يصرخون في المؤمنين قائلين: أنظرونا نقتبس من نوركم .. فالمؤمنون هم أيضا في شغل شاغل عن الكافرين , لا ينظرون إليهم.. وفي ذلك عذاب أليم!! انهم يتعذبون , لا من ان المؤمنين لا يرون , أو أن الله لا يراهم , ولكنهم يتعذبون من ان المؤمنين ينظرون ولكن ليس إليهم, وأن الله ينظر , ولكن ليس إليهم!! انها نظرة الآخرين إلينا هي التي تجعلنا نتحرج, تجعلنا نتلمس وجودنا, تجعلنا نتلمس حريتنا حتي لا تضيع .. كما يتلمس الانسان جيبه اذا علم ان هناك لصا, أو يتلمس مسدسه اذا علم أن هناك مجرما.. فلو نظر إنسان إلي رباط عنقك فترة طويلة, لمددت يدك إلي عنقك في حركة لا شعورية.. ثم تسوي رباط العنق.. واذا نظر انسان الي الصحيفة فإنك تطوي هذه الصحيفة.. واذا لبست ثوبا جديدا وسرت به في الطريق فأحسست ان الناس تنظر إليك, فإنك تتعثر في مشيتك ويخيل إليك ان الثوب ثقيل فضفاض, أو أن الأرض قد امتلأت شوكا.. واذا بك متوحل المشية, كثير العرق.. انهم في بلاد الهند, اذا نظر واحد منهم إلي آخر وهو يأكل فإنه ينهض ويلقي بالطعام في الأرض.. ان هذه النظرة قد سمت طعامه.. ونحن لانزال نضع الخميسة علي الصدر أو علي الرأس أو في مدخل البيت, انها الدرع التي تقينا من نظرات الآخرين, انها المانعة من الحسد ان أحدنا اذا نظر إلي صديق له وقال له: ان صحته جيدة ثم اطال النظر اليه , فان الصديق يمد يده الي المقعد ويقول: لابد ان المس الخشب!! لأن الخشب مانع للصواعق, والنظرة صاعقة مهلكة!! والانسان لا يكف عن النظر.. فهو ناظر ومنظور, وفي لغتنا مئات من الكلمات كلها مأخوذة من النظر والبصر والرؤية.. ونحن نقول: نظرية ونظرات وأنظار ورأي وآراء ورؤية وبعد وبصيرة ومعاينة وعيون وعيان.. كلها مأخوذة من النظر بالعين.. ولكن الانسان اذا كان ينظر الي مكان وفي أي وقت.. وكان وحده فإنه حر تماما .. كالمرأة التي تنزل الي الترعة قبيل الفجر في الريف.. تنزل عارية.. وحين تسمع قادما.. فإنها تنطلق إلي الشاطيء تواري نفسها بملابسها.. واذا تبينت ان الصوت القادم هو صوت كلب مثلا .. عادت إلي الماء, فإذا كان صوت شاب صغير لبست جلبابها ونزلت به الي الماء.. دون ان تخشي نظراته ولكن اذا كان القادم رجلا.. فزعت إلي ملابسها كلها ولبستها وخرجت وتوارت بعيدة عنه.. فعندما نكون وحدنا فإننا ننظر كما نشاء, ننظر بحرية.. ولكن عندما يوجد إنسان آخر تصبح حريتنا في خطر, وتصبح نظراتنا محدودة قصيرة, وتصبح لهذه النظرات معان كثيرة مختلفة.. فروبنسون كروزو عندما كان في جزيرته كان حرا في كل مايفعل.. لقد كان وحيدا.. فلا يمكن ان يوصف بالفضيلة, ولا بالرذيلة .. لايمكن ان يوصف بأنه أناني, ولا بأنه رجل يؤثر نفسه علي غيره, ولا بأنه فاضل أو شرير.. ولا بأنه لص أو أمين.. بل ولا حتي بأنه رجل.. ولكن عندما يوجد معه إنسان آخر, فإنه في هذه الحالة يصبح لكل أفعاله معني.. فإذا قيل إنه أناني, كان معناه انه يعني بنفسه ويترك غيره, واذا قيل انه كذاب كان معني ذلك انه يكذب علي من معه من الناس, واذا قيل انه رجل عنيف, كان معني ذلك انه قاس علي من يعيش معه.. فكل الصفات يصبح لها معني عندما يوجد الانسان مع غيره من الناس.. فهنالك انسان آخر ينظر إليه من تحت الي فوق ومن فوق إلي تحت, نظرات احترام أو احتقار أو استخفاف.. فالخطر اذن يوجد عندما يوجد الآخرون من الناس.. فإذا نظر إليك إنسان نظرت أنت إليه.. قاومت نظرته أو هربت منها, أو استخففت بها أو تواريت منها كما فعلت حواء عندما اكلت من شجرة المعرفة, فوجدت نفسها عارية أمام آدم, ولم تكن تعرف ذلك من قبل فانطلقت إلي الغابة ونزعت ورقة تغطت بها.. ولابد أنها بعد ذلك راحت تضع أوراق التوت علي أفكارها وعواطفها.. انها تواريها من عيني آدم.. ولو كانت وحدها لظلت كما هي, ولكن عندما أحست بأن هنالك إنسانا آخر ينظر إليها أخذت تقاوم نظراته وتعرقل حرية النظر إليها والتجول في جسدها وعقلها وقلبها!! كل إنسان يقاوم نظرة الآخرين: لأن نظرة الآخرين عبث به, وبحريته وبوجوده. فإذا أنا نظرت إليك مثلا ولاحظت ان شعر لحيتك طويل, وان قميصك ممزق, وان أسنانك صفراء, وإن هالة سوداء حول عينيك, وان دائرة بيضاء حول أصبعك الصغير.. ثم رحت أقول لنفسي: لابد ان يكون قد نزل في ساعة مبكرة من الصباح فلم يتمكن من حلاقة ذقنه, ولابد انه يقيم وحيدا, فقميصه قذر وفي حاجة الي غسل, ولابد ان يكون قد طلق زوجته, لأن الخاتم ليس في اصبعه, ولابد ان تكون حالته النفسية سيئة فآثار السهر بادية علي عينيه.. وأظل أحكم عليك بما شئت أنا, لا ما شئت أنت من الأحكام, وأجعلك متهما وأجعلك ظالما وأجعلك بلا زوجة.. كل ذلك أفعله وأنت لاتستطيع ان تدافع عن نفسك ولا ان تدفع عن نفسك كل هذه الاحكام الظالمة أو العادلة التي تعنيني والتي لاتعنيني.. انني أتصرف في وجودك كما أشاء, احترمه واحتقره و أحبه واكرهه.. وحينئذ تصبح أنت بالنسبة لي مجرد شيء تصبح كأي شيء بلا حياة ولا ارادة.. أما إرادتك فقد نزعتها منك.. اذن لقد أصبحت أنت مجرد شيء ولكن لا تستطيع أن تسكت, لابد أن تقاومني, لابد ان تقاوم هذا الاعدام لك فتقاوم حريتي, حرية النظر إليك, والحكم عليك, والتسلل إلي أسوار مملكتك المستقلة, والتجسس علي رعاياك.. فتطلق الأنوار الكاشفة, وتقابل رصاصا برصاص من عندك, فإذا أنت الآخر تنظر إلي شيء, وأنا أقاومك وأنت تقاومني, وأنا أقتص من حريتك, وأنزع ريشك لتظل محدود الحركة, وأنت تنزع ريشي, لأظل محدود الحركة.. ان حريتي في خطر, وحريتك أنت الآخر في خطر.. انني لست وحدي, ولذلك لست حرا!! ان نظرات الآخرين هي الجحيم!! لقد قالها سارتر في أروع مسرحياته.. في مسرحية جلسة سرية ويمكنك أن تفسر كل العواطف الانسانية علي أساس من هذه النظرة.. من نظرك الي الناس.. أو من نظر الناس إليك.. فما هو الحب مثلا؟! إنه ان تكون حرا في أن تنظر إلي إنسان يرضيه نظرتك إليه.. فالمرأة التي أحبها هي التي استطيع ان انظر إليها دون أن تحس هي أن نظراتي تعذبها أو تعذبني.. انني أنقلها إلي عالمي, إلي مملكتي, ان أجعلها احدي رعاياي, ان أجعلها أسيرا يعانق قيوده الدافئة أو قيوده التي غطيتها بالورد.. فالحب هو عناق طويل لسلسلة من القيود انه صلاة ضارعة لمن يمسك سيف الجلاد في يده.. ان المرأة التي أحبها هي التي تنزل عن حريتها كاملة.. انها التي تقبل ان تصبح شيئا أمسكه في يدي وفي فمي وبين ذراعي, ان أمتصها كما يمتص النشاف بقعة من الحبر.. ان أجعلها في يدي كالمنديل أطويه وأنشره.. ولكن أنا الآخر انزل لها عن حريتي.. ان اكون لها شيئا ان ترتادني بنظراتها وتجول في جوانبي, دون, ان اقيد حرية تجولها.. وان أجعلها تحلق في سمائي, وان اكون لها عبدا رقيقا.. ابتلع أظافرها, وتتعلق عيناي بحذائها.. ان أنزل لها عن كامل حريتي.. بكامل حريتي. فالحب هو ان أكون بلا حرية, ولكن بكامل حريتي, أن أعطيها حريتي, وآخذ حريتها.. أن أعطيها حرية النظر إلي, وان آخذ منها حرية النظر إليها.. وماهي الغيرة؟ هي احساس بأن إنسانا آخر يستخدم حريتي في النظر إلي حبيبتي, هي احساس بنظرة دخيلة.. فأقاومها, لأنني أقاوم إنسانا غريبا يستخدم كل مالي من حقوق دون حق, انه يسلب حريتي ويعتدي علي حريتها أيضا.. وكثيرا مايجد الانسان لذة في ان يكون كرة تضربها حبيبته.. فيجد لذة عندما يكون عند قدميها مضروبا مصنوعا مهجورا.. انه يتحول إلي شيء بلا ارادة, وبلا عينين تنظران وتقاومان.. وكثيرا مايجد الانسان لذة في ان يعذب المرأة التي يحبها.. في أن يجعلها كرة يضربها بيديه ورجليه, وان يجعلها بلا ارادة, وان يحولها الي قطعة من الحجر بلا ارادة ولا مقاومة.. وقد كان عند اليونان قديما حيوان الجرجون اذا نظر إلي شيء جعله حجرا.. جفف دمه, وأطفأ عينيه, وأزهق روحه.. كل ذلك من مجرد النظر إليه.. ونحن نقاوم هذا التحول إلي حجر, نقاوم هذا الذي يمتص حريتنا, ويستل إرادتنا, نقاوم عيني التمثال, نقاوم النظرة الكاسحة الصاعقة التي ارتعدت منها امرأة العزيز! |
نشرت فى 17 يناير 2008
بواسطة nour123
عدد زيارات الموقع
78,080


ساحة النقاش