الجزء الأول من : قصة إسلامها ( مهمة جداً جداً جداً ) جزى الله ناشرها خير الجزاء
كاتبته : * الزهراء *
أين الحق ؟
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب العالمين
و الصلاة و السلام على سيد المرسلين
سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين
أما بعد 00
فهذه قصتي أحببت أن أرويها لما فيها من فوائد و عبَر ، و أشهد الله تعالى على صدقي و عدم مبالغتي في أدنى أمر من الأمور 0
جعلنا الله و إياكم من الذين أشارت إليهم أعلام الهداية و وضحت لهم طريق النجاة و سلكوا سبيل الإخلاص و اليقين 0
نشأت و ترعرعت في أسرة تحب العلم و تحرص عليه ، فأخي مهندس وأخواتي حاصلات على شهادات جامعية عليا من طب و هندسة و آداب و تجارة0أما والدي و والدتي فقد استطاعوا بعون الله تعالى أن يغرسوا فينا الكثير من الأخلاق الحسنة و المُثل العليا و أن يكونوا لنا قدوة في هذه الأخلاق 0 فوالدي ربّانا على المال الحلال، و مع أنه كان برتبة عميد و كان بإمكانه أن يجمع ثروة فيما لا يرضي الله تعالى و لكنه أبى ذلك0 و والدتي غرست فينا الأدب و العفّة و التهذيب ، وكان كل منهما يخاف علينا و يحرص على سمعتنا 0 أما من ناحية الاعتقاد ، فأفراد عائلتي ما كانوا من المسلمين السّنة ،بل كانوا ينتمون إلى إحدى الطوائف المنشقّة عن الإسلام 0
عشت طفولة ممتعة بين أحضان الطبيعة ، و انتقلت من المرحلة الإبتدائية إلى المرحلة الإعدادية و الثانوية ، و درست بعدها في معهد لإعداد المدرسين قسم اللغة الإنكليزية ،ثم تعيّنت بعد التخرج كمدرّسة في إحدى المدارس الإعدادية في منطقة ريفية 0 و بما أني كنت طموحة للأفضل ، فقد درست البكالوريا ثانية و دخلت كلية الآداب 0
كل هذه السنين التي مرّت من عمري ، كانت تبدو للعيان لامعة برّاقة ، ولكنها في الحقيقة ليست أكثر من زجاج متكسّر ! فمع أني حققت نجاحاً في مجالات شتى 00 إلا أني كنت ضمنياً ضائعة وأفتقد إلى الطمأنينة و السّكينة الرّوحية !! و خاصة في تلك السنوات الخدّاعات التي ظهر فيها الملاحدة و الكفرة والعلمانيون لينفثوا سمومهم في عقول و نفوس الناس إلا من رحم ربّك ! فأفسدوا الناس عامة بدعوتهم للتخلي عن إيمانهم و مبادئهم ، وأفسدوا المرأة خاصة بدعوتها إلى التبرج و السفور و مزاحمة الرجال و مخالفة فطرتها بحجة التحرر و التخلص من الرجعية و التخلّف !!
و بهذا ، فقد كنت ناجحة في المجال العلمي، لكن و للأسف ، كنت أنهل ثقافتي من ماء عكر و أنا أحسب أني أحسن صنعاً !
كنت ناجحة في المجال التعليمي ، لكني بالواقع ضللت و أضللت و أنا أظن أني صلحت و أُصلحت !!
كنت ناجحة في الحياة الإجتماعية ، و يلتفّ حولي الكثيرون يطرونني و يصفّقون لي ، و لكني ضمنيّاً كنت ضائعة و متشتتة !!
أربع و عشرون عاماً مرّوا من حياتي و أنا أعيش للحياة الدنيا ، أمرح و أضحك ، ألبس أجمل الثياب و أتزين بأبهى زينة ، حفلات رحلات زيارات 000 أما التفكير في الآخرة فقد كنت أتناساه و لكنه ما كان ينساني !! كان يراودني من حين لآخر ليزعج صفوتي و يقلق راحتي لبرهة من الزمن ثم يرتحل !! فكان يحضرني في مناسبات يُقدّرها الله تعالى لي كأن أرى جنازة مثلاً تمرّ من أمامي ، أو أن أسمع قرآناً أو قصة دينية أو وعظاً من التلفاز أو من معلمة الديانة !! فقد كنت منذ نعومة أظافري أتأثر كثيراً و تدمع عيوني لسماع هذه الأشياء لكن لفترة وجيزة فقط ثم أعود لأنغمس في الدنيا 0
المهم ، بقيت على هذا المنوال حتى جاء عام 1994 ليكون بداية لتحوّل جذري في حياتي ، فقد بدأت الابتلاءات و المحن بشتى أنواعها تتوالى عليّ و على عائلتي ،أزمات و أزمات اجتمعت لتهزّني من الأعماق و تجعلني أميل نحو الهدوء و الحزن 0 و حُبّب إلى نفسي قراءة الكتب التي تتعلق بفلسفة الوجود و الإنسان و الروحانيات 0
بعد حين من الزمن ، شاء الله تعالى أن أزور خالي في المشفى لعيادته بعد أن أجرى عملية جراحية ، و حين دخلت إلى غرفته فوجئت بضعفه و شحوبه و حالته المتردّية ، كان يلفظ أنفاسه الأخيرة متمدداً لا حول له و لا قوة !! الجميع من حوله واقفون عاجزون لا يستطيعون نفعه بشيء !! شهدت منظراً ما شهدته في حياتي قط ، منظر إنسان يخصّني يصارع الموت و يُحتضر ، ثم توفي و بدأ البكاء و الصراخ يعلو ، و الرعب يسود الجو ، حاولت الثبات قدر المستطاع كي أصبّر أسرته و أواسيهم ، لكن هذا الثبات لم يدم أكثر من فترة قليلة ثم انهارت أعصابي بعدها و أخذوني إلى المنزل ليبعدوني عن هذا الحدث ،إلا أن هذا الحدث كان قد انتقل ليعيش في أعماقي ، فقد صار التفكير بالموت هاجسي ، و التساؤلات خواطري : " كيف يموت الإنسان ؟ أين تذهب روحه ؟ ماذا بعد الموت ؟ هل فكرة التقمّص صحيحة أم أن الروح تعيش حياة برزخية إلى يوم القيامة ؟ هل يوجد عذاب في القبر ؟ أكيد سأموت يوماً ما ، فماذا سيحل ّ بي ؟! هل أنا على الصراط المستقيم يا ترى أم أني في ضلال مبين ؟! ماذا 00و هل 00 و كيف 000؟؟؟!!! "
عشت في دوامة و صراع فكري رهيب أرّقني و أحرقني 00 و روّعت فكرة الموت و الأمور ( الميتافيزيقية ) أيامي و لياليّ ، و جعلتني أخاف و أرتعب من البقاء في المنزل بمفردي أو من النوم في الغرفة لوحدي دون أخواتي،و خيّمت عليّ الأوهام في النهار و الكوابيس في الليل حتى اسودّت عيشتي ! حاولت أن أقرأ في بعض كتب المذهب عندنا و لكني ما وجدت فيها ما يشفي آلامي 0 فماذا عساي أن أفعل مع هذه المعضلة النفسيّة التي ألمّت بي؟ لا بد من الخروج منها و إلا أهلكتني !!
فكرت و فكرت 00و وصلت إلى قناعة معينة ، أنه يكفيني أن أؤمن بالله و أن أبتعد عن المحرّمات و أحب الناس كلّهم و لا أؤذي أحداً ، و أن أعمل أعمالاً خيرية و كفى 00 ثم قررت أن أملأ أوقاتي كلّها كي لا يبقى عندي أدنى و قت من الفراغ 00 صرت أداوم في المدرسة صباحاً ، ثم في الجامعة ظهراً و عصراً ، و في المساء كنت أعطي دروساً خصوصية لبعض الطالبات ، ثم أعود للمنزل بعد أن ينفذ وقودي فأغطّ في نوم عميق حتى الصباح 0 أما يوم الجمعة فكان لتنظيف المنزل و الحياة الإجتماعية 00و يوم الثلاثاء يوم إجازتي ، خصصته لممارسة هواية من هواياتي 00فاشتريت آلة موسيقية ( أورغ ) ، و سجّلت بمعهد خاص لتعليم العزف 00 و هكذا صارت أوقاتي مملوءة تماماً 0
بقيت على هذه الحال ما شاء الله لي أن أبقى ، و ظننت أني انتصرت على أزماتي بهروبي من ذاتي 00 لكن الله سبحانه أراد أن يُنبّهني و يذكّرني ! وكأنه يقول لي ( يا أمَتي أين المفرّ ؟) 000 فقد مرضت مرضاً شديداً بعد هذا العناء الطويل ، و أصبت بحمّى ألزمتني الفراش ، و تراجعت صحّتي و ضعف جسدي و شعرت أنه قد اقترب أجلي ، تأزّمت و خفت من المصير المجهول الذي ينتظرني ، بكيت و تضرّعت إلى الله تعالى00وناجيته بدموع غزيرة و قلب محروق :
( يا رب ، سبحانك ، لماذا خلقتني و أين المصير ؟ يا رب ، هل أنا على حق أم على باطل ؟ هل الملّة و المذهب الذي أنتمي إليه صحيح أم زائف ؟ لماذا وُلدت على هذا المذهب دون غيره ؟ و هل مفروض علي أن أتّبع آبائي و أجدادي أم أني أستطيع أن أبدّل مذهبي ؟!و إن كان، فأي دين أو مذهب أختار ؟! يا الله 00يا رحمن يا رحيم 00لا تقبض روحي الآن 00أحيني و سأبحث و أجتهد للآخرة ، فماذا تساوي هذه الدنيا بكل زخارفها أمام لحظة الموت ؟! 00 لا تقبضني يا رب حتى تهديني إلى الحق المبين ) 0
فاستجاب الله تعالى دعائي و ردّ إليّ صحتي و عافيتي 0 و بدأتُ مسيرتي في البحث عن الحقيقة 0
صرت أتردد إلى المكتبة للقراءة و الاطلاع على الكتب الدينية و الروحانية 00 و بدأت أتنقّل من كتاب دين إلى آخر ، و أبحث في شرائع و مذاهب و فلسفات متعددة 00 و ما أكثرها !!
ثم سألت نفسي بعد أن طال الطريق عليّ و كدت أتمزق بين فروعه و تشعّباته : " كم سيلزمني من العمر حتى أختم القراءة في كل حقل من هذه الحقول ؟؟!! و كيف سأعرف أيها منهم الحق ؟! "
عدت للرجوع إلى الخالق الهادي النور 00 و دعوته أن يعينني و ينوّر بصيرتي و يلهمني الهدى 0 0 سبحانه 0 و للمرة الثانية ، منّ عليّ الكريم الحيي الذي يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا ، و استجاب لدعائي ، إذ كنت في معرض للكتاب فوقع بصري على المصحف الشريف و انشرح له صدري 00 فاشتريته ، و صرت أقرأ فيه قبل النوم ليلاً و بعد الاستيقاظ صباحاً ، و بدأت أشعر براحة نفسية ملحوظة ، و صرت أجد فيه حلاً لكثير من مشاكلي و ذهاباً لكثير من همّي و غمّي و حزني 0
بعد شهور جاء رمضان الخير و الرحمة و البركة ، و شعرت بهاتف داخلي يدعوني لصيام هذا الشهر فلبّيت النداء ، و بدأت رحلتي الروحية مع الصيام و القرآن و الدعاء 0 عشت في رمضان أمتع لحظات حياتي ، و خاصة تلك التي قبل الإفطار ، إذ كنت أخرج إلى الشرفة أدعو و أناجي الخالق و أسبّحه دون أن أكترث ببرد الشتاء آنذاك ، فحرارة الإيمان بداخلي كانت تكفيني !
وأذكر أني دعوت الله حينها بدعوات ثلاث كانت كلها مستجابة و بفترة وجيزة مما زادني إيماناً و تثبيتاً 0
لكن هذا المسار الذي سلكته لفت انتباه الأهل و أثار تساؤلاتهم ، و راحوا يحقّقون معي و يعترضونني بآرائهم و أفكارهم التي تربّوا عليها ،إلا أني صمدت بفضل الله تعالى و ما تأثرت ، و أكّدت لهم أن هذه الأمور تريحني نفسياً فقط فهدأوا 0
انتهى شهر المغفرة و الرحمة ، و مرت شهور بعده تعطّشت روحي خلالها للمزيد من العبادات و القربات ، كنت أستيقظ في فترة السّحر لأذكر الله بما يتيسّر و أدعوه 0 ثم كان صوت الآذان يصلني من بعيد من المنطقة المجاورة في هدوء الفجر و صفائه ليجعلني أتمنى أن أقوم و أصلّي ! لكن كيف يصلّون ؟ و من سأسأل عن كيفية الصلاة ؟ كان عندي صديقات مسلمات و لكني كنت أشعر بالحرج من أن أسألهم ، و ظننت بأن الخوض في المسائل الدينية سوف يكون أمراً شائكاً و حساساً و قد يوصلني إلى أمور غير مستحبة ، لذلك تركت الموضوع إلى أجل غير مسمى 0
توالت الأيام 00 و كأي فتاة في ريعان الصبا كان يتقدم لخطبتي الكثير من الشبّان ، إلا أني ما وجدت منهم الشخص المناسب بسبب ذوقي الصعب في اختياري لزوج المستقبل ، لكن أمي و بعض المقرّبين بدأوا يعظونني و ينصحونني كي لا أعقّد المسائل كثيراً و يبيّنون لي حاجة كل فتاة إلى الزواج حتى لا يأتي عليها يوم تجد فيه نفسها وحيدة ، و خاصة بعد وفاة الأهل و انشغال الأخوة 0 فأقنعوني إلى حد ما ، فدعوت الرب تبارك و تعالى أن يرزقني بالزوج الصالح الذي يأخذ بيدي إلى الصراط المستقيم و أتابع معه طريقي الذي ابتدأته في البحث عن الحق !
و ما هي إلا شهور حتى تقدّم لخطبتي شاب يعمل في الإمارات ،كان هذا الشاب يتميّز بصفات إيجابية عديدة و أهمها " الإيمان " فقد لمست كثرة ذكره لله في أول زيارة لنا مع أمه ، و حين أتيحت الفرصة ، أسرّ لي بأنه قد صام شهر رمضان الماضي و أنه يذهب إلى المسجد في كل يوم جمعة لحضور خطبة و صلاة الجمعة !! هذا الأمر جعلني أوافق على الفور 0و تمّت الخطوبة و كتب الكتاب ثم سافر و تبعته بعد شهرين إلى هناك ،سافرت كعروس تحلم بحياة ملؤها الحب و الإيمان و السكينة 0
هبطت الطائرة في مطار دبي ، و معها ، هبطت أحلامي الوردية إلى أرض الواقع المرير !! أجل 00فقد فوجئت بأن زوجي و للأسف الشديد كان على عكس ما تخيّلته تماماً فيما يخص مزاجه و أخلاقه و معاملته !! لن أطيل الوصف في هذا الجانب لكن يكفي أن أقول بأن حياتي معه كانت ألماً و عذاباً و شقاءً و دموعاً 00
كنت أحاول أن أتصبّر بالله و أقول في نفسي ربما تكون هذه المحنة تكفيراً عن ذنوبي ، ربما صقلاً لشخصيتي ، لن أفقد ثقتي بالله فهو لن يأتيني إلا بخير إن شاء الله تعالى00 فطلبت من زوجي أن يعلّمني الصلاة ففعل ، و ما كان يعرف آنذاك إلا ركعتي الجمعة فقط و لا يصلّي سواهما ، فتعلمتهما و صرت أصلّيهما حين أشعر بالضيق و الغمّ 0 ثم رحت أتوق للمزيد من الصلاة ، فسألت زوجي عن أوقات الصلوات و عدد الركعات ، فقال لي بأنه لا يعلم ، و لم يشجعني كثيراً على ذلك 0 لكن روحي الظمأى اشتاقت لتعلّم الصلاة على أصولها ، فمن عساي أن أسأل و أنا في بلاد الغربة و لا أعرف أحداً إلا بعض العائلات من أهل الطائفة ؟! خطر لي أن أذهب إلى المسجد المجاور لبيتنا و أسأل الإمام ، إلا أني خجلت و ما تجرّأت ،و خاصة أني كنت امرأة سافرة !!
لكن حين ينقطع الرجاء يبقى الأمل في رب الأرض و السماء 00
رفعت يدي إليه جلّ في علاه و دعوته أن يعلّمني و يهديني و ألححت في الدعاء ، و إذ بالجواب يأتيني بطريقة عجيبة ! فقد كنت في أحد الأيام أنظّف المنزل و أرتّب الأدراج ، و بينما أنا كذلك ، وقعت يدي على بطاقة مكتوب عليها بعض الآيات القرآنية ، و على خلف البطاقة مكتوب ما يلي : صلاة الصبح ركعتان 0 صلاة الظهر أربع ركعات 00000 الخ !
طبعاً قد يكون أحد الأشخاص قد أعطاها لزوجي فوضعها في الدّرج و نسيها ، لكني فرحت بترتيب رب العالمين كثيراً ، و لم أكد أصدّق عيوني ! فتعلّمت الصلاة و بدأت أواظب عليها 0
كنت أستمتع بالصلاة كثيراً ، إلا أن صلاتي كانت من غير وضوء ! فما كنت أعرف كيف يتوضّأون ! فكنت أدخل إلى الحمام قبل موعد الصلاة و أغتسل بشكل عشوائي ثم أصلّي 0 استمرّيت هكذا لفترة من الزمن ثم بدأت الشكوك تساورني في صحة صلاتي و شعرت بضرورة تعلّم الوضوء 0 لكن أنّى لي هذا ؟ و من سيعلّمني ؟!
سيعلّمني الأحد الصّمد ، العليم الخبير ! ففي أحد الأيام عاد زوجي من العمل و بيده جريدة ، و أخبرني أن وزارة التربية و التعليم تعلن عن حاجتها لمدرسين و مدرسات من شتى الاختصاصات ، و راح يشجعني للتقدّم لأن هكذا فرصة قد لا تعوّض ، فوافقت على فكرته و قدّمت طلباتي و بدأت أستعد لفحص المسابقة ، كان زوجي يشجّعني كثيراً لمصلحتي و لمصلحته تبعاً ! فأخبرني بأن لديه معارف في منطقة " خورفكان " حيث تعمل الزوجة هناك كمدرّسة و تستطيع أن تنفعني و تساعدني 0 فانطلقنا لزيارتهم ، و قامت السيدة بإحضار كل ما عندها من كتب تخص طرائق التدريس، و بعد أن انتهت الزيارة أخذنا الكتب و رجعنا إلى المنزل 0 و هناك ، جلست في الصالة أتصفّح الكتب و أطّلع عليها و إذ بورقة مطوية موجودة ضمن أحد الكتب لفتت انتباهي ، أخذت الورقة و فتحتها ، و إذ بكلمات مكتوبة بخط السيدة و بالقلم الرصاص : ( طريقة الوضوء : المضمضة ثلاث ، الاستنشاق ثلاث 0000الخ) !!!
فسبحان الله ، و الحمد لله ، و لا إله إلا الله ، و الله أكبر 0
أخبرت زوجي بما يحصل و علّمته مما علّمني ربي 0 و سبحان الله ، فقد كان يخاف الله برغم كل ما يُظهر من سوء ، و كان يتقبّل مني ما يتعلّق بأمور الدين و إن كان يجادل و يعاند في البداية !
كل شيء كان على ما يرام فيما يخص عبادتي ما عدا أمراً واحداً كان يريبني و يقلقني ، إذ كانت تأتيني وساوس شيطانية و نفسانية حين كنت أتشهّد في الصلاة و أقول : " أشهد الاّ إله إلا الله و أشهد أن محمداّ رسول الله "! فالملّة التي كنت أنتمي إليها كانت تشكك في نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلّم ، و تثير حوله الشبهات و لا حول و لا قوة إلا بالله !
هذا الأمر كان يعذّبني و يؤرقني ، فكنت أستيقظ في جوف الليل أو قبل الفجر لأدعو الله أن يبصرني و يهديني 00
فو الله الذي لا إله إلا هو ، ما هي إلا أيام حتى حدث أمر غريب ، فقد زارنا صديق زوجي الذي كان يؤثّر عليه سابقاً و يأخذه إلى المسجد لحضور خطبة و صلاة الجمعة ، جاء ليبارك لنا في زواجنا و أحضر معه هدية ، كانت الهدية عبارة عن شيئين اثنين : مسجّلة ، و كتاب : ( سيرة رسول الله ) !!
أخذت الكتاب بقوة و بلهفة ، و قرأته و سهرت عليه حتى الثانية صباحاً و لم اتركه حتى أنهيته ، أنهيته و الدموع تنهمر من عيوني ثم قلت: ( أشهد ألاّ إله إلا الله و أشهد أنّ محمّداً رسول الله ) 0
و من ذاك اليوم صرت متيّمة في كل ما يتعلّق بأمور الدين الإسلامي ، صرت أتابع البرامج الدينية في التلفاز بشكل دائم ، أستمع لكلام المشائخ و أتعلّم منهم و أقارن بين ما يقولونه و بين ما كنت عليه سابقاً ، و بدأت أهدم القديم البالي و أبني الجديد السامي 0 صرت مولعة بسماع القرآن ، و أفضّله على الأغاني و المعازف من قبل أن أعرف أنها محرّمة !
و الجدير بالذكر ،أني كنت أعلّم زوجي بكل ما أتعلمه لأنه ما كان يملك الوقت الكافي لمشاهدة البرامج بسبب دوامه الطويل و الصعب ، فكان يستمع إلي و كلّه آذان صاغية ، و يوماً بعد يوم بدأ زوجي يتغير نحو الأفضل في أقواله و أفعاله و أخلاقه و معاملته لي و للآخرين ، إلى أن وصلنا بفضل الله تعالى إلى مرحلة من التآلف و الصداقة حسدت نفسي عليها !
حتى في الأمور الدنيوية صار التوفيق حليفنا ، إذ قُبلت في سلك التدريس و تعيّنت بمدرسة من أفضل مدارس دبي من حيث الإدارة و الكادر التدريسي و غيره، و سكنّا في بيت جميل و رخيص نسبياً وقريب من مدرستي ، ثم حصلت على رخصة قيادة و اشتريت سيارة ، و بدأ زوجي يرتقي في عمله وتتيسّر أمورنا عامة و لله الحمد 0
أما من الناحية الإجتماعية فكانت علاقتنا طيبة مع الجميع ، طبعاً ما كنّا نظهر لهم إسلامنا اتقاءً للمشاكل ، و لكنا كنا نتناقش معهم حين تسنح لنا الفرصة في بعض الأمور التي تخص جانب العقيدة و نبيّن لهم حقيقة الإسلام بأسلوب غير مباشر ، و بذلك كنا نتعايش بسلام مع المعارف في الإمارات و مع الأهل و الأقارب في سوريا أثناء الإجازات 0
لكن ! شاء الله تعالى أن يختبر إيماننا ليعلم أنعبده في الشدة و الضرّاء كما نعبده في الرّخاء و السراّء ! أنثبت عند المحن كما ثبت الصحابة الكرام ! ؟ إذ يقول الله سبحانه و تعالى في سورة آل عمران :
( إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله و تلك الأيام نداولها بين الناس و ليعلم الله الذين آمنوا و يتخذ منكم شهداء و الله لا يحب الظالمين * و ليمحّص الله الذين آمنوا و يمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة و لمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصّابرين * ) 0
فالذي حصل أني قد بدأت أزداد إيماناً و التزاماً حين باشرت عملي في مدرستي ، فكل ما حولي كان يعزّز ذلك : الحجاب كان ضرورياً و له جزء من درجة التقرير، و المواد التدريسية لا بد من ربطها ببعضها و بالتربية الإسلامية ، و المحاضرات الدينية كانت تُقام في المدرسة عند بعض المناسبات الدينية كرمضان أو ليلة الإسراء و المعراج و غيرها ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كانا مستمرّين ، بالإضافة إلى توزيع الكتب و الأشرطة الدينية على مدار السنة 0
ثم ازداد التزامي أكثر و أكثر بتعيين أمينة مكتبة جديدة في المدرسة ، و قد كانت سيدة إماراتية قمّة في الالتزام و التدين و النشاط الدعوي ، هذه الإنسانة كان لها التأثير على معظم المدرسات بشكل عام و عليّ بشكل خاص ! فقد أحبّتني كثيراً و أحببتها أكثر في الله ، ما كنت أترك فرصة إلا و أذهب إليها في المكتبة نجلس معاً نذكر الله و نستمع إلى بعض الأشرطة ، و حين لمست مني التعطّش لطلب العلم الشرعي راحت تمدّني بالكتب و الأشرطة الإسلامية ، و تأخذني لحضور المحاضرات الدينية 0 و طبعاً ما كانت تعرف شيئاً عن حياتي الخاصة فيما يتعلّق بالدين و المذهب ، و ما أخبرت بذلك أحداً 0
فما حدث أن زوجي بدأ يلاحظ التزامي ، فما عاد الأمر مجرد صلاة الفرائض الخمسة و صيام رمضان فحسب ، بل صار الأمر يتطور و يزداد يوماً بعد يوم ! صار هناك صلاة النوافل و قيام الليل و صيام التطوع ، و الصدقات و قراءة الكتب و سماع الأشرطة و حضور المحاضرات 000و غير ذلك من الأمور الأساسية و الفرعية في الدين التي بدأتُ أطبقها في حياتي و أدعوه إليها !
هذا الأمر أقلقه و روّعه كثيراً ، و صار يعترضني و يقول لي : " لا تتطرّفي ، إلى أين ستصلين ؟ "
لكني أكّدت له أني لست متطرّفة بل أنا فقط أطبّق دين الله تعالى ، و ذكرت له قوله تعالى في سورة البقرة : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا و يوم القيامة يُردّون إلى أشدّ العذاب و ما الله بغافل عما تعملون ) 0
و كنت أعطيه أشرطة متنوعة ليستمع إليها في السيارة في طريقه للعمل ، فكانت تؤثّر به هذه الأشرطة كثيراً و تثبته و ترفع معنوياته 0
و بدأنا ندعو الناس من المعارف من أهل الطائفة هناك حسب ما يتيسّر لنا، و كان منهم من يتقبّل منّا بطريقة أو بأخرى و منهم من يعترض ، و منهم من يقتنع لكنه يخاف من التغيير و ما يصحبه من أذى المجتمع من أهل الملّة 0
الجدير بالذكر ، أني حتى ذلك الحين كنت لا أزال غير محجبة ! أقصد أني كنت أتحجب في المدرسة أو حين أخرج بمفردي لبعض حاجاتي ، لكن حين كنت أرافق زوجي كنت أرتدي ثياباً و زيّاً مختلفاً تماماً ، فقد كان يمنعني من الحجاب و يعترض عليه بشدّة !
و في أحد الأيام ذهبت إلى المكتبة العامة في دبي ، و قد كنت أتردد إليها في أوقات فراغي بهدف المطالعة ، فكتبها كانت مختارة و منتقاة فيما يتماشى مع الشريعة ، أما الكتب الكفرية و الفسقية فما كان لها مكان هناك !
المهم ، قدّر الله تعالى ، و لحاجة معينة ، أن أتعرّف في المكتبة على امرأة شامية متزوجة في الإمارات ولا تتجاوز التاسعة عشر من عمرها و تدرس في كلية الشريعة ! من خلال الحديث معها أخبرتها بأن زوجي يمنعني من الحجاب ، فراحت تجمع لي الأدلة من الكتاب و السنة لتقنعني بوجوب الحجاب و أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق 0 كان كلامها مؤثراً و بليغاً إلى أقصى حد فعدت إلى المنزل و عزمت على مواجهة زوجي في موضوع الحجاب و فعلت ذلك ، فثار بالبداية و غضب و لكني حاولت إقناعه بشتى الطرق 0 و حين رأى إصراري وافق و لكن على مضض 0
تحجّبت و كنت سعيدة جداً بحجابي ، و هذا قادني إلى الامتناع عن مصافحة الرجال !
من ذلك الوقت بدأ الأذى لنا ممن حولنا ، فبدأت أتعرض إلى الهمز و اللمز و الامتعاض من المحيطين ، و لكني كنت قد تهيأت نفسياً لمثل هذا و حملت نفسي على الصبر و الثبات ، و كان لي في رسول الله صلى الله عليه و سلّم و الصحابة أسوة حسنة 0
جاء موعد الإجازة و السفر إلى سورية ، كان ينتابني شعور من القلق و الكآبة و أحس و كأن شيئاً ما سيحدث ، لكني كنت أستعيذ بالله من هذه الوساوس 0 ثم سافرنا ، و هناك بدأت المأساة ! فأول شيء حدث أن تفاجأ الجميع بحجابي و عدم مصافحتي للرجال من غير المحارم ، و عدم مصافحة زوجي للنساء من غير المحارم مما قادنا إلى مواقف في منتهى الإحراج ! ثم تفاجأوا بزوجي يصلي ! و تيقّنوا من إسلامنا ! فأعلنوا الحرب علينا !!
كنت ألمح الغضب و الامتقاع في وجه زوجي فأحاول تثبيته قائلة :
" و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " ، و لكن السخط بدأ يظهر عليه بشكل واضح !
ثم نزلت عند أهلي و ذهب هو لزيارة أقاربه 0
أما أهلي و أقاربي فقد بدأت النقاشات بيننا تعلو و تستعر ! و وقفوا جميعاً ضدي ! لكني تصبّرت بالله و قلت بنفسي : حسبي الله و نعم الوكيل 0 يكفيني من البشر زوجي ، فهو معي و يساندني و يقف بجانبي0
لكن زوجي الذي أثق به و أعلّق عليه آمالي كان قد نزل عند أقاربه و استلموه ! فما تركوا وسيلة لصدّه عن سبيل الله إلا اتبعوها ، بالوسوسة و السخرية و التخويف و التهديد و التعنيف 00 ثم بالمغريات و الزخرفات الدنيوية بشتى أنواعها من نزهات و أكل و شرب و موسيقا و رقص و نساء كاسيات عاريات !!
فانقلب الرجل على عقبيه و انتكس !! و لا حول و لا قوة إلا بالله !!
ليس ذلك فحسب ، بل راح يغتابني و يبهّتني و يهجوني و يفشي أسراري و يذكرني بالسوء أمام أهله و أهلي ، و يتهمني بالتطرّف و التعقيد ! و يشكوني إليهم و يضع كل الحق علي في هذا الأمر و يبرّء نفسه !
** تتبع في الجزء الثاني **


ساحة النقاش