بقلم:أحمد رجب | |
|
لم يترك قدماء المصريين جدارا او حائطا خاليا من الكتابة او النقوش ! بل يخيل الي ان الكتابة علي الجدران كانت هواية خاصة للانسان المصري القديم, والارجح انه عندما ينتابه الملل من قعدة البيت كان يقول لزوجته : انا خارج اكتب شوية علي حيطة البيت وراجع. وربما كان المصري القديم يمر بجاره فيجده واقفا يشرف علي عمال البناء , فيفسر ذلك بقوله لجاره: اصل عندي عزومة بكرة وبابني للضيوف حيطة يكتبوا عليها. ولا اظن أن الأمية كانت تحول بين المصري القديم وبين اشباع هذه الهواية فلابد انه كان يستأجر من يكتب علي الحيطان , ولابد انه كانت هناك ـ من أجل الأميين ـ فئة محترمة من كتبة الحيطان الجائلين يدورون في الشوارع والحواري وهم ينادون : نكتب لك ع الحيطة والجدار . وليس من شك اننا قد ورثنا هذه الهواية الثقافية الرفيعة عن اجدادنا قدماء المصريين , فما من حائط او جدار يصادفنا في شوارع القاهرة او غيرها الا ونجد نزعتنا الوراثية الفرعونية تتحرك وتملي علينا ان نكتب فوقه شيئا , حتي يعرف احفادنا بعد الاف السنين من واقع مخطوطاتنا الجدرانية ان (مرزوق جدع) وان كل من رشح نفسه في الانتخابات كان رجل الوطنية والنزاهة والاخلاق والشرف وان حصول المرشح علي صوت الناخب كان ثقة غالية فعلا لأنه يدفع في صوته ورقة بجنيه. ومن مخطوطاتنا الجدرانية ايضا ستقف الاجيال القادمة علي حب اولادنا للعلم والمدارس عندما يقرأون ما كتبه هؤلاء الاولاد علي الحوائط تغنيا بأشهر مدرسة في مصر : يا زمالك يا مدرسة لعب وفن وهندسة! وسوف يعرف احفادنا ايضا ان حسين ابو راس رجل عاش بين الناس بالحكمة والموعظة, فإن هذا الرجل الذي يعد من اشرف تجار السوق السودة ملأ جدران عمارته بالموعظة الحسنة: يا ناس يا شر كفاية أر. كذلك لن يفوت علماء الاثار في الاجيال المقبلة ان يقفوا علي الطريقة التي نجا بها الحاج عبد الصمد جعدار من الهلاك , فإن هذا الرجل الذي امتلأ بالايمان كتب علي جدران المخزن الذي يخفي فيه السلع التموينية : العين صابتني ورب العرش نجاني. ششم جاليتي الديك! كل هذه العبارات وغيرها ستظل اثرا خالدا علي الحوائط لانه لا يليق بأية محافظة متحضرة ان تتصدي لهذا التراث التاريخي بالازالة, وذلك بحجة الحرص علي مظهر المدينة, فلو ان محافظة طيبة القديمة مثلا كانت قد محت ما كتب علي جدران الفراعنة لما عرفنا اخبارهم وتاريخهم, فشيء حضاري اذن ان تظل هذه الكتابات باقية علي مباني مدننا ـ ودون مدن العالم اجمع ـ بقاء الدهر والزمان, وليس ادل علي ذلك من انه لا يزال علي بعض الحوائط الي يومنا هذا مخطوطات اثرية عن (ششم جاليتي الديك يزيل العماص) فإن هيئة الاثار سوف تضم الجدران التي كتب عليها ششم جاليتي الديك الي مشروع الصوت والضوء, حيث يشاهد السياح ويسمعون ششم جاليتي الديك وهو يروي تاريخه قائلا: انا ششم جاليتي الديك. كتب اسمي علي هذا الحائط في ايام الدولة الفاطمية , وكانت ست الملك اخت الحاكم بأمر الله تحشو به عيون أخيها ثم تنتهز الفرصة وأنا علي عيونه لتأكل الملوخية التي حرم الحاكم بأمر الله اكلها علي الجميع الا نفسه باعتبارها طعاما ملكيا خاصا ينفرد بأكله كما هو واضح من اسمها : ملوكية, ولقد عاصرت , انا ششم جاليتي الديك ـ هذه الملوكية منذ ان كان الحاكم بأمر الله يأكلها بالارانب, الي ان اصبحت ملوكية ناشفة يعبئون بها باكوات شاي التموين. ..والمحافظة هكذا يكشف بقاء ششم جاليتي الديك علي الجدران من العصر الفاطمي الي عصر الفضاء, موقف المحافظة الحضاري الذي يتمثل في عدم المساس بهذه المخطوطات الجدرانية , بل ان المحافظة نفسها تشارك في هذا المهرجان الجدراني , اذ حرصت في فترة من الفترات علي ان تكتب فوق الحوائط : حافظوا علي نظافة مدينتكم! النظرية السيمفونية ! ان هذه الهواية الفرعونية الموروثة لا يقتصر مظهرها علي شوارع المدن , بل هي امتدت الي نواح عديدة في حياتنا , فإذا تجاوزنا عن اشجار الحدائق العامة ومقاعدها التي دونت فوقها ـ حفرا ـ نقوش العشاق من قلوب وسهام واسماء وتواريخ وكلمات مأثورة : لا تنسيني وافتكرني وحبني قد ما تقدر , واذا تجاوزنا ايضا عن الاسانسيرات ومخطوطات جدرانها الداخلية, فإننا نري هذه الظاهرة بصورة اخري وقد اتخذت سمة اعلامية غريبة نوعا في بعض دورات المياه بالمصالح والشركات! هنا نري بعض العاملين يدونون علي الحوائط اخبار فراعنة الشركة الكبار , فتقرأ مثلا عن الاربعين فرعون الذين تسللوا الي المغارة في الشركة, وكسروا الزلع , ووزعوا علي انفسهم منها المكافأة التشجيعية! وهنا فوق جدران دورات المياه يتم تدوين نظريات علمية حديثة كتلك النظرية المكتوبة تحت السيفون , فهي تعارض نظرية دارون بأن الانسان اصله قرد , وتعارض نظرية ماكسويل بأن الانسان اصله سمكة , وتخرج برأي جديد وهو ان الانسان المدير اصله حمار. سماء.. ماء .. ماء! والمصري الفرعوني القديم عندما كان لا يجد ما يكتبه فوق الجدار فإنه يكتب اسمه , ثم اسماء افراد اسرته , ثم اسماء جيرانه , فالاسماء منتشرة في آثار الفراعنة بشكل يلفت النظر , ولقد رأيت في متحف اللوفر حجرا مسروقا من معبد الكرنك وليس عليه سوي اسماء 61 ملكا , مجرد اسماء فقط لا غير. هذه النزعة نري اثرها الوراثي بوضوح في التليفزيون , فإن نصف ما نراه من برامج التليفزيون يوميا هي اللوحات المدون عليها الاسماء , والتي تظهر مرة في مقدمة البرنامج ومرة في نهايته, تحمل مئات الاسماء ابتداء من المؤلف او المعد والمصورين والمخرج حتي اسم جرسون بوفيه الاستديو , ويقال ان احد المخرجين اراد مرة ان يدخل تقليدا جديدا بإضافة لوحة في مقدمة التمثيلية ونهايتها كتب فيها اسماء زوار الاستديو من اقارب المؤلف , باعتبارهم بذلوا جهدا في الفرجة علي التمثيلية اثناء التصوير , ويقال ايضا ان مخرجا اخر اراد ان يضيف ـ لأسباب عائلية لم يفصح عنها ـ لوحة كتب فيها: اولاد عم المخرج حسن زير الدار ـ حسان زير الدار ـ فتحي زير الدار ـ فاطمة زير الدار ـ مراقب عام اولاد العمومة : شحاته زير الدار. الحامل ونائب الحامل! ولسبب متعلق بلوحات الاسماء , انتشر الذباب بكثرة علي وجه المذيعين والمذيعات والضيوف من زبائن برامج الكراسي الكلامية, فقد انعدمت الحوافز للفراشين عندما رفضت المراقبة العامة لكتابة لوحات الاسماء ان تضيف لوحة مكتوبا عليها: كناس الاستوديو: فلان الفلاني ـ حامل طرمبة الفليت : فلان الفلاني وولده ـ مساعد حامل طرمبة الفليت: فلان الفلاني ـ رشاش اول فليت : فلان الفلاني. وصحيح ان هذا غبن واضح لأن الاجيال المقبلة لن تعرف اسماء حامل الطرمبة ونائب حامل الطرمبة عندما يفحص علماء الاثار في المستقبل هذه اللوحات كأثار تاريخية , لكن ظهور الذباب مبكرا علي وجه الضيوف سوف يتيح لعلماء الحشرات في الاجيال المقبلة دراسة التطور البيولوجي للذبابة التليفزيونية وسوف تظهر مؤلفات ومراجع علمية تحمل عناوين ذبابة ماسبيرو وخواص ذبابة القناة 5 فلا شك انهم سيكتشفون ان الذبابة التي تتجه الي ستوديوهات القناة 5 غير الذبابة التي تتجه الي ستوديوهات القناة 9, وقد يقطع علماء الحشرات في الاجيال المقبلة بأن ذبابة القناة 9 ـ كالقناة 9 ـ تحب تنام بدري. العرعر يزم! لا شك ان في حياتنا عادات وراثية فرعونية عديدة مردها تلك الكتابة الجدرانية التي اخترعها الفراعنة.فهذا مثلا كاتب يسطو علي مسرحية انجليزية بالكلمة والحرف ثم ينسبها الي نفسه , وهذا مخرج مسرحي يتولي نقل المسرحية بالتليفزيون فيرفع من عليها اسم الذي الفها او ترجمها ويضع عليها اسمه هو , وقد قيل في هذا المخرج انه انجب ولدا فاسماه تأليف حتي يفك عقدته التأليفية عندما يسمع ان اسم ابنه الثلاثي تأليف فلان الفلاني! ومئات من السرقات الادبية يعود اصلها الي هذا الميراث الفرعوني في الكتابة الجدرانية, ويطلقون علي هذا المذهب اللصوصي اسم العرعريزم! ماذا فعل عر ــ عر فالكتابة الجدرانية كانت هي اداة التسجيل التاريخي عند الفراعنة , واتخذ بعضهم من هذه الاداة وسيلة ليضفي علي نفسه امجادا ليست له , اذ يأتي مثلا الملك خنفرو ويكتب لوحة تقول : ان خنفرو العظيم هو الذي بني المعبد الشرقي وقدم القرابين للاله رع بعد ان عاد ظافرا من فتوحاته في بابل واشور وقتل بش ـ كير ملك الاعداء . وعاد بغنائم من الذهب , المجد لخنفرو العظيم ابن رع. وبعدخنفرو يأتي الملك كوع ـ رع فيزيل هذه اللوحة ليكتب انه هو الذي بني المعبد الشرقي بعد عودته ظافرا من بابل وأشور , وانه قتل بش ـ كير شخصيا , ويضيف الي الغنائم : الياقوت والزمرد . ثم بعد مائتي سنة نري البقال الفرعوني منخ ـ عر ـ عر يقف امام هذه اللوحة التي تغير فيها اسم الملك عشرات المرات , وذات مساء تختمر الفكرة في رأس البقال الفرعوني عر ـ عر فما ان ينتهي من بيع البسطرمة والجبنة والحلاوة الطحينية حتي يغلق الدكان ويتسلل الي الجبل ليغير اللوحة كالتالي ان جلالة منخ ـ عر ـ العظيم هو الذي بني المعبد الشرقي للاله رع بعد ان عاد ظافرا من فتوحاته في بابل وأشور وقتل بش ـ كير ملك الاعداء. ثم يكمل البقال الفرعوني عرعر صياغة اللوحة علي نحو جديد. لقد حصل منخ عر ـ عر العظيم علي الكثير من غنائم الاعداء فعاد بقوافل تحمل الذهب والياقوت والزمرد والبسطرمة والجبنة والعجوة والحلاوة الطحينيـة . المجد لـــــ منخ ـ عر ـ عر العظيم ابن رع والمجد لكل عرعر في بلدنا |
نشرت فى 4 نوفمبر 2007
بواسطة nour123
عدد زيارات الموقع
78,088


ساحة النقاش