ريلكه: الناي الحزين علي الإنسان!بقلم: أنيس منصور | |
|
هناك نوع من الشخصيات التي تملأ العقل والقلب وتظل تقترب منك وتستولي عليك حتي تري من خلالها هذه الدنيا.. إنها تشبه العدسات التي تلتصق بالعين.. فتكون هي نفسها العين.. ولكنها كالعدسات الملتصقه تلهب العين وتوجعها. فلا نجد مفرا من نزعها من فوق العين.. هذا الشاعر الألماني ريلكه الذي ولد منذ اكثر من مائة عام هو واحد من هؤلاء الأصدقاء الذين تعذبت بهم سنوات طويلة. لا أعرف من أين جاء ولا كيف ولا لماذا: إنه عفريت قفز في طعامي وفي شرابي وفي دمي وجعل دنياي سوداء وآمالي مبددة.. وأفقدني الشعور بأن لهذه الدنيا أي طعم وأي معني.. ولم أكن أعرفه.. وإنما فجأة وجدتني أردد اسمه.. واكرر معانيه.. ولا أدري أن هذا الذي أفعله يزلزل نفسي ويعصف بعقلي.. ولم أتبين ذلك إلا بعد وقت طويل.. كان ذلك في يوم من الأيام.. وقد تفضل أحد أساتذة كلية الآداب فجلس إلينا علي العشب.. وهذا سلوك عجيب.. فهذا الرجل لم يكن يدرس لنا.. ولكننا كنا نعرفه.. انه د. عبد الهادي أبو ريده أستاذ الفلسفة الاسلامية في ذلك الوقت.. ومترجم لواحد من أهم كتب الفلسفة.. ترجمه من الألمانية إلي لغة عربية فصيحه.. شيء عجيب كيف يستطيع ذلك أي مصري ؟ وكنا في ذلك الوقت نعاني من ويلات اللغة الألمانية في دراستها وحفظ قواعدها وقراءتها وترجمتها.. وفجأة وجدنا الرجل يخرج من حقيبته مع السندوتشات نسخة من مجلة الثقافة.. ويقرأ لنا مقالا منشورا له.. ان هذا المقال هو حلقة في سلسلة من المقالات بعنوان رسائل إلي شاعر شاب, وهذه المقالات مترجمه عن الألمانية ومن تأليف الشاعر الالماني رينر ماريا ريلكه.. وكانت هذه أول مرة أسمع فيها اسم هذا الشاعر.. وبعد ذلك سمعت له كثيرا واستمعت إليه طويلا.. وقد بهرنا الدكتور أبوريده ببساطة سلوكه وفصاحة عبارته.. ثم تركنا وحدنا مع الشاعر ريلكه وحده!! وكانت تدرس لنا اللغة الألمانية في ذلك الوقت سيدة سويدية عجوز إسمها السيدة برج. وكانت تسكن بالقرب من كوبري الجيزة.. ولها سيارة في مثل سنها.. وكثيرا ما طلبت إلينا أن نعاونها علي تحريك السيارة وكنا نفعل ذلك.. وكثيرا ما ظللنا ندفع السيارة حتي باب بيتها. وفي إحدي المرات رأتنا زميلة المانية كانت تدرس اللغة العربية فراحت تضحك.. وتقول: هذه نبوءة.. سوف تكونون عظماء هذا العصر! لولا هذه السيدة العجوز!! ولم أفهم هذه النكته. واستوضحتها وعرفت انها تشير إلي حادثة مشهورة في الفكر الأوروبي فقد حدث أن أحب ثلاثة من العظماء امرأة واحدة في وقت واحد. وأصرت هذه الحسناء علي أن تركب عربة يجرها هؤلاء الثلاثة ووافقوا.. والتقطت صورة للفتاة الجميلة اليهودية لو أندريا سالومي وقد تعلق في هذه العربة: العالم الكبير فرويد والفيلسوف العظيم نيتشه والشاعر الرقيق ريلكه! وظل الشاعر قريبا من نفسي ومن أهم النوادر التي أرويها في مناسبات كثيرة.. وفي يوم ذهبت مع الشاعر عبد الرحمن صدقي إلي سور الأزبكية.. واشتريت عشرات الكتب.. ولكن أهم هذه الكتب كتاب بعنوان غراميات ريلكه في مصر.. ولم اكن اعرف انه جاء إلي هنا.. أو أحب من هنا.. ووجدت الشاعر قد أحب فتاة مصرية جميلة نحيفه كأنها هي أيضا شاعرة.. وهي التي قال فيها: أنت كالوردة.. فالوردة عشرات من الأجفان بلا عين تري.. أنت أجفان لعيني التي تراك.. وكانت المصرية التي أحبت الشاعر وأحبها اسمها نعمت علوي.. وفرحت بالاكتشاف.. وعشت معه.. وكتبته في مقال نشرته مجلة آخر ساعة منذ اكثر من عشرين عاما.. ورويت في نهاية المقال كيف مات الشاعر ريلكه وكيف أن وردة وخزته فمات ذابلا.. كأن وردة قد وخزت وردة.. أو كأن وردة قتلت وردة.. لقد مات بالمرض الخبيث.. ولم يبق مريضا وقتا طويلا.. بل إنه لم يكن في صحة جيدة طول حياته.. إنه عرف من هذه الدنيا اثنين: المرض والمرأة وكلاهما مرض!! وفي ذلك الوقت كان الأديب الصديق صلاح ذهني مريضا. وكان مرضه قريبا من مرض الشاعر الألماني. وخشيت أن تقع المقاله في يده.. وحاولت أن أرجيء نشرها حتي لايراها قبل سفره.. ولم أفلح.. وحاولت أن أخفيها عنه.. ولكن فوجئت بصلاح ذهني جالسا في كازينو بديعه( في المكان الذي أقيم فيه شيراتون الآن).. وقد قرأ المقال.. ووقف طويلا عند نهايته.. التي كانت نهايته هو أيضا.. وحزنت.. وأحسست كأن هذا الشاعر الألماني هو الذي عجل بنهاية صلاح ذهني وحزني عليه.. وعرفت لأول مرة في حياتي أناسا يشتمونني في التليفون ويهددونني بالقتل لأنني رويت قصة حب الشاعر الألماني لفتاة مصرية قابلها في سويسرا وبكي عند قدميها. ومات بين ذراعيها سنة1926!! شيء غريب جدا وفاة هذا الرجل. فقد طلب إلي صاحبة البيت الذي يسكنه أن تخبره أن كانت وردته الحمراء قد تفتحت. فعادت صاحبة البيت لتقول له: تفتحت يا سيدي! وأغمض الشاعر عينيه ليموت.. كأنه أراد ان يكون لون الوردة واسمها وصداها هو آخر ما يتزود به من هذه الدنيا.. وأطبق جفنيه وأذنيه ونفسه علي ما سمع ومات! وكنت أهز رأسي مصدقا وغير مصدق.. ولكن حدث أيضا أن مرض والدي في إحدي عوامات النيل.. وكنت أزوره وأخفي دموعي حتي لايراها.. وفي يوم وجدت أخواتي كلهم يسألون عني: اذهب.. إنه يريد أن يراك. إنه لاينام.. إنه يريدك.. وذهبت.. وسألني والدي: هل نجحت ؟ فقلت: نعم.. وهل جاء ترتيبك الأول في الليسانس فقلت: نعم.. وأغمض عينيه واذنيه علي هذه الكلمات, وكأنه الشاعر ريلكه.. ومات!! وتحيرت المعاني في رأسي.. ودوخني الحزن عليه.. وأرهقني أن أكون آخر من رأي وآخر من سمع, وأن يكون نجاحي هو الكفن الأبيض الذي تغطي به. واستراح تحته الي الأبد.. شيء غريب أن يدفن أعز الناس وهو يضحك.. او يكون عروسا دفنت يوم زفافها.. وأن يكون نجاحي هو هذه العروس التي زففتها الي قلبه.. فكيف أنسي الشاعر ريلكه الذي تطاردني حياته.. أو التي اطاردها.. أو التي ألصقت بها عيني.. فلا أجد غيره قريبا من همومي!! فما الذي هزني من كلمات الشاعر ريلكه في تلك الأيام من ثلاثين عاما؟ هو يقول: ان تكن وحدك هذه نعمه كبري, بشرط ان يكون لديك مايكفيك من طعام الأحزان؟! ويقول: أن تكون وحدك مع حزنك, هذه نعمه أكبر بشرط أن يكون لديك ما يكفيك من سلالم العظمه والسمو الي ما فوق الانسان! ويقول: أن تكون وحدك معناه أن تطبق عينيك وتقفل نوافذك لتنعم بالظلام الهاديء الظاهر. ولكن من المؤكد أنك لست وحدك.. فالله هناك في أعماقك.. وإذا كان الله في داخلك فلست في حاجة الي مصباح يضيء لك.. بل أنك انت المصباح الذي يضيء لك ولغيرك!! وهو الذي قال: أن أكون في الجنة وحدي, أنا إذن في جنتين في وقت واحد.. أنا في الجنة وأنا وحدي!! ويقول أيضا: أناس كثيرون يتحدثون عن الله.. كل إنسان يقول: الله.. ولكن ليس هناك أي معني لما يقول.. أنه يقولها وحده ويقولها عند الخوف.. ويقولها عندما يشعر بالنهاية.. وأريد أن أوضح لنفسي ما أقول: لنفرض ان طفلين قد اشتري كل منهما سكينا في يوم واحد. واختفي الاثنان أسبوعا. ثم عادا وفي يد كل منهما السكين. لافرق بين السكين في يد هذا أو السكين في يد الآخر.. الفرق الوحيد هو في أي شيء استخدم كل منهما هذا السكين.. وكذلك الله.. كيف يكون الله معنا وفينا ولانستخدمه سلاحا لنا ولغيرنا.. أن الانسان وحده تماما, اذا لم يكن مع الله.. وليس وحده تماما اذا كان الله معه.. وقد استمتعت بهذه الصداقة لحظات عميقة في حياتي!! وفي هذه الوحدة التي يعيشها الشاعر او الفنان يكون في حالة حساب او محاسبة او تصفية او صفاء.. ولكن ما الذي يجده الشاعر او الفنان او المفكر؟!! يري الشاعر ريلكه أن هناك مشكلة هي: مشكلة الحزن العميق في نفوس الناس.. أن الناس في العصر الحديث أكثر حزنا.. وأميل الي الحزن أيضا.. أنهم يحاولون ان يغرقوا أحزانهم في العبادة أو الخمر أو في الدم.. ويحاولون أيضا أن يفرحوا بالقوة.. بالعنف.. أنهم يستخدمون السكين في فتح أفواهم. وتنفتح أفواههم ولكن دماءهم تسيل.. أنهم يحاولون أن يفتحوا قلوبهم بالسكين ويفتحونها.. ولكن القلوب تنزف دما.. والحزن هو توءم الشعراء.. أو هو ظلهم. او أنهم ظل للأحزان.. وأن هذا هو قدرهم.. يقول ريلكه: لقد اكتشفت فجأة أنني لست في مكاني المناسب.. وأن الذي ألعبه في مسرحية الحياة ليس دوري.. ولذلك حاولت أن أراجع الوجه الذي أحمله.. أن أعيد النظر الي ملامحي.. ولذلك بحثت عن مرآه.. وجاءت المرآه.. ورأيت وجهي في المرآه. ومسحت الطلاء الأحمر والأبيض والأسود ووجدت دمعتين فمسحتهما أيضا.. ورأيت وجهي الحقيقي.. اذا هذا هو أنا.. ولكني رغم ذلك لم أستطع أن أزيل شيئا هاما هو ان الانسان يبالغ في أحزانه. ويبالغ في أحزان الآخرين.. هذه المبالغات هي التي لم أفلح في القضاء عليها.. أنها ليست في طبع الانسان..ولكنها أصبحت في طبعه أو هي الانسان!! ولم أنس ولن أنسي ما قاله ريلكه عندما سئل وهو علي فراش المرض, ان كان لديه ما يقوله لأحد.. فقال: لا أحد أقول له: فلم أستطع أن استمتع بالكلام مع أحد.. ولم يستطع أحد أن يدعني أقول, لعله يجد متعة فيما أقول.. إن الناس يرونك بنصف عين.. ويسمعونك بنصف أذن.. ويفتحون لك ربع قلب.. ويفتحون لك كل العقل لعلك تدخله وتسقط منه الي غير رجعة!! ولن أنسي ولانسيت هذه العبارة: وحدنا ولدنا, وحدنا نموت, وحدنا ولدنا. وحدنا تعذبنا. وحدنا نموت.. وحدنا تعذبنا في عذابنا. ووحدنا تطهرنا.. وحدنا نموت.. وحدنا تطهرنا في نار الندم. وحدنا نموت.. وحدنا نموت اذا نظرنا الي أنفسنا في المرآه: فإننا نموت في عيوننا.. عيوننا تموت وهي تنظر الي عيوننا.. تموت في عيوننا.. ووحدنا نموت!! وأيام التصق الشاعر الرقيق الحزين بحياتي, وجدتني علي مدي خطوات من الفلسفة.. الوجودية.. فهو واحد من الآباء الشرعيين للوجودية الألمانية والفرنسية.. ولا أقول ان انتسابي للوجودية كان بسببه.. ولكن هناك أنواعا من العذاب النفسي والعقلي والاجتماعي, كانت مؤهلاتي.. كانت أوراق اعتمادي الي السلك الوجودي. والي تلوين حياتي كلها بألوان قاتمة بائسة.. شائكه.. وأيامها أحسست أنني المقصود بهذه العبارة التي قالها الشاعر اللاتيني فرجيل: من ذلك الذي يتمرغ علي الشوك.. من ذلك الذي ينزع أوراق الوردة ويتمدد علي شوكها.. من ذلك الذي اذا سما تقلب علي لظي النجوم؟ وأيامها قلت: بل أنا الذي ارتدي جلد القنفذ بالمقلوب.. ولكن ما الذي يعذبني؟ وكنت أجد كل شيء يوجعني أنا والناس.. أنا والبعد عن الناس.. وأنا مع الناس!! من القصص الجميلة الأليمة التي اختارها ريلكه ليصف حياته.. ثم نظمها في قصائد طويلة جليلة اسطورة اورفيوس.. انه اختارها بكل معانيها.. فأورفيوس كان صاحب الناي الجميل.. كان اذا نفخ فيه تركت الطيور اعشاشها وسارت وراءه.. تركت الأسماك انهارها وتزاحمت وراءه.. تركت الوحوش فرائسها ومشت مسحورة وراءه.. وأحب الفنان الساحر اوريديس.. وتزوجها.. وراح يغني لها وحدها.. وضاقت الآلهه بهذا العشق الأبدي. فأوعزوا الي حية ان تلدغها.. ولدغتها.. وانتقلت اوريديس الي العالم الأرضي.. وذهب اورفيوس الي العالم الأرضي يبحث عنها.. وراح ينفخ في الناي فتوقفت كل طواحين العذاب.. حتي النيران ابتلعت نفسها.. وخمدت.. وهرع الآلهة يسمعون الناي الساحر.. وشاءت الآلهة ان تجيبه الي رغبته.. فأخرجت حبيبته من العالم الآخر. واشترطت ان يمشي هو امامها.. وألا ينظر وراءه اليها إلا اذا خرجت من العالم الأرضي. ولكن اورفيوس نسي.. فنظر وراءه متلهفا الي حبيبته فتلاشت.. وخرج هو حزينا الي الدنيا..وراح ينفخ في الناي في الكهوف وكانت الحشرات والزواحف تلتف حوله.. وحاولت بعض النساء أن يغرينه. ولكنه رفض.. فهجمن عليه.. وفر قته.. وقطعن رأسه.. وألقين به في الماء.. وكان الرأس كلما صدمه حجر قال صارخا: أوريديس ولايزال الموج والصخر يحتفظ بهذا الاسم ويردد ليلا ونهارا.. ويتساءل الشاعر ريلكه ويقول: ولكن لماذا هذا العذاب؟ هل لأنه يغني؟ هل لأن الناس يجدون لذة في الغناء؟ هل لأنه المغني الوحيد؟ هل لأنه أحب زوجته؟ هل لأنها هي أيضا أحبته؟ هل لأن للعذاب شعبية بين كل الكائنات؟ يقول ريلكه: لأن الأحزان هي الهواء الذي يتنفسه الجميع.. لأن الانسان ناي حزين ينفخ في ناي أكثر حزنا! |
نشرت فى 4 نوفمبر 2007
بواسطة nour123
عدد زيارات الموقع
78,037


ساحة النقاش