*** في أزمنة العبث والاستقالة من المنطق والقانون والأخلاق، يتسيّد الكهنة المزيفون، ويحتكرون الكلام باسم الوطن والوطنية، فيصبح كل مهرّج أفاق معياراً وحكماً، يمنح نفسه حقّ نفي وطنية المختلفين مع السلطة التي تطلقه على خصومها، مستفيداً من وضعية "المواطن الصالح النموذجي"، مختبئاً في أحراش الوطنية الفاسدة من فساده السابق، فيجد من يصغي إلى طلباته بتجريد هذا من جنسيته، وطرد ذاك من مملكة المواطنة المستحدثة.
أخطر ما جرى لمصر منذ الانقلاب هو هذا العبث المفاهيمي الذي فرّغ كل الأشياء والقيم من معانيها ومضامينها الحقيقية، فرأينا تعريفاتٍ مختلة وفاسدة للوطن وللثورة وللدين وللعروبة وللإنسانية.
*** مفهوم المواطنة المستحقة، وتعريف المواطن الصالح، بميزان دولة عبد الفتاح السيسي، بحيث صار نموذج المواطن الصالح هو الموافق على طول الخط، القابل بالإهانة وللظلم ولانتهاك آدمية رافضي جنون السلطة، والراضي بالفقر والجوع والمرض، من دون أن يحرّك ساكناً، أو ينطق بكلمةٍ، كي لا ينهار الوطن.
هنا، يصبح المعارض والمعترض والمختلف والرافض هو الخائن، العميل، الطابور الخامس، الإرهابي، الشرير، ويستحق الطرد من جنة المواطنة (الفاسدة) وتجريده من هويته وانتمائه، وإسقاط الجنسية عنه، وانتهاك سمعته، وافتراسه عبر الأبواق الموغلة في توحشّها، والاستيلاء على ممتلكاته الشخصية.

*** مصر عرفت طريق الضياع، منذ ضيع المصريون ثورتهم، بعضهم باعها، مثل جزيرتين للأحلام، وبعضهم تنازل عنها، لقاء رعاية ودعم من الأقوياء، وبعضهم تخلى عنها، إيثاراً للسلامة من البطش، وطلباً للراحة من وجع النضال.
نعم، من المصريين من فعل بثورته ما فعل السيسي بالجزيرتين، متوهماً أنه بذلك ضمن البقاء والرخاء، ثم أفاق على صوت ارتطام رأسه بأرض لا تشبع من الدماء، ولا تكف عن ابتلاع الأحلام. 
الكل أمام الحقيقة العارية الآن: هذا نظام لا يصون العرض، ولا يحافظ على الأرض.. نظام يريق الدم ويبيع الرمل والتراب.. هذا شخص قرر أن يحرق كل شيء كي يبقى في سلطته، يعدم معارضيه، ويقتل قضاته، ولا يتورع عن ارتكاب أي جريمة، أو حماقة، يتوهم أنها تطيل بقاءه في الحكم، وفي سبيل ذلك يهمه أن يصنع الإرهاب بيديه، إن لم يكن موجودا، كي يحيا على عوائد محاربته.

*** يلحّ عبد الفتاح السيسي، طوال الوقت، على أنه ليس النظام، وليس الدولة، وهذا في علم النفس يشير إلى أنه مهووس بفكرة الدمج بينه وبين الوطن، والمزج بين ذاته وبين الدولة، ليصل إلى هدفه الوحيد: التفريط في الجنرال تفريط في الوطن، والخروج عليه خروج على الدولة، والعمل على إسقاطه جهد شرير لإسقاط مصر.

دائماً، يسعى إلى توريط الشعب في معركته الشخصية، من خلال استعماله كل مفردات، وأدوات التحفظ على الجماهير في محاضن الخطر، وحضانات الفزع، ولسان حاله يقول "لا تذهبوا بعيداً عني، لأن الموت سيحصدكم إن تركتوني"، وهذه سيكولوجية الدكتاتور الفاشل على مر العصور، إذ يقطع أشجاراً، ويحرق حدائق لكي يحصل على ثمرة واحدة.

*** تخيل الآن الحكام العرب، من رابطة أصدقاء السيسي وداعميه، وهم يستمعون إلى مكالمات رئيس الأركان الأسبق، ونائب الرئيس المعيّن بعد الانقلاب، تُذاع على الفضائيات، مع مونتاج خبيث، يظهر ما يراه النظام دليل إدانة، ويخفي ما يراه شهادة براءة.. هل سيقدم حاكم عربي، أو مسؤول دولي، على رفع سماعة الهاتف ويتحدّث إلى نظيره في مصر؟
أغلب الظن أنه، من حيث أراد نظام السيسي أن يحرق خصومه ومعارضيه، فقد أحرق نفسه، وظهر في هيئة تنظيم عصابي، يسجل للجميع، الحلفاء والأعداء، الخصوم والأصدقاء، ويحتفظ بما لديه من أرشيف لوقت حاجة، ثم يظهرها على الملأ.
لا يدين محتوى المكالمات المذاعة للدكتور محمد البرادعي ورئيس الأركان أصحابها، بقدر ما تظهر هذه السلطة عاريةً من أي قيمة سياسيةٍ أو أخلاقية، وتقدّم للعالم وجهها الحقيقي الذي بانت بعض ملامحه مع تسريبات الأرز الشهيرة في مطلع 2014.. وعلى ذلك، يمكن القول إننا دخلنا الآن مرحلة "ليس للجنرال من يهاتفه"، مع الاعتذار لرواية ماركيز الشهيرة "ليس للكولونيل من يكاتبه".

***  

*** ليست الوطنية أن تحافظ، فقط، على الوطن بحدوده الجغرافية، وسلامة أراضيه، بل أن تفعل ذلك، بالقدر ذاته، والوضوح عينه، في المحافظة على الحدود الإنسانية للوطن، وضمان سلامة قواه الأخلاقية والعقلية.
الوطن هو الإنسان، كما هو الأرض والحدود، ولا يكون بخير إذا كان أحدهما ليس بخير، كما تظل الوطنية منقوصةً، ما بقيت الإنسانية مهانةً ومهدرة.
في معسكر السلطة، لا وجود، أو اعتبار، للإنسان من الأساس، فهذا شأن النظم المستبدة، عبر العصور، يموت البشر كي يبقى الشجر، مصدراً طبيعياً لصناعة كرسي الحاكم، وتدفئة مقر الحكم، ورفع صور الزعيم فوق أغصانه.

*** أبو تريكة، بين نحو ألفين من المواطنين المصريين، المحترمين، يصنفهم التنظيم الإرهابي الذي يحكم مصر، بالحديد والنار، وأحجبة الشعوذة، والمشيئة الصهيونية، والمال الشرير، المحارب لأحلام التغيير العربي، يصنفهم كيانات إرهابية، ويسطو على أموالهم وممتلكاتهم، مدشناً عصر الدولة اللصة.

*** أيهما مصر: أبو تريكة الذي يوصي بأن يضعوا معه في قبره قميص التعاطف مع غزة، أم عبد الفتاح السيسي الذي يعتبر أن من أهم إنجازاته الجاكيت المضحك، ذا النجمة الحمراء الذي منحه له قاتل أطفال سورية، فلاديمير بوتين؟ وأيهما تعرفه مصر وتحبه أكثر: الرجل الذي منحه شهداء الكفاح الفلسطيني ميداناً يحمل اسمه في مدينة غزة الصامدة، أم الشخص الذي يعتبره حاخامات إسرائيل هدية الرب لهم، ويرى فيه ساستها ومحاربوها رجلهم الذي يسهر على أمنهم ومصالحهم؟! 
أبو تريكة هو مصر.. أبو فلاتر هو الفيروس الذي أصابها بالعطب.
باختصار "أبوتريكة" هو الشرعية، بينما "أبو فلاتر" عنوان القرصنة. 

*** الطرف الثالث، الخفي، في أوراق الصفقة، هو الأكثر تمسّكاً بتنفيذها، والأشد رفضاً لأي تراجعات، أو مراجعات، فيها، ذلك أن نقل تبعية الجزيرتين يظل حاجةً إسرائيلية، شديدة الإلحاح، أكثر من كونه اختياراً للحكومة المصرية، للتغلب على مأزقها الاقتصادي السياسي، أو رغبةً سعوديةً نبتت فجأة، في هذا الظرف التاريخي بالذات.

على ضوء ذلك، يمكن القول إن عبد الفتاح السيسي سيحارب، حتى النهاية، ضد القضاء الإداري، ومجلس الدولة في مصر، لتمرير صفقة تنازله عن الجزيرتين للسعودية، تحقيقاً للإرادة الصهيونية التي لا تعلوها إرادةٌ في مجال حركة عبد الفتاح السيسي في المنطقة.

والحاصل أن الأمر لم يعد بحاجة إلى جهدٍ بحثيٍّ كثير لإثبات أن وجود السيسي على رأس السلطة في مصر جاء تحقيقاً لمطلب إسرائيلي، خالص، بذل الكيان الصهيوني مجهوداً ضخماً من أجل توصيله إلى السلطة، وتثبيته فيها، من خلال دعمه بكل السبل السياسية والاقتصادية. ليس حباً، فقط، في الشخص الذي يجسّد الحلم الصهيوني، بروافده الكهنوتية والعسكرية، وإنما لأنه مازال صالحاً للاستعمال، ومازال لديه ما يقدّمه لهم.

الآن، يمحو عبد الفتاح السيسي تعبير"الكيان الصهيوني" من القاموس الرسمي لمصر، ويثبت مكانه تعبير"الكيان الإرهابي"، وهو التعبير الذي يمتد، أفقياً ورأسياً، ليشمل كل الذين لا ترضى عنهم إسرائيل، ورجلها في مصر، وترى فيهم تهديداً لمصالحها، بدءًا من هذا الوغد الذي يجاهر بتعاطفه مع غزة، محمد أبو تريكة، مروراً بنحو ألفين من المصريين الحقيقيين، وصولاً إلى الرئيس الذي حين انتخبه المصريون خيّم الحزن على الصهاينة، وأعدّوا العدة للتخلص منه، ثم شرعوا في التنفيذ، بعد أن أطلق صيحته الشهيرة "غزة لم تعد وحدها".

فرح إسرائيل بتصنيف محمد أبو تريكة "كياناً إرهابياً" لا يقل عن فرحها بإزاحة الرئيس محمد مرسي عن الحكم، على أيدي الجنرالات، وهو الفرح الذي عبّر عنه آريبه شافيت، معلق الشؤون السياسية في "هآرتس" الصهيونية، بالقول "كلنا مع السيسي، كلنا مع الانقلاب العسكري، كلنا مع الجنرالات حليقي اللحى الذين تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة، ونحن نؤيد حقّهم في إنهاء حكم زعيم منتخب وملتح".

*** مسار العلاقة بين شيخ الأزهر وعبد الفتاح السيسي، منذ وقوف الأول بين يدي الثاني، فوق منصة الانقلاب 2012 كان ينطق بأننا بصدد وضعيةٍ بائسةٍ أضحت عليها مشيخة الأزهر الآن، بعد أن تحولت رسميا من كيانٍ أممي يعبر عن هموم وقضايا العالم الإسلامي كله، إلى مجرد إدارة حكومية مطيعة، تخضع، بشكل كامل، للسلطة في مصر، وتأتمر بأوامرها، وتشترك في تآمرها.
وطوال الوقت كان شيخ الأزهر، أحمد الطيب، طيباً جداً، وبأكثر مما ينبغي، أو يليق بمكانته، وهو يرى ويسمع، من الجنرال عجباً فيما يخصّ تصوراته السقيمة لتجديد الخطاب الديني، أو ما يسميه "ثورة دينية" مع الوضع في الاعتبار أن مفهوم الثورة عنده يعني الانقلاب حرفياً، حتى ظننا أن المشيخة ألحقت بهيئة السيسي الهندسية.
أمّم السيسي مشيخة الأزهر لحسابه الشخصي، مبكراً، كما أمّم الكنيسة، ومنتخب كرة القدم، والتراب الوطني، ومضى يتصرف وكأنها من ممتلكاته الشخصية، يشغّلها بمعرفته، وكان مثيراً للأسى أن يستسلم الإمام الأكبر للأمر، ولا يُبدي أية ممانعةٍ، تحفظ للأزهر مكانته، ولمقام الشيخ المهابة.

*** لقد أعلنوا التعبئة العامة في مصر، قبل بدء المباراة، وصدروا للناس أن الوطن في حالة حرب، ومن لا يصفق يجردوه من وطنيته، إذ حضرت السلطة بكل أفرعها وأذرعها، من الإعلام إلى البرلمان، تعلن النفير العام وتحشد الناس خلف القائد، المهزوم سياسياً وأخلاقياً، والباحث عن التعويض، بأقدام اللاعبين في المستطيل الأخضر. 

وهكذا تحولت القضية إلى مهرجان مبتذل للوطنية الماجنة، انتقل من السلطة إلى المعارضة التي وجدت نفسها مسحوبة خلف دخان الابتزاز المتصاعد، من مراجل الوطنية المزيفة، فوجدنا سياسيين معارضين يزايدون على أهل الحكم في اختزال الموضوع الوطني كله بتسعين دقيقة من اللعب، وتعليق قيمة الوطنية بأقدام أحد عشر لاعباً، يشقون ويكدحون من أجل جنرال جائع لانتصار خادع.

باختصار شديد، في الدول المنكوبة بالطغاة، يعرق اللاعبون، وتشجع الجماهير، حد الموت، وتحتسب النتائج لمصلحة السلطة الحاكمة.

*** عبد الفتاح السيسي، يظهر أنيابه ومخالبه، معلناً في ندوة تثقيفية للقوات المسلحة، أنه لا مكان في مصر لأصحاب الفكر السياسي والديني، الذي يخالف تلمود الجنرال.

بكلمات واضحة قال السيسي "أي شخص ينتمي لأي تيار سياسي أو ديني أو طائفي معلش يستريح شوية، ولو اكتشفنا شخص بالنوع ده هنبعده، ليس فقط من الجيش والشرطة بل من الدولة المصرية ككل، لأنه يركز على خدمة مصالحه وانتماءاته".

في هذه النقطة، تحديداً، يبدو السيسي وكأنه ينقل حرفياً من تراث العقيدة الصهيونية، فيما يخص منهج "الترانسفير" القائم على سياسات الاقتلاع والإبعاد والترحيل والتهجير القصري، لكل "الأغيار" بمعيار تلمود العنصرية والإقصاء، في سبيل ترحيل أهل فلسطين وتوطين اليهود مكانهم.

في ذلك يحتفظ أرشيف الحركة الصهيونية بكلمات مؤسسها تيودور هرتزل الذي قال قبل نحو 122 عاماً"سنحاول طرد المعدمين -العرب- خارج الحدود بتدبير عمل لهم هناك، وفي نفس الوقت سنمنعهم من العمل في بلدنا".

*** في هذه اللحظة العربية، حالكة السواد، يحق لبنيامين نتنياهو أن يعبر عن سروره بأن الدول العربية لم تعد ترى إسرائيل عدواً بل حليفاً، بل إن رئيس حكومة الاحتلال يبدو مجاملاً للغاية، إذ أن بعض الأنظمة العربية لا تتورع عن القيام بدور الخادم، لا الحليف، للسيد الصهيوني، كما في حالة نظام عبد الفتاح السيسي الذي يحيا على ما يتساقط من موائد الطعام الإسرائيلي، المعجون بالدم العربي.
مصر الآن تحارب ضد سيناء، وضد الفلسطينيين، ببسالةٍ تتفوق بها على آلة الحرب الصهيونية، ومشروع تفريغ سيناء من سكانها يمضي بسرعاتٍ مذهلة،
مصر، انتقلت من كونها دولة مواجهة، ولو محتملة، إلى دولة موالاة وتبعية كاملة للتصور الإسرائيلي لمستقبل المنطقة.

*** لم يحدث في تاريخ مصر الحديث أن قرأنا عن لقاءاتٍ سرية، في غرف مظلمة، بين رئيس مصري وقادة إسرائيل. بل تكاد الذاكرة المكتوبة تخلو من وقائع وحكايات عن تسلل حاكم مصري، حافي القدمين، متحرّكاً على أطراف أصابعه، متنكراً، كي لا يضبطه أحد، إلى أوكار التفاوض مع عدو، أو صديق. لم يحدث ذلك، إلا مع عبد الفتاح السيسي الذي هتك بنيامين نتنياهو أسرار لقائهما، بعيداً عن العيون، قبل عام مضى في مدينة العقبة.
ليس مهماً هنا ماذا دار في اللقاء، ذلك أنها من المرات النادرة التي يكون فيها الشكل أهم من المضمون، إذ لا يوجد رئيس دولة محترمة يدير صفقاتٍ أو مفاوضاتٍ في جنح الظلام، بعيداً عن علم شعبها، وبمنأى عن مؤسساتها
تزيد فداحة الفضيحة  عندما تعلم أن اللقاء تم بناء على طلب نتنياهو، وتلبية لرغبته، لنصبح أمام دليل إضافي على أن الجنرال الذي يحكم مصر، بدعم كامل من الكيان الصهيوني، لا يجد غضاضةً في أداء أدوار"ديليفري المنطقة" يطلبونه فيهرول مسرعاً، حاملاً طلبات السادة، ليهبط بحجم حاكم أكبر دولة عربية إلى مرتبة مسؤول عملياتٍ قذرة في جهاز أمني، ينفذ مهمات سرية خاصة في جوف الليل، يذهب ويعود متخفياً، من دون أن يشعر به أحد.

 

*** ليس غريباً أن تتصاعد وتيرة التحرش بشيخ الأزهر في مصر، بالتزامن مع وقاحة بنيامين نتنياهو، وهو يعلن"إسرائيل اليهودية" على أرض فلسطين، بما يبدو معه وكأنهم بدأوا مبكراً في تطويع الأزهر، كي ينسجم مع ما هو قادم من تفريط كارثي في الحد الأدنى مما تبقى من ثوابت مستقرة. صحيح أن الجزء الظاهر من صراع السيسي والأزهر يدور حول عناوين مثل"الطلاق الشفوي" غير أن جوهر القصة كلها أنهم يريدون أزهراً متناغماً مع التصور الجديد للقضية الفلسطينية، فإما أن يطور الإمام الأكبر نفسه ويستجيب لما يريده السيسي، أو يتم نسف كرسي المشيخة من تحته، والإتيان بشيخ جديد لأزهر جديد، حسب كتالوج ترامب ونتنياهو

 

*** مصر ما بعد زيارة نجم برشلونة، ليونيل ميسّي، ليست مصر التي قبل الزيارة. هذا نص واحد تكرّر، بتنويعاتٍ مختلفة، في كتابات صحافيي عبد الفتاح السيسي الذين ضموا الزيارة الميمونة إلى رصيد إنجازات جنرالهم البائس.
دعك من الملايين التي أنفقت من أجل التقاط صورة لميسّي، عند الهرم الأكبر، وتأمل معي هذا الحشد من الوزراء والمسؤولين، والإعلاميين ورؤساء التحرير، الذين تم شحنهم في سيارات إلى مكان المهرجان، وكأنهم مجموعةٌ من تلاميذ المدارس الحكومية، جرى اصطحابهم للغناء في كورال ركيك، احتفالاً بزعيم دولة عظمى، يتعطّف على وطنٍ تعيس بزيارة.

مظاهر طفولية يعبر عن إحساس حقيقي لدى نظام السيسي ومنصاته الإعلامية بالضآلة والرخص، إلى درجة أنهم يعتبرون وصول لاعب كرة فتحاً مبيناً ونصراً كبيراً، من دون أن يسأل أحد حملة المباخر نفسه: هل توجد دولةٌ في العالم تعتبر زيارتها لأسباب تتعلق بتصنيفها ضمن الأكثر إصابةً بفيروس سي يوم عيد؟

المتغير الأهم الذي دفعهم للنفخ في زيارة ميسّي هو توالي اندلاع الفضائح السياسية للسيسي، قادمة من تل أبيب، خصوصاً ما كشفه نتنياهو عن استدعائه جنرال الضرورة، سراً إلى غرفة مظلمة في العقبة، وما أذاعه وزير الحرب الصهيوني عن تنفيذ ضربات إسرائيلية في سيناء، وليس انتهاء بتأكيد جنرال صهيوني خطة السيسي لتوطين الفلسطينيين في سيناء.
الصغار الذين يهللون لنظام صغير، وتبقى الحقيقة المؤكّدة أن مصر أكبر من كل الصغار الذين يقزّمونها ويهينون تاريخها، ويربطون مستقبلها بحذاء لاعب كرة.

*** يبدو نظام عبد الفتاح السيسي راضياً عن كارثة تهجير مسيحيي العريش، مستغلاً هذا الحزن العارم على ما لحق بهم في تنشيط مبيعاته في سوق الحرب على الإرهاب، من خلال ترك المأساة تتسع وتتفاقم، لترسم صورةً لما يدور في العراق وسورية، وهي الصورة التي لطالما استخدمها في عسكرة المجتمع، وقتل السياسة، والإجهاز على أي فرصةٍ لتطور ديمقراطي، والأهم تبرير كل الجرائم بحق الإنسان المصري.
ومن ناحية أخرى، يتم تدريب الأذن المصرية على استقبال مفردة التهجير من سيناء، بحيث تصبح أمراً اعتيادياً فيما بعد، في إطار "بروفة" لعملية تهجير أشمل، وأوسع نطاقاً، تمتد من الأقباط إلى بقية مكونات المجتمع السيناوي، بما يفسح المجال لكل السيناريوهات الكبرى التي تُعدّ للمنطقة
*** لم نسمع يوماً أن الدواعش استهدفوا الصهاينة السائحين : الإسرائيليون يعيشون أحلى الأوقات بين داعش والسيسي، فيما يواجه المصريون الجحيم، لتصبح المعادلة هكذا: لا مشكلة بين السيسي وإسرائيل، بل وئام وانسجام وتحالف.. لا مواجهة أو صراع بين "داعش" وإسرائيل، بل تعايش وتفاهم، وبذلك تكون الخلاصة أن لا مواجهة حقيقية بين السيسي و"داعش"، بل استثمار متبادل في بورصة الخوف.
الحاصل أنه كلما تصاعد غبار الإرهاب، وجدها السيسي فرصةً لمزيد من التوحش في القضاء على السياسة، والتغول على الحقوق والحريات، ليصبح الأمن عقيدة الدولة ودستورها الوحيد

*** ما جرى في أكاديمية الشرطة في القاهرة، أمس، لم يكن إعادة لمحاكمة حسني مبارك، بل هي محاكمة علنية لثورة يناير 2011، صال فيها محامي المخلوع وجال، مطالباً بأقصى العقوبة ضد الثورة وشهدائها، وكل من شارك فيها.
هي لحظة الحصاد والانقضاض على ما تبقى من "فلول الثورة"، ذهب إليها مبارك ومحاموه وأتباعه واثقين من الفوز، ولم لا ولديهم كل هذا الدعم والمدد من الجنرال الصغير، وريث مبارك، ومن قضاء مبارك، وقبل ذلك، وهو الأهم، كيان صهيوني، يقوم الآن مقام المرجعية الروحية والسياسية للنظام الحاكم في مصر؟!
مبروك لمبارك.. ومبارك لإسرائيل.

*** في تظاهرات الخبز التي شهدتها مدن مصرية أمس، انتقل الجدل إلى مراحل أكثر عبثية، إذا كان البسطاء يواجهون آلة القمع، والفض، وحدهم، في الشوارع، بينما النخب تواجه بعضها بعضاً على "السوشيال ميديا"، في استعادة مضحكة للجدل القديم: الخبز، أم الحرية؟ وكأنه ليس مسموحاً بأن يطالب المواطن المصري بالاثنين، ويحصل عليهما، فتجد شططاً في ممارسة عنصرية سخيفة، ينتهي إلى الجزم بأن من ينتفض طلباً للخبز، لا يستحق الاحترام أو الدعم.
هذا المنطق هو ما تردّده أجهزة السلطة المستبدة على مر العصور، في مصر وغيرها، إذ يقايضون المواطن على حريته وكرامته، بخبزه، ويحشرونه في تلك المساحة الضيقة من الاختيار: طعامك أم كرامتك؟ وذلك انطلاقاً من قناعة المستبدين بأن الذين لا يجدون غذاءهم لا يمكن أن يثوروا أو يغضبوا من أجل معانٍ وقيم إنسانية وأخلاقية، كالحرية والكرامة والعدل والحق والخير.
ينطلق نفرٌ من المستنكفين من غضبة المواطنين البسطاء دفاعاً عن حقهم في الخبز، من أن هؤلاء هم السبب فيما آلت إليه الأوضاع في مصر، كونهم أيدوا الانقلاب، وهتفوا له.. ، فهم ضحايا دولة أمنية عسكرية مستبدّة، لم ترحم خوفهم وجوعهم للأمان، وقبل ذلك ضحايا مافيا إعلامية وسياسية وثقافية، لعبت برؤوسهم لصالح الجنرالات، وسكبت فيها كمياتٍ هائلة من الأكاذيب والأوهام، عن ذلك الجنرال الملهم الذي سيخلصهم من الجوع والخوف، بضربةٍ واحدة، وصورت لهم الظلم عدلاً، والخير شراً.. باختصار، لم ترحم بارونات الكلمة الأجيرة فقر الناس المعرفي والثقافي، فقادوهم عنوةً إلى حدائق الطغيان، العامرة بنسخ مزيفة من تماثيل أيزنهاور وجمال عبد الناصر
باختصار شديد، يمكنك القول إن وراء كل رقصةٍ خليعةٍ من أجل الجنرال، هناك إعلامي، أو إعلامية، أو سياسي، أو سياسية، أكثر خلاعةً، روجوا للناس أوهاماً عن الزعيم القائد المُخلٍّص.

*** لا يتأخر"داعش" عن تقديم خدماته إلى عبد الفتاح السيسي، يظهر له في كل وقت يطلبه، وكما قلت سابقاً: داعش هو ذلك العفريت القابع في فانوس السيسي، السحري، يحكّه فيأتي مهرولاً.
لم، ولن نسمع، أن "داعش" ضايق الكيان الصهيوني أو أزعجه، يوماً، إلى الحد الذي لا يجعلك بعيداً، كثيراً، عن الواقع، لو قلت إن مركز صنع قرار "داعش" يقبع هناك، داخل الموساد، أو الشاباك.
في طنطا، وفي الإسكندرية، وفي الموصل، وفي حلب، وفي تونس، وفي كل أرضٍ عربية، لا تخدم عمليات التنظيم سوى الكيان الصهيوني، ولا تؤلم إلا المواطن العربي، ولا تساعد إلا الدكتاتور العربي، المحاط برعاية سياسية وروحية ولوجستية من الكيان الصهيوني.ليس من المستبعد أن يكون هو "تنظيم الدولة العبرية" يقتل ويفجّر، فيما تحصد هي، ومن تفضلهم على رأس السلطة في البلاد العربية، الثمار.

*** "الحرب على الإرهاب" تحولت إلى مهرجان عالمي أميركي، يأتي كل عشر سنوات، يقام كل مرة في منطقة الشرق الأوسط، من دون غيرها، ويتحمل نفقاته الباهظة بعض الدول العربية، بينما يجد فيه بعضها الآخر فرصةً ربحية ثمينة، خصوصا تلك الأنظمة العاطلة، إلا عن ممارسة إرهاب الدولة ضد شعوبها.
ولأن لكل مهرجان أدوات، فالأدوات، في العادة، اختراع تنظيم إرهابي، يوضع عليه ملصق "الإسلام"، يتم إطلاقه وتغذيته حتى يتحول وحشاً مخيفاً، فيأتي الكبار إلى بلادنا بذريعة محاربته، وإنقاذ الحضارة البشرية منه، لكنهم، في كل مرة، يستهدفون الحضارات، قبل استهداف التطرّف.
هكذا استثمروا في "القاعدة" وتوابعها، والآن يستثمرون في"داعش".
*** ماذا يفعل "داعش" سوى أنه يضيق حصار المسلمين في مهجرهم، ويفاقم النظرة العدائية للإسلام، ويحرق ربيع العرب، ويمنح إسرائيل مزيداً من رفاهية الاستعلاء والغطرسة، ويطيل عمر الاستبداد العربي، ويوفّر غطاءً للعبث بالخرائط الجغرافية، وانتهاك الموروث الديني والحضاري؟!

من استفاد من جرائم "داعش"، على المستويين الحضاري والاقتصادي، سوى المتربصين بهذه الأمة؟.

في نوفمبر/ تشرين ثان 2015 كان "داعش" يُحكم سيطرته على الموصل في العراق، ويتحكّم في قسم كبير من إنتاجه النفطي، فكان يصب في مصافي إسرائيل، عبر وسطاء وسماسرة، تحصل منه على ما تريد، ثم تعيد بيع ما يزيد عن حاجتها إلى دول أخرى، بعضها عربية، كما ورد في تحقيق استقصائي للزميل عثمان محمد، نشر في "العربي الجديد"، متضمناً تعقيباً من قيادي داعشي لم يعبأ كثيراً بوصول النفط إلى الاحتلال الصهيوني، فالمهم هو البيع والربح، بصرف النظر عمن يدفع.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 163 مشاهدة
نشرت فى 30 ديسمبر 2016 بواسطة news2012

صحافة على الهواء

news2012
نتناول الموضوعات السياسية والعلمية والدينية والإجتماعية على الساحة الداخلية والخارجية وتأثيرها على المجتمع المصرى »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

59,426