يستحق
ما جرى حول إعلان بداية شهر ذي الحجة لهذا العام 1427 وقفة مناقشة وبيان
للحقائق العلمية، فقد أعلنت السعودية ثبوت رؤية الهلال يوم الأربعاء 20
ديسمبر 2006 م بشهادة عدد من الشهود العدول، وهذه هي ليست المرة الأولى
التي يعلن فيها رؤية الهلال والقمر غير موجود في السماء أصلا!
فمن
المعلوم أن تحري الهلال يتم بعد غروب الشمس قريبا من المنطقة التي غربت
عندها الشمس، حيث يتواجد الهلال الجديد بالقرب من الشمس دائما، فإن ثبتت
رؤيته كان اليوم التالي أول أيام الشهر وإلا كان اليوم التالي هو المتمم
ويبدأ الشهر الجديد في اليوم الذي يليه، فأما بالنسبة لوضع القمر يوم
الأربعاء فقد غاب القمر قبل غروب الشمس في جميع مناطق العالم الإسلامي،
فعلى سبيل المثال غرب القمر قبل الشمس بثلاثة عشر دقيقة في مكة المكرمة،
فيا ترى كيف شاهد هؤلاء الشهود العدول الهلال بعد غروب الشمس وقد غرب
القمر أصلا قبل غروب الشمس!
إن
قبول مثل هذه الشهادات لا يدل إلا على جهل أو تجاهل لثوابت علمية أضحت
الكن من المسلمات، والشاهد على صحتها العديد من الأدلة التي نراها كل يوم!
ألتمسنا
لشهود رمضان الفائت عذرا وإن كان قبيحا بأنهم شاهدوا كوكب عطارد فظنوه
الهلال، أما بالنسبة لشهر ذي الحجة فقد كان كوكب الزهرة اللامع موجودا في
جهة الغرب بعد غروب الشمس في نفس المكان الذي يتواجد فيه الهلال الجديد،
فيبدوا أننا صمنا لرؤية كوكب عطارد وسنحج لرؤية كوكب الزهرة!
أما
آن للمسؤولين أن يعلموا بأن الرجوع إلى المعطيات العلمية ستفند مثل هذه
الشهادات الخاطئة وهي السبيل الأمثل للعمل بحديث رسول الله
«لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا
له» رواه البخاري ورواه مسلم بلفظ أغمي، بدلا من نصوم لرؤية هذا الكوكب أو
تلك الطائرة! إننا لا نسرد مجرد فرضيات أو أحاديث غير مؤكدة، فقد شاركنا
في الجلسات الرسمية لإثبات رؤية الهلال في أكثر من دولة وكنا شهودا على ما
يحدث، فكم من شاهد جاء يحلف برؤية الهلال ولكن بعد مناقشته أكتشفنا أنه
رأى كوكب الزهرة، وفي حادثة أخرى كان دخان الطائرات النفاثة هو الهلال!
وغيره
مما قد يدفعنا للضحك أحيانا، وقد يتساءل أحدهم عن وجه الشبه بين هذه
الأجرام وبين الهلال، في الحقيقة لا يوجد وجه شبه فيما بينها على الأغلب،
إلا أن جهل المتحري بماهية الهلال يدفعه للاعتقاد بأنه شاهد الهلال لمجرد
رؤيته لأي جسم مضيء في السماء! فاذا كان الذي يناقش الشاهد على دراية
بأساسيات رؤية الهلال فسيتمكن عندئذ من معرفة ما شاهده هذا الشاهد، أما إن
كان من يتلقى الشهادة غير ملم بأساسيات بسيطة حول الهلال فعندها تكمن
المشكلة وتقع الأخطاء!
عودة
لهلال شهر ذي الحجة، فعلى الرغم من غروب القمر قبل الشمس يوم الأربعاء
أعلنت السعودية رؤية الهلال، وإننا نتساءل كيف تقبل هذه الشهادات على
الرغم من وجود الأدلة القاطعة التي لا يناقش بدقتها إلا جاهل والتي تؤكد
خطأ هذه الشهادات؟
لماذا
يتم تجاهل العلم بهذه الطريقة؟ هل يحاول المسؤولون إخبارنا أنهم غير
واثقين بدقة الحسابات الفلكية؟ ونستغرب هنا أشد الاستغراب لا لتشكيكهم
بالحسابات الفلكية بل لعدم اهتمامهم بالتأكد منها، فالتأكد منها لا يحتاج
لجهد ولا حتى لوقت، بل يحتاج لرغبة بذلك وحسب! فها نحن نتحدى أن تخالف
مواعيد غروب القمر المواعيد المحسوبة مسبقا، فقد قال جل وعلى ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾
فإن كنا لا نرى أحيانا غروب القمر في أول وآخر يومين من الشهر فقد تبقى 25
يوما تقريبا بإمكان أي مشكك أن يراقب بعينه المجردة كيف سيغيب القمر في
نفس الدقيقة المحسوبة مسبقا، إننا على أتم استعداد لتقديم مواعيد غروب
القمر لأي منطقة في العالم حتى يتأكد المشككون!
يأسفنا
ويعيبنا أن نناقش هذه المسألة في القرن الواحد والعشرين في العصر الذي
استخدم فيه الغرب الحسابات الفلكية فوصلوا إلى المريخ والزهرة التي نراها
من الأرض فيظنها البعض الهلال!
هذه
هي مواعيد غروب القمر في مكة المكرمة لخمسة أيام قادمة فليراقبوا
وليتأكدوا من خطأ بداية شهر ذي الحجة: الأحد 24 ديسمبر 2006 م (21: 39)
الأثنين (22: 39) الثلاثاء (23: 38) الأربعاء (لا غروب) الخميس (00: 37) ،
ومما هو أشنع من ذلك هو ادعاء البعض أن الحسابات الفلكية دقيقة دائما
باستثناء الفترة القريبة من تولد الهلال، وعلى قدر فكاهة هذا الطرح فهو
أسهل للضحد، فمواعيد كسوف الشمس محسوبة لأجزاء من الثانية وقد قمنا فعلا
عام 1999م بتوقيت الكسوف أمام جموع من الحاضرين وشاهد الحاضرون كيف غادر
قرص القمر الشمس في نفس الثانية المحسوبة مسبقا، فحساب موقع القمر لحظة
الاقتران مشهود بدقتها بأدلة شاهدها القاصي والداني! في الحقيقة لقد كانت
دقة الحسابات الفلكية في العهد البابلي قبل كلاف السنين أكثر دقة من مقدار
الخطأ الذي ينسبه البعض للحسابات في عصرنا الحالي.
ومن
الجدير بالذكر أن رؤية الهلال يوم الخميس في منطقتنا كانت بغاية الصعوبة،
فقد قام ستة راصدين في دولة الإمارات بتحري الهلال باستخدام التلسكوب، ولم
يره إلا ثلاثة من أصل ستة عن طريق التلسكوب، في حين أن أحد لم يره بالعين
المجردة! وهذا يدل على صعوبة رؤية الهلال حتى طريق التلسكوب يوم الخميس!
إن تمت رؤية الهلال يوم الأربعاء بالعين المجردة فهذا يعنى أنه سيرى يوم
الخميس بالعين المجردة بكل سهولة ويسر!
أما
في السعودية فأفاد سبعة راصدين أنهم تمكنوا من رؤية الهلال عن طريق
التلسكوب فقط، ولم يره أحد سواء بالعين المجردة أو بالمنظار، في حين تمت
رؤية الهلال عن طريق المنظار فقط في كل من إيران والكويت، أما في الجزائر
فقد تمكن 14 راصد من رؤية الهلال عن طريق المنظار وتمكن أربعة منهم فقط من
رؤيته بالعين المجردة.
وفيما
يتعلق ببداية شهر ذي الحجة فقد اتبعت معظم الدول إعلان السعودية، في حين
أعلنت عدة دول بداية شهر ذي الحجة يوم الجمعة 22 ديسمبر وسيكون عيد الأضحى
في هذه الدول يوم الأحد 31 ديسمبر، ومن هذه الدول: أندونيسيا وماليزيا
وبنغلادش وتركيا وإيران والمملكة المغربية، في حين أعلنت باكستان أن بداية
شهر ذي الحجة هو يوم السبت 23 ديسمبر وذلك لعدم ثبوت رؤية الهلال عندهم
يوم الخميس، وهذا صحيح إذ أن رؤية الهلال في باكستان في ذلك اليوم كانت في
غاية الصعوبة وباستخدام التلسكوب فقط.
وتجدر
الإشارة إلى خطأ معلومة انتشرت حتى اعتقدها البعض مسلمة وهي وجوب اتباع
السعودية في شهر ذي الحجة نظرا للحج، وهذا غير صحيح لا من الناحية
المنطقية ولا العلمية ولا حتى الشرعية، فأما بالنسبة للحاج الذاهب إلى
السعودية فعليه الالتزام بما أعلنته السعودية، وأما بالنسبة لموعد عيد
الأضحى في الدول الإسلامية، فمنذ عهد الرسول
وكل منطقة تتبع رؤيتها وذلك لتعذر الاتصال بين المناطق المتباعدة والذي لم يصبح متيسرا إلا في كخر 50 إلى 100 سنة خلت فقط!
والحالة
التي تؤكد بطلان هذه الفرضية هي عندما لا يرى الهلال في السعودية في حين
أنه يرى في المناطق الغربية، إذ أنه من المعلوم أن رؤية الهلال تصبح أسهل
كلما اتجهنا إلى الغرب، فهل ستهمل المملكة المغربية مثلا رؤية الهلال
عندهم ولا تبدأ الشهر لعدم ثبوت رؤية الهلال في السعودية! بالطبع لا، فهذا
غير مقبول من جميع الجوانب!
وعند
سؤال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حول هذه المسألة أكد عدم ضرورة اتباع
السعودية إذ أن شهر ذي الحجة كمثله من الأشهر الأخرى وقال في فتواه بتاريخ
15 ربيع أول 1421 هـ ما نصه: «الهلال تختلف مطالعه بين أرض وأخرى في رمضان
وغيره والحكم واحد في الجميع ....»، وقد كان السؤال: « فلقد اطلعنا على
فتوى سماحتكم في كتاب فتاوي إسلامية حول رؤية الهلال في بلد لا تلزم جميع
البلاد بأحكامه، فهل ينطبق هذا على رؤية هلال عيد الأضحى (شهر ذي
الحجة)؟».
إننا
لا ندعو أو نرغب بمخالفة دول معينة أو أننا ندعو لاختلاف الدول الإسلامية
في بداية الأشهر، ولكن إذا أردنا الأخذ بمبدأ اتحاد المطالع فليكن على
أساس رؤية صحيحة وليس رؤية نحن متأكدين من خطأها! قال تعالى: ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ﴾.


ساحة النقاش