إذا كان التنوير الغربي – الوضعي العلماني – قد أثمر ثقافة الحداثة , التي أقامت و تقيم قطيعة معرفية كبرى مع الموروث , ومع الموروث الديني على وجه الخصوص .. وبعبارة أحد رموزها و دعاتها : " .. فبعد أن كان المسيحي حريصاً على طاعة الله وكتابه , لم يعد الإنسان يخضع – في ظل الحداثة – إلا لعقله .. ولقد أقامت إيديولوجية التنوير قطيعة معرفية كبرى مع عصر الخلاصة اللاهوتية , وأحلت محله عصر الموسوعة لفلاسفة التنوير .. فراح الأمل بمملكة الله ينزاح لكي يخلي المكان لتقدم عصر العقل و هيمنته .. وراح نظام النعمة الإلهية ينمحي ويتلاشى أمام نظام الطبيعة .. وأصبح الإنسان وحده مقياساً للإنسان .. وأصبح حكم الله خاضعاً لحكم الوعي البشري " !!
إذا كان هذا هو جوهر " التنوير الغربي " – الذي كان " فولتير " [ 1694 – 1778 م ] و " روسو " [ 1712 – 1778 م] من أبرز فلاسفته – فإن لمدرسة الإصلاح الإسلامي أن تزهو بوعي روادها الأوائل بحقيقة و خطر هذا " التنوير " وهذه " الحداثة " – بمعناها الوضعي و العلماني – فلقد كتب جمال الدين الأفغاني [ 1254-1314هـ 1838 -1897 م] في مواجهة المعجبين بالثورة الفرنسية وفلاسفتها – قبل نحو قرن و نصف يقول :
" لقد ظهر فولتير وروسو يزعمان حماية العدل , ومغالبة الظلم , والقيام بإنارة الأفكار وهداية العقول , فنبشا قبر " أبيقور " الكلبي [ 341 -270 ق.م ] وأحيا ما بلي من عظام الدهريين , ونبذا كل تكليف ديني , وغرسا بذور الإباحية والاشتراك , وزعما أن الآداب الإلهية جعليات خرافية , كما زعما أن الأديان مخترعات أحدثها نقص العقل الإنساني , وجهر كلاهما بإنكار الألوهية , ورفع عقيرته بالتشنيع على الأنبياء .. فأخذت هذه الأباطيل من نفوس الفرنساويين .. فنبذوا الديانة العيسوية .. وفتحوا على أنفسهم أبواب الشريعة المقدسة ( في زعمهم ) شريعة الطبيعة " .
هكذا كتب الأفغاني – منذ قرابة القرن و النصف – عن حقيقة التنوير الغربي .. وعن جناية فلسفته الوضعية اللادينية على الدين .. كتب ذلك قبل ظهور الدراسات النقدية الغربية لهذا التنوير , ولثقافة الحداثة التي أقامت قطيعة معرفية كبرى مع الموروث الديني , والتي أحلت العقل و العلم والفلسفة محل الله و الغيب و الدين .. بل وألّهت العقل , فأعطته مكانة " المطلق " عندما رفعت شعار : " لا سلطان على العقل إلا العقل وحده "! .. كما جعلت الإنسان سيداً لهذا الكون , بدلا من أن يكون خليفة لسيد الكون – سبحانه و تعالى - ..
ومع كل ذلك , فلايزال الكثيرون منا ينظرون نظرة الإعجاب والإكبار و التقليد للتنوير الغربي , وللحداثة الغربية , ولفلاسفة هذه الحداثة , وهذا التنوير .. بل لقد احتفل بعض من هؤلاء بغزوة بونابرت ب 1769 -1821 ] لبلادنا , ولمدة عامين !! .. فكانوا أول قطيع من البشر يحتفل بالاحتلال بدلاً من الاحتفال بالاستقلال .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !.
بقلم د:محمد عماره


ساحة النقاش