لى صديق يعمل مصححا لغويا بإحدى المجلات، دائما ما يشتكى ويسهب فى وصف معاناته فى تصحيح المشاركات والرسائل الواردة إلى المجلة قبل نشرها. كنت أعتقد أنه يبالغ كثيرا فى شكاويه المستمرة هذه، وكنت أعتقد أننى "شاطر" فى النحو، وأننى لا أخطىء إلا فى بعض التركيبات اللغوية المعقدة، وكنت أعتقد الكثير من الأشياء، إلا أن كل هذه الاعتقادات تحطمت عندما جلست بجانبه لنصف ساعة وهو يعمل!
******
هذا رجل يتعذب فعلا، ومن المثير للأحاسيس الضمائرية أننا "نحن" من نعذبه! هناك كميات هائلة من الأخطاء النحوية والإملائية فى ما يكتب الناس. إن علم النحو فى خطر حقيقي فى هذا البلد!
******
هناك فوضى كاملة فى الهمزات. لا أحد يعرف الفرق بين همزتي الوصل والقطع. وهناك خلط رهيب بين الياء والألف المقصورة، وبين الزاي والذال، وبين الهاء والتاء المربوطة. ناهيك عن مشاكل الإعراب البسيطة التى يخطئ فيها الجميع. وهناك مشاكل خاصة بالكتابة على الكيبورد لا تظهر أثناء الكتابة باليد. مثلا، لا يجوز أن تضع مسافة بعد واو العطف، وإنما يجب أن تلصقها بالكلمة التى بعدها. يجب أيضا عدم وضع مسافة قبل الفاصلة والنقطة وعلامتىّ الاستفهام والتعجب، وإنما تأتى المسافة بعدها وليس قبلها. وهناك تلك الأخطاء التى تحدث عند الكتابة بسرعة فينعكس ترتيب حرفين أو ينضغط الزر الخاص بحرف مجاور للحرف المطلوب، وهى مشكلة شائعة جدا حتى أن برنامج المصحح اللغوي بالوورد يضع فى حسابه احتمالات أن تكون الحروف المجاورة هى المقصودة عند التصحيح. يجب أيضا أن نقوم بتقسيم الجمل الطويلة بالفواصل والنقاط، وتقسيم الكلام إلى فقرات حتى لا يصبح الكلام مثل كتل صماء ملقاة فوق بعضها. لكن مشاكل بسيطة كهذه يجب أن نعتني بها بأنفسنا عند المراجعة، ولا نتركها للمصححين اللغويين الذين يجب أن ندخر لهم القضايا النحوية الكبرى!
******
قال لى صديقى عن خطأ أمارسه بإصرار عند الكتابة على الكمبيوتر. إننى أكتب كلمة "هذه" هكذا: "هذة"، بالتاء المربوطة بدلا من الهاء. ورغم أننى دائما ما أراجع على ما أكتب، إلا أننى لم أنتبه لهذا الخطأ أبدا، وظللت مستمرا فى ممارسته بنجاح! عندما عدت إلى المنزل، أخذت أراجع ما أكتب ووجدت أن هذا الخطأ قد تكرر فى كل شيء كتبته، وأننى أكرره منذ أن هجرت الأقلام والأوراق منذ حوالي عامين. وقد استغرق منى هذا الأمر ليلة لأقوم بتصحيح كل "هذه" أجدها فى أي شيء كتبته. ولم أكن أتصور أن كلمة "هذه" هذه لها كل الأهمية هذه فى لغتنا هذه! فقد وجدتها تتكرر فى كل مقال أو قصة كتبتها، حتى أننى وجدت اثنتين وأربعين منها فى إحدى القصص!
******
وأعتقد أننى يجب أن انتهز هذه الفرصة لأوجه الشكر لصديقى بيل جيتس، ولميكروسوفت التى جعلت فى الإمكان أن أغيّر 42 "هذه" بضغطة زر واحدة عن طريق الزر العجيب المسمى Replace. وقد كان من الممكن فى الماضى أن أقضى سنة كاملة أعيد القراءة والبحث عن الكلمات لأصححها بالقلم الكورريكتور ثم أنتظر ليجف لأكتب الكلمة الصحيحة فوقها بالقلم الحبر. ألف شكر يا بيل!
******
أرجوكم راجعوا كشاكيل النحو الخاصة بالثانوية العامة، ستجدونها فى مكان ما أسفل السرير، أو أعلى الدولاب، أو تحت طاولة التليفون، أو فى السندرة، أو فى سبت الغسيل، أو تحت خزين البصل، أو فى علبة كحك العيد المتحجر الخاص بالعام الماضى، أو عند بائع الترمس على الناصية، أو فى السطوح فى عشة الفراخ أو جرار الأرانب، أو فى المنور أسفل الماسورة الكبيرة، أو فى غرفة البواب تحت سرير العيال. فقط أبحثوا قليلا ولا تعذبوا المصححين اللغوين!
نشرت فى 9 ديسمبر 2006
بواسطة nemo7a
عدد زيارات الموقع
2,731,054


ساحة النقاش