من أكثر المصطلحات حضوراً في الساحة الفكرية اليوم : مصطلح الحِوار.. ولأنه مصطلح فضفاض في وضعه اللغوي
استطاعت بعض التيارات توظيف هذا المصطلح لنشر أدبياتها وتسويقها بحجة ممارسة ثقافة الحوار،
وتعدّى الأمر عند هؤلاء _ في بعض الأحيان _ إلى نفي المخالف واتهامه بالإقصائية ومصادرة وطنيّته والاستعداء عليه.
وفي المقابل فرِقت طوائف كثيرة من الحوار بدعوى الخصوصية و الحفاظ على المكتسبات والحرص على الهويّة !
وكان نتاج ذلك أن خرج من رحم أولئك قوم يرجمون بالتهمة كل من يمارس الحوار أو يدعو إليه !لكن لابد من التأكيد على أنه يجب ـ حتى لايتحول الحوار إلى جدل عقيم ـ أن يكون للحوار سقف يتفق عليه الجميع وينطلقون منه ويتحاكمون إليه.
ولأننا في بلد مسلم ، تحكمه شريعة الله تعالى ، وينتمي أهله إلى هوية واحدة ، وهي الهوية الإسلامية ، فإن كل حوار ـ يجري في داخل البلد ـ لابد ـ لكي تظهر ثمرته ـ أن تؤمن جميع الأطراف بهذه الهوية ديناً وممارسة .
إن ثقافة الحوار ليست ثقافة لفظية فحسب إنما هي ثقافة سلوك وأخلاق ، ونخطئ تماماً إذا اختصرنا هذا المصطلح الكبير على اللفظ فقط . ولذا لابد من التأكيد على المبدأ الأخلاقي في الحوار، وهذا المبدأ يجب طرده حتى مع أولئك الذين لا نكاد نتقاطع معهم في دين أو لغة . وأتذكر هنا كمثال بارز قصة عتبة بن ربيعة مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؛ عندما أشتد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش في أول البعثة ، فاجتمع عقلاء القوم وقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة فليأت هذا الرجل الذي قد فرّق جماعتنا ، وشتّت أمرنا ، وعاب ديننا فليكلّمْه ، ولينظر ماذا يردّ عليه. فأتاه عتبة بن ربيعة فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول -الله صلى الله عليه- وسلم، فقال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عِبدت ، وإن كنت تزعم إنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك ، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك ، فرّقت جماعتنا، وشتتت أمرنا، وعِبت ديننا ، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً وأن في قريش كاهناً ، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى . أيها الرجل إن كان بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش مالاً ، وإن كان بك الباءة فاخترْ أي نساء قريش شئت فلنـزوجنّك عشرا ً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أَفرغْتَ يا أبا الوليد ؟ ) قال : نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) حتى بلغ ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) فقال عتبة: حسبك حسبك .. والقصة بتمامها رواها عبد بن حميد في مسنده وابن إسحاق في مغازيه.
فعتبة هنا في هذا العرض السخي كان مراده أن يشتري ذمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومبادئه ليصرفه عن مراده في تبليغ رسالة ربه .. ومع هذا العرض الموغل في الدناءة من حيث المعنى ومن حيث اللفظ ؛ إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مستمعاً رائعاً لما يقول .. و واسع الصدر في احتمال خصمه .. فلم يشغب عليه في الحديث أو يقاطعه ، بل بعد أن انتهى بادره بعبارة غاية في اللطافة وتوحي ـ بأدب بالغ ـ بأنه مازال المجال مفتوحاً لأن تقول بقية مقالتك : ( أفرغت يا أبا الوليد؟ ) !
وفي هذه القصة دروس مهمة ، منها :
أنه يجب أن يكون أهل الحق والصدق هم أوسع الناس صدراً في تحمّل المخالف .
ومنها : أن التأدّب مع المخالف وإعطاءه منزلته التي يستحقها لايعني أبداً موافقته على ما يقول .
ومنها : أن من يحمل رسالة الحق والخير يجب أن يكون أكثر الناس تجرداً من حظ نفسه والانتصار لها .
وثمة أمر مهم لايمكن تجاهله في أثناء الحديث عن الحوار ، وهو أن مِن أخطر ما يسقط الحوار من أصله ويجرّده من قيمته ، هو تصنيف الناس وتحزيبهم ، والطعن في النوايا ، والرجم بالغيب ، والتذاكي في قراءة مابين السطور، وتقديم سوء الظن على حسنه.
والأصل بالمؤمن أن يكون حسن الظن بإخوانه ملتمساً لهم المعاذير، وأن يدرك أن سوء الظن لايعني الذكاء دائماً كما أن حسنه لايعني البلاهة أيضا ً.. ومن خدعنا بالله انخدعنا به ـ كما قال الفاروق رضي الله عنه.
ومما يجب إدراكه وفهمه أن عدم وصولنا إلى نقطة اتفاق مع المخالف لايعني أن نضعه في الخانة السوداء .. إذ إن دون ذلك منطقة رمادية تسمح باستيعاب الجميع.
وإن ممارسة العنف في الحوار ـ بتحويله إلى ( خُوار ) وصَخَب وهتاف ـ هو مؤشر إفلاس ثقافي لاينبغي لأهل الحق والعدل أن يسمحوا لغيرهم أن يصفهم بمثل هذا ..
وبغض النظر عن موقفنا من طرف دون آخر فإن مانراه اليوم أو نسمعه من تحويل الحوارات الثقافية إلى تعبئة جماهيرية واستعداد سريع للصراع هو يعبر ـ بكل تأكيد ـ عن أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة معرفية ... وعلى حَمَلَة الحق ونور الإسلام أن يدركوا أن صفاء النية في الحوار يلزم منه الرفق بالمخالف ورحمته والحرص على استصلاحه وهدايته ، وذلك كله لا يحصل بالصّراخ والزعيق والهتاف ! بل ربما حصل بخلافه .
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في (مجموع الفتاوى16/96 ) ـ : "وأهل السنة و العلم والإيمان يعلمون الحق ، و يرحمون الخلق ، ويتبعون الرسول فلا يبتدعون ، و من اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه . وأهل البدع مثل الخوارج يبتدعون بدعة و يُكفّرون من خالفهم ، و يستحلون دمه ، وهؤلاء كل منهم يرد بدعة الآخرين ، و لكن هو أيضاً مبتدع فيردّ بدعة ببدعة ، و باطلاً بباطل ... و الله يحب الكلام بعلم و عدل ، و يكره الكلام بجهل و ظلم ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : ( القضاة ثلاثة: قاضيان فى النار و قاضٍ في الجنة" ).
والله المسؤول أن يجمع ماتفرّق من أمرنا على الخير والهدى .


ساحة النقاش