روى محمد بن السائب الكلبي- الصلابة في معرفة الصحابة - الجزء ( 3 ) - رقم الصفحة : ( 212 )
- ...... كان نفيل لكعب بن لؤي بن غالب القرشي فمات عنه ثم وليه عبد المطلب , وكانت صهاك ترعى غنمه وكان يفرق بينهما في المرعى فاتفق يوماً اجتماعهما في مراح واحد فهواها وعشقها نفيل , وكان قد ألبسها عبد المطلب سروالاً من الأديم وجعل عليه قفلاً وجعل مفتاحه معه لمنزلتها منه , فلما راودها قالت : مالي إلى ما تقول سبيل وقد ألبست هذا الأديم ووضع عليه قفل فقال : أنا أحتال عليه , فأخذ سمناً من مخيض الغنم ودهن به الأديم وما حوله من بدنها حتى استله إلى فخذيها وواقعها فحملت منه بالخطاب , فلما ولدته ألقته على بعض المزابل بالليل خيفة من عبد المطلب فالتقطت الخطاب امرأة يهودية جنازة وربته , فلما كبر كان يقطع الحطب فسمي الحطاب لذلك بالحاء فصحف بالمعجمة , وكانت صهاك ترتاده في الخفية فرآها ذات يوم وقد تطأطأت عجيزتها , ولم يدر من هي فوقع عليها فحملت منه بحنتمة , فلما وضعتها ألقتها على مزابل مكة خارجها فالتقطها هشام بن مغيرة بن وليد ورباها فنسبت أليه , فلما كبرت وكان الخطاب يتردد على هشام فرأى حنتمة فأعجبته فخطبها إلى هشام فزوجه إياها فولدت عمر ، وكان الخطاب والد عمر لأنه أولد حنتمة إياه حيث تزوجها وحده . لأنه سافح صهاك قبل فأولدها حنتمة والخطاب من أم واحدة وهي صهاك .
المعادلة بكل بساطة
نفيل ( جد عمر ) زنى بصهاك ( جدة عمر ) = فأنجبت الخطاب ( أبو عمر )
الخطاب ( أبو عمر ) زنى بصاهاك ( أمه وجدة عمر ) = فأنجبت حنتمة ( أم عمر )
الخطاب ( أبو عمر ) تزوج بحنتمة ( إبنته ) = فخرج للدنيا أطهر رجل عرفه التاريخ.
وكذلك ذكر نسب عمر بن الخطاب عمرو بن العاص بشكل عنيف مما دعا عمر إلى مهاجمته بالمثل ، بالرغم من أن ابن العاص كان واليا لعمر على مصر ، ويمكنه أن يقيله من منصبه ، ولو كان غير عمر لأقاله بلا تردد . وممن هاجم عمر في نسبه وضعة بيته سعد بن عبادة ( رئيس الخزرج ) وأبو سفيان وأخت خالد بن الوليد .
عمرو بن العاص يذكر نسب عمر وعندما حدثت المشادة بين عمر وعمرو بن العاص ( واليه على مصر ) ذكر ابن العاص نسب عمر ، فقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام : قال عمر : كم سرت ؟ فقال عمرو : عشرين . فقال عمر : لقد سرت سير عاشق ؟ ! فقال عمرو : إني والله ما تأبطتني الإماء ، ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي . فقال عمر : والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه ، وأن الدجاجة لتفحص في الرماد ، فتضع لغير الفحل ، وإنما تنسب البيضة إلى طرقها ( فقام عمرو مربد الوجه ) (شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 3 / 102 ) .
لقد كانت المشادة بين الاثنين حادة جدا ، ولكنها أخذت طابع التعريض لا التصريح لأن الأمر يتعلق بالشرف والنسب الحق للآباء والأمهات . والملاحظ أن البادئ بالمشادة هو داهية قريش عمرو بن العاص ، إذ ضرب على وتر حساس جدا بذكره لجدة عمر لأبيه ( الزنجية صهاك ) مفضلا أمه النابغة عليها وواصفا إياها بأقبح وصف . قال ابن أبي الحديد : سألت النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر ، فقال : إن عمرو بن العاص فخر على عمر لأن أم الخطاب زنجية ، وتعرف بباطحلي تسمى : صهاك فقلت له : وأم عمرو النابغة أمة من سبايا العرب . فقال : أمة عربية من عنزة سبيت في بعض الغارات ، فليس يلحقها من النقص عندهم ، ما يلحق الإماء الزنجيات (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 103 ، تهذيب اللغة 8 / 122 ، تاج العروس ، الزبيدي 13 / 188 ، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 3 / 338 . ) . وقال عمرو بن العاص واصفا عمر أمام مسلمي المدينة في خلافة عثمان : ثم ولي الأعسر الأحول ابن حنتمة (تاريخ اليعقوبي 2 / 174 ) . والعارف بالسيرة يدرك بأن حنتمة لم تكن بنت هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي لأن الوليد بن المغيرة كان من طغاة قريش ورؤسائها وقد نزل فيه قرآن : { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } (تفسير الزمخشري ، الزخرف : 31 ) . والرجل هو الوليد بن المغيرة أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي (تفسير الزمخشري 4 / 247 ) . ولو كانت حنتمة ابنته لما انتقص ابن العاص عمر بن الخطاب بحنتمة ! ولما انتقصته فاطمة أخت خالد بن الوليد بن المغيرة قائلة : والله ما أراد ابن حنتمة . . . (تاريخ اليعقوبي 2 / 95 ) ولو كانت حنتمة بنت الوليد بن المغيرة لما أصبح عمر بن الخطاب أجيرا أو عبدا عند الوليد بن المغيرة يحمل له متاعه ، كما ذكرنا في سفرة عمر مع الوليد إلى الشام . ولو كان عمر ينتسب إلى الوليد بن المغيرة المخزومي من أمه لما انتقصه أبو سفيان مرارا .
ومن الذين سموا عمر باسم أمه الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، إذ قال : يا ابن صهاك الحبشية ، أبأسيافكم تهددونا ، وبجمعكم تكاثروننا . والله لولا كتاب من الله سبق ، وعهد من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تقدم ، لأريتكم أينا أقل عددا وأضعف ناصرا (كتاب الصوارم المهرقة نور الدين التستري ، 56 . ) .
ولما اشتد الصراع في السقيفة بين عمر وأتباعه من جهة والأنصار من جهة أخرى ، قال سعد بن عبادة لعمر بن الخطاب : أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض ، لسمعتم مني في أقطارها زئيرا ، يخرجك أنت وأصحابك . ولألحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع ، خاملا غير عزيز (الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 10 ، تاريخ الطبري 2 / 459 .) . وبعد هذه المحاورة ، اشتدت الخصومة بين عمر وسعد بن عبادة ، ولما التقى عمر به يوما في خلافته ، قال له : إيه سعد ، فقال سعد : إيه عمر ، فقال سعد : ما جاورني أحد أسوأ جوارا منك ، فقال عمر : من ساءه جوار شخص انتقل عنه . ولما انتقل سعد بضغط من عمر إلى الشام ، قتله هناك محمد بن مسلمة ، بأمر من عمر (أنساب الأشراف ، البلاذري )
وذكر خالد بن الوليد المخزومي كلاما في عمر فغضب عمر وكتب إلى أبي عبيدة : إن كذب خالد نفسه فيما كان قاله فله عمله ، وإلا فانزع عمامته وشاطره ماله . فشاور خالد أخته ، فقالت فاطمة بنت الوليد وكانت عند الحارث بن هشام : والله لا يحبك عمر أبدا ، وما يريد إلا أن تكذب نفسك ثم ينزعك ، فقبل رأسها وقال : صدقت والله ، فتم على أمره ، وأبى أن يكذب نفسه (تاريخ الطبري 2 / 624 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 95 ) . والظاهر أن كلام خالد في نسب عمر وحنتمة ، لأن حنتمة من بني مخزوم بالتبني ( قبيلة خالد ) . ثم عزل خالد وتبع العزل موت خالد المشكوك ، وضرب عمر بدرته كل نساء بني مخزوم الحاضرات في مجلس النياحة على موت خالد (كنز العمال ، المتقي الهندي . ) ولكن المؤرخين صعب عليهم ذكر موضوع كلام خالد الجارح في عمر الذي تسبب في عزله ومقتله ! وقول أخت خالد السابق في عمر ، فيه الكثير من المعاني ، لأنها من بني مخزوم ، وحنتمة ( أم عمر ) من بني مخزوم بالتبني وقد أشار خالد إلى حنتمة فسماها أم شملة (تاريخ الطبري 2 / 502 . ) .
ومن الذين تعرضوا لنسب عمر هو النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) إذ قال : أين الساب لأهل بيتي ، ليقم إلي وينتسب إلى أبيه (تذكرة الفقهاء 2 / 470) .
وقد يكون انتقاص بعض الناس لعمر ، وذكرهم لحنتمة هو الذي جعل عمر لاحقا غير مرتاح للنساء فقد دفن ابنته الصغيرة في الجاهلية ( وأدها ) ، وضرب زوجاته وأدمى أخته لإسلامها ، وضغط فاطمة ( عليها السلام ) بين الحائط والباب فوقع ( محسن ) صريعا . ثم ضرب في خلافته أم فروة ، بنت أبي قحافة بدرته (صححه السيوطي في كنز العمال 8 / 119 ، الإصابة 3 / 606 ، طبقات ابن سعد 3 / 208 ) ، وأخاف امرأة مسلمة حاملا ، فأسقطت ما في بطنها ، وضرب جارية للبسها ملابس حرة (عبقرية عمر ، العقاد ص 13 ) . وقد انتقم عمر من خالد شر انتقام ، إذ عزله عن الولاية وقيادة الجيوش في أول عمل أداري لعمر ! ! وقاسمه أمواله (تاريخ الطبري 2 / 624 . ) ، وبعدها مات خالد فجأة ! ولم يتركه عمر بل هجم على مجلس عزائه ، المقام في بيت خالته أم ميمونة الهلالية ( زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) ) فضرب النائحة بنفسه وفرق جمع النساء الحاضرات !
وقال ابن الكلبي : وممن كان يلعب به وينتحل عفان أبو عثمان ، فكان يضرب بالدفوف . وقال أيضا : ومن كان يلعب به ويتخنث أبو طلحة (مثال العرب ، ابن الكلبي ) .
وقد قال نسابة العرب عقيل بن أبي طالب في ولاة عمر ما يلي :
عمرو بن العاص هذا الذي اختصم فيه ستة نفر ، فغلب عليه جزار قريش . وقال عن أبي موسى الأشعري هذا ابن السراقة ، وقال عن معاوية بأنه ابن حمامة ، وحمامة أم أبي سفيان ، وكانت بغيا في الجاهلية صاحبة راية . وقال عند ذلك معاوية لجلسائه : قد ساويتكم وزدت عليكم فلا تغضبوا (شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 2 / 125 ) . وقال عقيل بن أبي طالب عن الوليد بن عقبة بأنه يهودي من الأردن واسم أبيه ذكوان (مروج الذهب ، المسعودي 3 / 336 ) . وكان أبو سفيان فاسدا في الجاهلية والإسلام فلقد ارتكب المنكر مع بغايا كثيرات مثل النابغة ( أم عمرو بن العاص ) (مثال العرب ، ابن الكلبي ، باب تسمية ذوي الرايات ، التذكرة ، ابن الجوزي 117 ، السيرة الحلبية 1 / 47 ، العقد الفريد 1 / 164 ) وسمية ( أم زياد بن عبيد ) وصعبة.



ساحة النقاش