موقع خادم بقية الله

موقع متخصص في بحث ونشر كل ما يتعلق بالقضية المهدوية

النسب الكامل

 صدرت عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وعن الأئمّة المعصومين عليهم  السّلام روايات كثيرة تشخّص المراد بالأئمّة الاثني عشر، وتوضح من هو  الإمام المهدي المنتظر عليه السّلام بما لا يبقى معه مكان للشكّ فيه  عليه السّلام.

 ومن تلك الأحاديث ما يذكر الأئمّة بأسمائهم بالتسلسل،  ومنها ما يتحدّث عن نسبة الإمام المهدي عليه السّلام إلى الأئمّة ككُلّ  ـ كالحديث الوارد في أنّه عليه السّلام آخر الأئمّة ـ أو نسبته إلى  إمامٍ معيّن منهم ـ كالحديث الوارد في أنّ المهدي عليه السّلام هو  التاسع من ولد الحسين عليه السّلام، أو الرابع من ولد الرضا عليه  السّلام.

 ونورد فيما يلي بعض هذه الأحاديث: 1 ـ روى الخوارزمي في مقتل الحسين عليه السّلام، والحمويني في فرائد  السمطين، والقندوزي في ينابيع المودّة، عن أبي سلمى راعي رسول الله  صلّى الله عليه وآله، روى فيه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله حديثاً  عن إسرائه صلّى الله عليه وآله جاء فيه أن الله تعالى خاطبه: انظُر إلى  يمين العرش! قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: فنظرتُ، فإذا عليّ  وفاطمة، والحسن والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن  محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد،  والحسن بن عليّ، ومحمّد المهديّ بن الحسن كأنّه كوكب دُرّيّ.

 وقال ( تعالى ): يا محمّد، هؤلاء حُجَجي على عبادي، وهم أوصياؤك،  والمهديّ منهم الثائر مِن قاتل عترتك.

 وعزّتي وجلالي إنّه المنتقم من  أعدائي، والمُمِدّ لأوليائي(1).

 2 ـ وروى القندوزي في ينابيع المودّة عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال:  قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا جابر، إنّ أوصيائي وأئمّة  المسلمين مِن بعدي: أوّلهم عليّ، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن  الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف بالباقر ـ وستدركه يا جابر، فإذا  لقيتَه فأقرئه منّي السّلام ـ ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر،  ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن  عليّ، ثمّ القائم، اسمُه اسمي وكُنيته كنيتي: محمّد بن الحسن بن عليّ،  ذاك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارقَ الأرض ومغاربها، ذاك  الذي يغيب عن أوليائه غَيبة لا يَثُبت على القول بإمامته إلاّ مَن  امتحن اللهُ قلبَه للإيمان ـ الحديث بطوله(2).

 وقد سبق أن نوّهنا بأنّ المصداق الوحيد المقبول لأُطروحة الأئمّة ( أو  الخلفاء ) الاثني عشر الذين بشّر بهم النبيّ الأكرم صلّى الله عليه  وآله وسلّم يتمثّل في أئمّة الهدى عليهم السّلام، والمهدي عليه السّلام  منهم.

 3 ـ روى الخوارزمي في مقتل الإمام الحسين عليه السّلام، والحمويني في  فرائد السمطين، والقندوزي في ينابيع المودّة، عن سلمان الفارسي، أن  النبيّ صلّى الله عليه وآله قال للحسين عليه السّلام: أنت سيّد بن سيّد أخو سيّد، أنت إمام بن إمام أخو إمام، أنت حجّة أبو  حجّة، وأنت أبو حُجج تسعة، تاسعهم قائمهم(3).

 4 ـ روى الحمويني في فرائد السمطين، والقندوزي في ينابيع المودّة، عن  الإمام الرضا عليه السّلام أنّه قال: إنّ الرابع من ولدي ابن سيّدة  الإماء، يُطهّر الله به الأرض من كلّ جَور وظُلم، وهو الذي يشكّ الناس  في ولادته، وهو صاحب الغَيبة، فإذا خرج أشرقت الأرضُ بنور ربّها،  ووُضِع ميزانُ العدل بين الناس ـ الحديث(4).

 5 ـ وروى الحمويني في فرائد السمطين، والقندوزي في ينابيع المودّة، عن  الإمام الرضا عليه السّلام أنّه قال لدِعبِل الخُزاعي ( بعد أن أنشده  قصيدة في مدح الأئمّة عليهم السّلام، تطرّق في آخرها إلى الإمام المهدي  عليه السّلام ): يا دِعبِل: نَطَق روحُ القدس بلسانك، أتعرف مَن هذا الإمام ؟ قال دِعبَل، قلت: لا، إلاّ أنّي سمعتُ بخروج إمامٍ منكم يملأ الأرض  قِسطاً وعدلاً.

 فقال عليه السّلام: إنّ الإمام بعدي ابني محمّد، وبعد محمّد ابنه عليّ،  وبعد عليّ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم، وهو المنتظَر في  غيبته، المُطاع في ظهوره، فيملأ الرض قِسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً  وظُلماً.

 وأمّا متّى يقوم، فإخبارٌ عن الوقت، لقد حدّثني أبي، عن  آبائه، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، قال: مَثَلُه كمثَلَ الساعة  لا تأتيكم إلاّ بَغتةً(5).

 6 ـ روى ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة، والقندوزي في ينابيع  المودّة عن الإمام الرضا عليه السّلام قال: الخَلَف الصالح من ولد  الحسن بن عليّ العسكريّ هو صاحب الزمان، وهو المهديّ سلام الله  عليهم(6).

 غَيبة الإمام المهدي عليه السّلام الغَيبة سُنّة فَعَلها بعضُ الأنبياء عليهم السّلام الغَيبة ليست بِدعةً في تاريخ البشريّة، فقد فعلها أنبياء الله تعالى  وأولياؤه لمصلحةٍ وأسرارٍ نعلم بعضها، ولا نهتدي إلى بعضها الآخر.

 • اتّفق علماء المسلمين أنّ الخضر عليه السّلام موجود منذ عهد النبيّ  موسى عليه السّلام إلى وقتنا هذا، لا يعرف أحد مستقرّه، ولا نعرف عنه  إلاّ ما جاء به القرآن من قصّته مع موسى عليه السّلام، وقد جمع الخضر  بين الغَيبة والعُمر الطويل لمصلحةٍ اقتضاها التدبير الإلهيّ.

 • هرب موسى عليه السّلام من وطنه، وتَخفّى مدّة من الزمن فلم يظفر به  فرعون ورهطه، حتّى بعثه الله عزّوجلّ نبيّاً، فعاد إلى وطنه ودعاهم إلى  عبادة الله تعالى، فعرفه الوليّ والعدوّ.

 • وغاب يوسف عليه السّلام عن أبيه وإخوته، حتّى أنّ إخوته كانوا يدخلون  عليه ويكلّمونه ويكلّمهم دون أن يعرفوا أنّه أخوهم، ثمّ كشف الله أمره  بعد كرّ السنين والأعوام.

 • وغاب أهل الكهف واستتروا عن قومهم فراراً، بدينهم، بل صرّح القرآن  الكريم بأنّهم رقدوا في الكهف ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً، تُقلّبهم  يد القدرة الإلهيّة، وتتزاور عن كهفهم الشمس، ثمّ أحياهم الله الخبير  بحكمته فعادوا إلى قومهم، وقصّتهم مشهورة في ذلك.

 • وغاب عُزَير عن قومه بعد أن أماته الله تعالى مائة عام ـ كما في  القرآن الكريم ـ ثمّ بعثه الله عزّوجلّ دون أن يتغيّر طعامه وشرابه! • وغاب عيسى عليه السّلام عن قومه بعد أن رفعه الله تعالى إليه وقد كاد  أعداؤه يقتلونه، ووعدت الروايات المتواترة عن النبيّ الأكرم صلّى الله  عليه وآله أنّه سينزل عند ظهور المهديّ عليه السّلام، فيُعينه في  مهمّته الكبيرة في إرساء دعائم العدل الشامل.

 • وشاءت المشيئة الإلهيّة لخاتم الأوصياء: المهديّ عليه السّلام أن  يَغيب، حتّى يُظهره الله تعالى في اليوم الموعود، ليجري على يديه الوعد  الذي قطعه للمؤمنين، بأنّه سيستخلفهم في الأرض ويُمكنّنّ لهم دينهم  الذي ارتضى لهم، وليبدلّنهم من بعد خوفهم أمناً.

 سرّ الغيبة لقد غاب بعض أنبياء الله وأوليائه لمصلحة وأسرار نستبين بعضها، على ضوء  ما جاء في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الكريمة، ونجهل بعضها الآخر،  فلماذا غاب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي ادّخره الله  تعالى لمهمة نشر العدل والقسط في ربوع البسيطة ؟ إنّ استقراءً سريعاً للظروف التي سبقت غيبة الإمام عليه السّلام  وعاصرتها من شأنه أن يجلّي لنا بعض العوامل التي أفضت إلى غيبته عليه  السّلام:

 1 ـ الضغوط العباسيّة الخانقة

 أمعن بنو العبّاس منذ تولّيهم زمام السلطة في ظلم العلويين وإرهاقهم،  ولاحقوهم وسجنوهم وقتلوهم تحت كلّ حجر ومدر، حتّى منعوا الناس من زيارة  قبر الإمام الحسين عليه السّلام وهدموه وحرثوا أرضه وأجرَوا عليه الماء  ليعفوا أثره، وفي ذلك يقول الشاعر: تاللهِ إن كانت أُميّةُ قد أتَتقَتلَ ابنِ بنتِ نبيِّها مظلوما فلقد أتاهُ بنو أبيهِ بمِثلهاهذا لَعَمرُكَ قبرُهُ مهدوما أسِفوا أن لا يكونوا شاركوافي قتلهِ..

 فتتبّعوه رَميما!(7) حتّى أن المتوكّل أمر بسَلّ لسان العالِم الشهير ابن السِّكّيت ـ مؤدّب  ولدَيه المعتزّ والمؤيّد ـ حين سأله: مَن أحبّ إليك: وَلَداي المعتزّ  والمؤيد أم الحسن والحسين ؟ فقال ابن السكّيت: قنبر ـ يعني خادمَ أمير  المؤمنين عليّ عليه السّلام ـ خيرٌ منهما(8).

 وبلغت حال العلويّين في المدينة من البؤس حدّاً لم يُعهد له مثيل، فقد  روى أبو الفرج الإصفهاني أنّ القميص يومذاك يكون بين جماعة من  العلويّات يُصلّين فيه الواحدة بعد الواحدة، ثمّ يرقّعنه ويجلسن على  مغازلهنّ عواري حواسر(9)..

 وفي مثل هذه الظروف العصيبة كانت ولادة الإمام المهدي عليه السّلام،  وحياة أبيه الحسن العسكري عليه السّلام وهي ظروف وُضع فيها أئمّة أهل  البيت وأشياعهم المؤمنون في الحصار السلطوي تحت الرقابة المشدّدة،  ومخبرو السلطة يتلصّصون في كل مكان لنقل أخبار أهل البيت عليهم  السّلام، ويترصّدون مولد الإمام الثاني عشر الموعود المنتظر.

 

 2 ـ عدم بيعته عليه السّلام لظالم

 روي عن الإمام الرضا عليه السّلام أنّه سُئل عن علّة غيبة الإمام  المهدي عليه السّلام، فقال: لئلاّ يكون في عُنقه لأحد بيعة إذا قام  بالسيف(10).

 وروي عن الإمام الرضا عليه السّلام أنّه قيل له: إنّا نرجو أن تكون  صاحبَ هذا الأمر...

 فقال: ما مِنّا أحد اختلفت الكُتُب إليه وأُشير  إليه بالأصابع وسُئل عن المسائل وحُملت إليه الأموال إلاّ اغتيل...

  حتّى يبعث الله لهذا الأمر غلاماً منّا خفيّ المولد والمنشأ، غير خفيّ  في نَسَبه(11).

 

 3 ـ الامتحان والاختبار

 جرت سُنّة الله تعالى في عباده في امتحانهم وابتلائهم، ليجزيهم بأحسن  ما كانوا يعملون، وغيبة الإمام عليه السّلام من موارد الامتحان، فلا  يؤمن بها إلاّ من خَلُص إيمانُه وصدّق بما جاء عن رسول الله صلّى الله  عليه وآله والأئمّة الهداة من آله عليهم السّلام.

 روي عن النبيّ الأكرم  صلّى الله عليه وآله أنّه قال: أمَا واللهِ لَيغيبَنّ إمامُكم شيئاً من  دهركم، ولتُمحّصُنّ ـ الحديث (12).

 وروي عن الإمام الكاظم عليه السّلام أنّه قال: إذا فُقد الخامس من ولد  السابع، فاللهَ اللهَ في أديانكم لا يزيلنّكم عنها، فإنّه لابدّ لصاحب  هذا الأمر من غيبة حتّى يرجع عن هذا الأمر مَن كان يقول به، إنّما هي  محنة من الله يمتحن الله بها خلْقَه ـ الحديث(13).

 

 4 ـ الغيبة من أسرار الله عزّوجلّ

تبقى الحكمة في الغيبة من أسرار الله تعالى التي لم يُطْلع عليها أحداً  من الخلق، وقد أبقى الله عزّوجلّ أشخاصاً في هذا العالم أحياءً أطول  بكثير ممّا انقضى من حياة الإمام المهدي عليه السّلام، وذلك لحِكم  وأسرار لا نهتدي إليها بأجمعها، لكننا ـ على كلّ حال ـ نؤمن بها  إيماناً قطعيّاً.

 ونحن ـ بصفتنا مسلمين ـ نؤمن بأنّ الله تعالى لا يفعل  شيئاً عبثاً، ونؤمن أيضاً بمغيَّبَات كثيرة قامت عليها البراهين  المتينة من العقل والنقل.

 

 الانتفاع من الإمام في الغَيبة

 ربّما يدور في الأذهان سؤال، وهو: ما مدى الانتفاع من وجود الإمام  المهدي عليه السّلام إذا كان غائباً مستوراً ؟ وقد سُئل الإمام الصادق عليه السّلام: كيف ينتفع الناس بالحجّة الغائب  المستور ؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب(14).

 ومن الفوائد التي تتعلّق بالأمة من غيبة الإمام عليه السّلام: 1 ـ أنّ ظهور الإمام عليه السّلام لمّا وُصف بأنّه سيكون بغتةً، مَثَله  كمَثَل الساعة، فإنّ ذلك يدعو كلّ مؤمن إلى الاستقامة على الشريعة،  والالتزام بأوامرها ونواهيها.

 2 ـ أنّ ذلك يدعو كلّ مؤمن إلى أن يكون في « حالة استعداد »، من حيث  التهيّؤ للانضمام إلى جيش الإمام المهدي عليه السّلام، والاستعداد  للتضحية في سبيل إقامة شرع الله تعالى وبسط حكومته الإلهيّة في كلّ  الأرض.

 3 ـ أنّ هذه الغيبة تحفّز المؤمن للنهوض بمسؤوليّته في مجال الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر.

 4 ـ أنّ الاُمّة التي تعيش الاعتقاد بالمهدي الحيّ الموجود تعيش حالة  الشعور بالكرامة والعزّة، فلا تذلّ لجبروت الطغاة، وتأنف من الذلّ  والهوان، وتستصغِر قوى الاستكبار، مترقّبة لظهوره المظفّر في كلّ ساعة.

 5 ـ تحصيل الثواب والأجر على الانتظار، وقد مرّ أنّ مَن مات ولم يعرف  إمام زمانه مات ميتةً جاهليّة(15).

 يُضاف إلى هذه الثمرات فوائد أخرى يكتسبها المعتقِد بظهور الإمام  المهديّ عليه السّلام في آخرته، منها تصحيح اعتقاده بعدل الله تعالى  ورأفته بهذه الأمّة التي لم يتركها الله سدىً ينتهبها اليأس ويفتك بها  القنوط، دون أن يمدّ لها حبل الرجاء بظهور الدين على كلّ الأرض بقيادة  الإمام المهديّ عليه السّلام.

 تمهيد الأئمّة عليهم السّلام لغيبة الإمام المهدي عليه السّلام مهّد الإمامان العسكريّان: عليّ بن محمّد الهادي، والحسن بن عليّ  العسكري عليهما السّلام لغيبة الإمام المهدي عليه السّلام وتقليل وطء  الصدمة التي قد تتعرّض لها قواعد الإمام الشعبيّة.

 ومن الأمور التي مهد  بها الإمامان العسكريان عليهما السّلام للغيبة ـ سوى الإخبار عن الغيبة  الذي سبقهما فيه الأئمّة الآخرون عليهم السّلام ـ ما يلي:

 

1 ـ الاحتجاب التدريجي

 روى المسعودي « أن الإمام الهادي عليه السّلام كان يحتجب عن كثير من  مواليه، إلاّ عن عدد قليل من خواصّه، وحين أُفضي الأمر إلى الإمام  الحسن العسكري عليه السّلام كان يتكلّم من وراء الستار مع الخواصّ  وغيرهم، إلاّ في الأوقات التي كان يركب فيها إلى السلطان »(16).

 

 2 ـ اتّخاذ الوكلاء

 عمل الإمام الهادي عليه السّلام على اتّخاذ الوكلاء، حيث نراه يتّخذ  وكلاء يوثّقهم ويمدحهم، ثمّ نجد الإمام العسكري عليه السّلام يوسّع أمر  اتّخاد الوكلاء، ونلحظ أن معظم هؤلاء الوكلاء أصبحوا فيما بعد السفراء  الأربع للإمام المهدي عليه السّلام.

 يروي الشيخ الطوسي أنّ الإمام الهادي عليه السّلام يقول في أبي عمرو  عثمان بن سعيد العَمري ( الذي أصبح النائب الأول للإمام المهدي عليه  السّلام ): « هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعنّي يقوله، وما  أدّاه إليكم فعنّي يؤدّيه »(17).

 ثمّ يروي عن الإمام العسكري عليه السّلام قوله في شأنه: « هذا أبو عمرو  الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي في المحيى والممات، فما قاله لكم فعنّي  يقوله، وما أدّى إليكم فعنّي يؤدّيه »(18).

 ويروي عن الإمام العسكريّ عليه السّلام قوله في العَمري وابنه ( وهما  النائب الأول وابنه النائب الثاني للإمام المهدي عليه السّلام في  المستقبل ): « العَمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان، وما  قالا لك فعنّي يقولان، فاسمَعْ لهما وأطِعهما فإنّهما الثقتان  المأمونان »(19).

 

 3 ـ اتّخاذ أسلوب المراسلة

 وهو أسلوب ينسجم مع التمهيد للغيبة، إذ نلحظ أن الإمامين العسكريين  عليهما السّلام اتّخذا أسلوب المراسلة بينهما وبين شيعتهما عن طريق  الوكلاء، وهو أسلوب سيتّبعه الإمام المهدي عليه السّلام في غيبته  الصغرى(20).

 للإمام المهدي عليه السّلام غيبتان: إحداهما طويلة والأُخرى قصيرة من الخصائص المهمّة التي اتّصف بها المهدي المنتظر عليه السّلام أنّ له  غيبة، بل له غيبتان، وهي من الخصائص التي لم يتمكّن أيّ مُدّعٍ من دعاة  « المهدويّة » على طول التاريخ أن يدّعيها لنفسه، إضافة إلى الخصائص  المميّزة التي يمتاز بها الإمام المهدي عليه السّلام، والتي تحدّثنا عن  بعضها ـ كنسبه الشريف ـ ونتحدّث عن بعضها الآخر ـ كسيرته ونعته ـ  لاحقاً.

 روي عن الإمام الصادق عليه السّلام قوله: للقائم غيبتان: إحداهما طويلة  والأخرى قصيرة، فالأُولى يعلم بمكانه فيها خاصّةٌ من شيعته، والأخرى لا  يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّةُ مواليه في دِينه(21).

 وروي عن الإمام الباقر عليه السّلام أنّه قال: إنّ للقائم غيبتَين،  يرجع في إحداهما إلى أهله، والأخرى يقال « هَلَك، في أيِّ وادٍ سَلَك!  ».

 قال الراوي، قلتُ: كيف نصنع إذا كان ذلك ؟ قال: إن ادّعى مُدّعٍ  فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مِثلُه(22).

 وقد سُمّيت الغيبة الأولى للإمام المهدي عليه السّلام بالغيبة الصغرى،  نظراً لقصر أمدها قياساً إلى غيبته الثانية ( الكبرى ) التي ستستمر  حتّى يأذن الله تعالى له بالظهور.

 

علماء أهل السنّة الذين ذكروا غيبة الإمام المهدي عليه السّلام

 تحدّث عدد كبير من علماء أهل السنّة ومُحدّثوهم عن غيبة المهدي المنتظر  عليه السّلام، وروى بعضهم الأحاديث في غيبته، ونورد هنا أسماء بعض  هؤلاء الأعلام: 1 ـ الشافعي السلمي في كتابه « عَقْد الدرر »، حيث روى عن الإمام  الباقر عليه السّلام قوله: يكون لصاحب هذا الأمر ـ يعني المهدي عليه  السّلام ـ غيبة في بعض هذه الشِّعاب ـ وأومأ بيده إلى ناحية ذي طُوى ـ  الحديث(23).

 وروى عن الإمام الحسين عليه السّلام قال: لصاحب هذا الأمر ـ يعني  المهدي عليه السّلام ـ غيبتان، إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم « مات! »،  وبعضهم « قُتِل! »، وبعضهم « ذَهَب! »، ولا يطّلع على موضعه أحد من  وليٍّ ولا غيره، إلاّ المولى الذي يلي أمرَه(24).

 2 ـ الحمويني في « فرائد السمطين »، روى عدّة أحاديث في غيبة المهدي  عليه السّلام(25).

 3 ـ المتّقي الهندي في « البرهان »، روى حديثين في غيبته عليه  السّلام(26).

 4 ـ الكنجي الشافعي، عقد له في كتابه « البيان » باباً في غيبته (  الباب الخامس ) روى فيه عدّة أحاديث(27).

 5 ـ محمّد بن طلحة الشافعي في « مطالب السَّؤول »، تحدّث عن غيبته عليه  السّلام(28).

 6 ـ ابن الصبّاغ المالكي في « الفصول المهمّة »، قال: وله قبل قيامه  غيبتان، إحداهما أطول من الأُخرى(29).

 7 ـ سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواصّ »، قال: المهدي هو محمّد بن  الحسن بن عليّ.

 وهو الخلف الحجّة صاحب الزمان القائم والمنتظر  والتالي، وهو آخر الأئمّة(30).

 8 ـ الشعراني في « اليواقيت والجواهر »، قال: وهو من أولاد الإمام حسن  العسكري، ومولده عليه السّلام ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين  ومائتين، وهو باقٍ إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم عليه السّلام(31).

 9 ـ السيّد عباس المكّي في « نزهة الجليس »، ذكر أُرجوزة طويلة في  المهدي عليه السّلام، تحدّث فيها عن غيبتَي الإمام: الصغرى والكبرى(32).

 10 ـ أبو الفضل يحيى بن سلامة الخصكفي، في قصيدته المشهورة التي ذكر  فيها الأئمّة عليهم السّلام بأسمائهم، وصولاً إلى قوله: الحسن التالي ويتلو تِلوَهُمحمّدُ بن الحسن المفتقَدُ فإنّهم أئمّتي وسادتيوإنْ لَحاني معشرٌ وفَنّدوا(33)  11 ـ القندوزي في « ينابيع المودّة »، نقل عدّة أحاديث في غيبة المهدي  عليه السّلام(34).

 

 بحث تاريخي في الغيبة

 الزمان: وقعت الغيبة الصغرى للإمام المهدي عليه السّلام عند وفاة أبيه  الإمام الحسن العسكري عليه السّلام سنة 260 هـ، حيث احتجب الإمام  المهدي عليه السّلام عن عامّة الناس، إلاّ أنّه كان يلتقي بخيار  المؤمنين والصالحين، وانتهت هذه الغيبة بوفاة السفير الرابع من سفرائه  عليه السّلام في النصف من شهر شعبان سنة 328 هـ.

 المكان: أمّا المكان الذي احتجب فيه الإمام عليه السّلام فهو في دار  أبيه الإمام الحسن العسكري عليه السّلام في ( سُرَّ مَن رأى = سامرّاء  حالياً )، والتي فيها المرقد الطاهر لجثمان جدّه الإمام عليّ الهادي  وأبيه الإمام الحسن العسكريّ عليهما السّلام.

 

 الأوضاع السياسيّة التي عاصرت الغيبة

 عصر الإرهاب: تزامنت فترة حياة الإمامين علي الهادي والحسن العسكري  عليهما السّلام مع فترة حالكة من فترات حكم خلفاء بني العبّاس، فقد  عاصرا عدداً من أولئك الخلفاء عُرفوا بقسوتهم وعدائهم لأهل البيت عليهم  السّلام كالمتوكّل، واشتهروا ـ في المقابل ـ بالفسق والفجور والمجون  والهزل، وفسحوا المجال ـ ثالثاً ـ لتدخّل الأتراك الذين أدخلوهم في  البلاط للخدمة في شؤون الدولة، حتّى انتهى بهم الأمر إلى السيطرة  الكاملة على مقدّرات البلاد.

 وينقل لنا ابن الصبّاع المالكي صورة عن الأوضاع التي عاشها الإمام  العسكري عليه السّلام فيقول: وكان ( الإمام العسكري عليه السّلام ) قد  أخفى مولدَه ( يقصد مولد الإمام المهدي عليه السّلام ) وسَتَر أمره؛  لصعوبة الوقت وخوف السلطان وتطلّبه للشيعة وحبسهم والقبض عليهم(35).

 ويروي لنا ابن شهراشوب أنّ الإمام العسكري عليه السّلام يكتب رسالة إلى  وكيله العَمري فيُخفيها في خشبة كأنّها رِجْل باب مُدوَّرة، ثمّ  يُرسلها إليها بيد وقّاد الحمّام زيادةً في الاحتياط(36).

 وكان الشيعة إذا حملوا إلى الإمام العسكري عليه السّلام ما يجب عليهم  حمله من الأموال، أرسلوا إلى أبي عمرو ( وكيل الإمام عليه السّلام )  فيجعله في جراب السَّمن وزِقاقه، ثمّ يحمله إلى الإمام تقيّةً  وخوفاً(37).

 

 تفشّي الظلم في عصر الإمامين العسكريين عليهما السّلام

 أصبحت الدولة العبّاسية ـ وخاصّة في عهد الإمامين العسكريين عليهما  السّلام ـ غنيمةً للأجناد الغرباء، وأصبح الوزراء والعمّال يعملون لجمع  الأموال، وتقهقر سلطان الحاكم حتّى في قصره وبين غِلمانه وجَواريه.

  فتجمّعت تلك الأعباء الثقيلة على رؤوس الرعيّة؛ لأنّ عليهم أن يدفعوا  الضرائب الباهضة(38).

 وأطلق بعض الحكّام ـ كما فعل المستعين العبّاسي  المتوفّى سنة 249 هـ ـ أيدي أمّهاتهم وخدمهم في بيوت الأموال، وأباحوا  لهم فِعل ما يشاؤون، حتّى كان بين رياش أمّ المستعين العبّاسي بساط  أنفقت على صنعه 130 ألف ألف دينار ( 130 مليون دينار )! وكان فيه نقوش  على أشكال الحيوانات والطيور، أجسادها من الذهب وعيونها من الجواهر!

 

 موقف الحكّام العبّاسيين من القضايا الدينيّة

 شجّع بعض خلفاء العباسيين بعض الآراء الفلسفيّة والبحث العقلي في  المسائل الدينيّة، فأخذوا ببعض هذه الآراء واضطهدوا المعارضين لها،  ومنهم المأمون العبّاسيّ الذي ابتدع مسألة القول بخلق القرآن؛ لإشغال  الناس عن النظر فيما يهمّهم من الأمور.

 وتابعه المعتصم في بدعته، فأمر  المعلّمين أن يعلّموه الصبيان، وقتل عليه جمعاً من العلماء، وتبعه في  ذلك الواثق العبّاسي(39).

 وتفشّى في عصر الإمام الهادي عليه السّلام آراء لقوم من الغلاة، منها  قولهم عن قول الله تعالى: « إن الصلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمنكر »  معناها أن الصلاة رَجُل، فلا سجود ولا ركوع! وكذلك الزكاة معناها ذلك  الرجل، لا عدد دراهم ولا إخراج مال، فاستَهْوَوا بهذه الأفكار الممسوخة  خلقاً كثيراً، وكتب أحدهم إلى الإمام الهادي يسأله عن آراء هؤلاء،  فأجابه الإمام عليه السّلام: ليس هذا ديننا، فاعتزِلْه (40).

 

 الإمام العسكريّ عليه السّلام وشبهة تناقض القرآن

 ينقل لنا التاريخ أنّ إسحاق الكِندي ـ فيلسوف العراق في زمانه ـ كان قد  شرع في تأليف كتاب في تناقض القرآن، وشغل نفسه بذلك وتفرّد به في  منزله، وأنّ الإمام العسكري عليه السّلام التقى يوماً بأحد تلامذة  الكندي فقال له الإمام: أما فيكم رجلٌ رشيد يردع أستاذكم الكِندي عمّا  أخذ فيه من تشاغله بالقرآن ؟ ثمّ إنّ الإمام عليه السّلام طلب من تلميذ  الكِندي أن يذهب إليه فيسأله: ألا يجوز أن يكون الله تعالى قد أراد  بالآيات القرآنية غير المعاني التي ذهب إليها الكندي ؟ فذهب تلميذ  الكندي وتلطّف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة، فدعا بالنار وأحرق جميع  ما كان ألّفه(41).

 شهادة الإمام الهادي عليه السّلام على يد أيدي حكّام بني العبّاس استدعى المتوكّل العباسي الإمامَ الهادي عليه السّلام من المدينة إلى  سامراء فأبعده عن مدينة جدّه صلّى الله عليه وآله، وأقام الإمام عليه  السّلام مدّةَ مقامه بسُرَّ مَن رأى (سامراء) مكرَّماً معظّماً مبجّلاً  في ظاهر الحال، والمتوكّل يبتغي له الغوائل في باطن الأمر ـ حسب تعبير  اليعقوبي في تاريخه(42) .

 وقد عُرف المتوكّل بشدّة عدائه لأهل البيت عليهم السّلام، حتّى أنّه  ضرب رجلاً ألف سوط لأنّه روى حديثاً في فضل محبّة الحسنين وأبيهما  وأمّهما عليهم السّلام(43)، وأعطى لشاعرٍ ولاية البحرين واليمامة لأنّه  أنشده شعراً يفضّل فيه بني العباس على وُلد فاطمة عليها السّلام(44)،  وسعى في قتل الإمام الهادي عليه السّلام، فلم يُقدِره الله تعالى على  ذلك(45).

 ثمّ استُشهد الإمام الهادي عليه السّلام بالسمّ على يد المعتزّ بالله،  وقد نقل بعض علماء أهل السنّة أمر استشهاده عليه السّلام بالسمّ(46).

 

 شهادة الإمام الحسن العسكري

 عاصر الإمام العسكري عليه السّلام جزءاً من خلافة المعتزّ، ثمّ خلافة  المهدي، واستُشهد عليه السّلام في خلافة المعتمد عن عمر يبلغ 28 عاماً  فقط.

 وكان المعتمد قد حبس الإمام العسكري عليه السّلام عند عليّ بن  جرين، ثمّ عند صالح بن الوصيف الحاجب(47)، ثمّ عند نحرير ( من خدم  المعتمد وخاصّته )، وكان الأخير يضيّق على الإمام العسكري عليه  السّلام، حتى حلف مرّة أنّه سيرميه بين السباع(48).

 وقد روى لنا التاريخ كيفيّة استشهاد الإمام العسكري عليه السّلام  بالسمّ دون أن يسبق له أن يشكو من علّةٍ ما، ونقل لنا تحرّكات مُريبة  لرجال البلاط تُوحي بأنّهم كانوا يتوقّعون وفاته قريباً، ثمّ ينقل لنا  أنّ السلطان داهَمَ بيتَ الإمام عليه السّلام وطلب أثر ولدِه(49).

 هذه لمحة سريعة حول الظروف السياسيّة التي عاصرها الإمامان العسكريّان:  عليّ الهادي والحسن العسكري عليهما السّلام، والتي مهّدت لغيبة الإمام  المهدي عليه السّلام.

 

 النوّاب الأربعة في عصر الغيبة الصغرى

 النيابة الخاصّة: تعتبر النيابة الخاصّة عن الإمام عليه السّلام من  المناصب الخطيرة التي تستلزم فيمن يتصدّى لها أن يكون في مستوى رفيع من  التقوى والورع والمؤهّلات الأخرى التي يتطلّبها هذا المنصب المهمّ.

 النائب الأول: أبو عمرو، عثمان بن سعيد العَمري لُقّب بالسمّان والزيّات، لاتّجاره بالسَّمن والزيت، تغطيةً على  نشاطاته.

 وقد ذكرنا أنه كان يحمل ما يرسله الشيعة إلى الإمام عليه  السّلام في ظروف السمن(50)، كما ذكرنا أنّ الإمام الهادي عليه السّلام  قد وثّقه وامتدحه وأوصى باتّباع قوله، وأنّه قال عنه: «العَمري ثقتي...

  فاسمَع له وأطِع، فانّه الثقة المأمون»(51)، وأن الإمام العسكري عليه  السّلام قد وثّقه أيضاً وأوصى باتّباع قوله وإطاعة أمره(52).

 تُوفّي العَمري ودُفن في منطقة الرُّصافة ببغداد، وكان الإمام المهدي  عليه السّلام قد أمره أن ينصّب ولده محمّد بن عثمان من بعده، ليتولّى  الأمور بعد أبيه.

 النائب الثاني: أبو جعفر، محمّد بن عثمان بن سعيد العَمري تولّى محمّد بن عثمان منصب النيابة بعد وفاة أبيه، وتلقّى من الإمام  المهدي عليه السّلام رسالة يؤبّن بها أباه الفقيد ويترحّم عليه(53)،  حيث أجمع المؤرّخون على وثاقته وعدالته كما أجمعوا على وثاقة وعدالة  أبيه قبله.

 وكان الإمام العسكري عليه السّلام قد أوصى بعثمان بن سعيد  العمري وابنه، فقال: «العَمري وابنه ثقتان، فما أديّا إليك فعنّي  يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمَعْ لهما وأطِعهما، فإنّهما  الثقتان المأمونان» (54).

 ألّف محمد بن عثمان مجموعة من الكتب في الفقه والحديث، التي سمعها من  الإمامين الحسن العسكري والمنتظر عليهما السّلام(55).

 تُوفّي محمّد بن عثمان سنة 305 هـ، بعد أن أخبر الشيعة بأنّ النائب من  بعده هو الحسين بن رُوح النُّوبَختي(56).

 النائب الثالث: أبو القاسم، الحسين بن رُوح النّوبَختي كان الحسين بن روح على جانب كبير من التقوى والصلاح، وقد أظهرت  مناظراته مع المعاندين قدراتِه العلميّة، حيث كان يقيم البراهين  الحاسمة في لغة جزلة، وكان يؤكّد على أنّ ما يقوله ليس من عند نفسه، بل  هو مسموع من الحجّة صلوات الله وسلامه عليه.

 وكان الحسين بن روح يُؤْثر  التقيّة ويلتزم بالكتمان الشديد(57)، حتّى توفّي سنة 326 هـ فدُفن في  بغداد ( سوق الشورجة حاليّاً).

 النائب الرابع: أبو الحسن عليّ بن محمّد السَّمَري وهو آخر نوّاب الإمام المهدي عليه السّلام، وكان الإمام المهدي عليه  السّلام قد أمر الحسين بن روح أن يُقيم عليَّ بن محمّد السَّمَري  مقامه، وكانت شخصيّته وجلالته أشهر من أن تُذكر.

 وقد صدر توقيع من  الإمام المهدي عليه السّلام إلى السَّمَري قبل وفاته يخبره فيها أن  وفاته قد حانت، ويأمره أن لا يُوصي إلى أحدٍ من بعده، فقد وقعت الغيبة  التامّة، فلا ظهور إلاّ بإذن الله تعالى ذِكره(58).

 وكانت وفاة  السَّمري ( المقارنة لبداية الغيبة الكبرى ) سنة 339 هـ(59).

 

 الغيبة الكبرى للإمام المنتظر عليه السّلام

 إلى مَن يفزع المسلمون في عصر الغيبة الكبرى ؟ بدأت الغيبة الكبرى للإمام المهدي عليه السّلام بوفاة آخر نوّابه  الأربعة: عليّ بن محمّد السمري سنة 339 هـ، حيث احتجب الإمام المهدي  عليه السّلام عن شيعته، فلا يعلم أحد بمكانه إلاّ المولى الذي يلي  أمره.

 وقد كتب الإمام المهدي عليه السّلام إلى أحد وجهاء الشيعة (  إسحاق بن يعقوب ) توقيعاً بيد النائب الثاني محمّد بن عثمان بن سعيد  العَمري جاء فيه: «... وأمّا الحوادثُ الواقعة، فارجِعوا فيها إلى رُواةِ حديثنا، فإنّهم  حُجّتي عليكم، وأنا حُجّةُ الله عليكم... »

(60)، ففتح الإمام عليه  السّلام بهذه الوسيلة لشيعته خطّاً جديداً لتأمين الجوانب الفقهيّة لهم  عن طريق العلماء من رواة أحاديث أهل البيت عليهم السّلام.

 رعاية الإمام المهدي عليه السّلام لشيعته في عصر الغيبة لا تعني غيبة الإمام المهدي عليه السّلام أنسحابه عليه السّلام عن دور  القيادة والتوجيه للمجتمع الإسلامي، إذ أن نظام الإمامة ممتد متّصل ما  اتّصل الليل والنهار، لأنّه نظام إلهيّ قائم على أساس العناية واللطف  بالعباد، وقد سئل النبيّ صلّى الله عليه وآله عن انتفاع الناس بالإمام  المنتظر عليه السّلام في غيبته، فأجاب صلّى الله عليه وآله: « إي والذي بعثني بالنبوّة، إنّهم لَينتَفعون به، ويستضيئون بنور  ولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس وإن جَلّلها السحاب »(61).

 وروي  مثل هذا التعبير عن الإمام زين العابدين والإمام الصادق عليهما السّلام.

 وقد عبّر الإمام المهدي عليه السّلام عن رعايته لشيعته ولُطفه بهم في  رسالة وجّهها إلى الشيخ المفيد، جاء فيها: « إنّا غيرُ مُهمِلينَ لمُراعاتكم، ولا ناسِينَ لذِكركم، ولولا ذلك  لَنزلَ بكم اللأواءُ، واصطَلَمكُم الأعداء » (62).

 وفي الرسالة من بيان لطف الإمام عليه السّلام بشيعته ورعايته لهم،  ولَفْته أنظارهم إلى حجم المؤمرات التي يحيكها أعداء الإسلام لهم ما لا  يخفى.

 

 الإمام المهدي عليه السّلام يحضر المواسم مع شيعته

 روى الشيخ الطوسي عن النائب الثاني للإمام المنتظر عليه السّلام: محمّد  بن عثمان العَمري أنّه قال: واللهِ، إنّ صاحب هذا الأمر لَيحضر الموسمَ  ( موسم الحجّ ) كلّ سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويَرَونه ولا يعرفونه(63).

 وفي الحديث دلالة على ارتباط الإمام عليه السّلام بشيعته وحضوره بينهم  في مواسمهم، إلاّ أنّهم يرونه فلا يعرفونه، أي انّ غيبة الإمام عليه  السّلام هي غياب العنوان لا الشخص ـ كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من  لفظ الغيبة.

 

 المنع من التوقيت

 وردت عن أئمّة الهُدى عليهم السّلام روايات كثيرة في المنع من التوقيت،  فقد رُوي أنّ مهزم الأسديّ دخل على الإمام الصادق عليه السّلام فقال  له: أخبِرني جُعِلتُ فداك، متى هذا الأمر الذي تنتظرونه، فقد طال ؟!  فقال عليه السّلام: يا مهزم! كَذِب الوَقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا  المسلِّمون، وإلينا يصيرون(64).

 وروي أنّ الفُضيل سأل الإمام الباقر عليه السّلام: هل لهذا الأمر وقت ؟  فقال عليه السّلام: كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون(65).

 وروي عن الإمام الرضا عليه السّلام في حديثه المعروف مع دِعبِل  الخُزاعي أنّه قال: وأمّا متى يقوم، فإخبارٌ عن الوقت.

 لقد حدّثني أبي،  عن آبائه، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، قال: مَثَلُه كمثل الساعة  لا تأتيكم إلاّ بغتةً(66).

 ولا يتنافى المنع من التوقيت مع وجود علامات لظهور الإمام المهدي عليه  السّلام، فقد وردت أحاديث كثيرة عن الأئمّة الأطهار عليهم السّلام في  علامات الظهور سنتعرّض لذكرها لاحقاً.

 

 فضيلة انتظار الفَرَج

 انتظار الفَرَج من الأمور التي أدّب الأئمّةُ الأطهار عليهم السّلام  شيعتهم عليها.

 وانتظار الفَرَج يعني إعدادَ المسلم نفسه وتزكيتَه لها  وعمله بما يُقرّبه من الله تعالى، فقد روي عن الإمام الباقر عليه  السّلام في قوله تعالى: « اصبِروا وصابِروا وجاهِدوا »(67) قال: اصبروا  على أداء الفرائض، وصابروا عدوّكم، ورابطوا إمامكم (المنتظَر) (68).

 من هنا وصفَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله الثابتين على القول بإمامة  الإمام المهدي عليه السّلام بأنّهم ممّن امتحن اللهُ قلوبَهم  للإيمان(69)، ووصفهم بأنّهم أعزّ من الكبريت الأحمر(70).

 ووجدنا الإمام الكاظم عليه السّلام يقول: « إذا فُقد الخامس من ولد السابع(71)، فاللّه اللهَ في أديانكم لا  يزيلنّكم عنها، فإنّه لابُدّ لصاحب هذا الأمر من غَيبة، حتّى يرجع عن  هذا الأمر مَن كان يقول به، إنّما هي محنة من الله يمحتن اللهُ بها  خلْقَه » ـ الحديث(72).

 ووجدنا الإمام الصادق عليه السّلام يصف انتظار الإمام القائم عليه  السّلام بأنّه ممّا لا يقبل الله عزّوجّل من العباد عملاً إلاّ به، ثمّ  يقول: « مَن سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن  الأخلاق وهو منتظر، فإن ماتَ وقامَ القائم بعده كان له من الأجر مثل  أجر مَن أدركه » ـ الحديث (73).

 

 علامات الظهور

 ورد عن الأئمّة الأطهار عليهم السّلام أحاديث تتضمّن علاماتٍ لظهور  الإمام المهدي عليه السّلام، ومن هذه العلامات: 1 ـ ظهور السُّفياني.

 2 ـ ظهور اليَماني.

 3 ـ الصيحة من السماء.

 4 ـ قَتلُ النفس الزكيّة.

 5 ـ الخَسف بالبَيداء.

 6 ـ ظهور كفٍّ من السماء.

 7 ـ ظهور نار مِن قِبل المشرق.

 8 ـ الدجّال.

 9 ـ خروج الدابّة.

 10 ـ طلوع نجم من المشرق.

 11 ـ نزول عيسى بن مريم عليه السّلام.

 12 ـ كسوف الشمس وخسوف للقمر في شهرٍ واحد.

 ظهور السفياني ذكرت الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السّلام أنّ ظهور السفياني  من المحتوم الذي لابدّ من وقوعه(74)، وأن ظهور الإمام المهدي عليه  السّلام سيعقب ظهور السفياني بتسعة أشهر، فيكون ظهورهما في سنة  واحدة(75).

 أما هويّة السفياني ونعته فقد ورد أنّه من ولد أبي سفيان، وأنّه رجل  ضخم الهامة، بوجهه آثار جُدَري، بعينه نُكتة بَياض(76).

 وأشارت الروايات إلى أن خروج �

  • Currently 16/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 93 مشاهدة
نشرت فى 26 يونيو 2011 بواسطة narjs

ساحة النقاش

خادم بقية الله عج

narjs
وروى ايضا عن عبد الرحمن بن سليط قال: قال الحسين بن علي (ع): منا اثنا عشر مهديا اولهم امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع)، وآخرهم التاسع من ولدي وهوالامام القائم بالحق يحيي اللّه به الارض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

37,631