‫  النفري، فتح أول مدخل للحداثة في الشعر العربي الحديث والمعاصرة

 

فواد الكنجي

 

حين نتحدث عن (النفري، محمد بن عبد الجبار بن حسن) لا بد بدا إن نحيط علما بطبيعة البيئة وتأثيراتها في تكوين شخصيته، ففي القرن الرابع الهجري أي بحدود (913-1010  ميلادي) وهي الفترة التي عاش فيها و كانت الدولة العباسية تحكم البلاد الإسلامية، رغم إن مصادر التاريخ عن حياته قليلة جدا؛ وان كل ما تم معرفته عن الرجل جاء من خلال كتاب (الفتوحات المكية) لـ(ابن العربي، محي الدين) الذي أشار إليه، وان كتاب الوحيد الذي نسب إلى (النفري) جاء من خلال ما جمعة حفيده (أبو عبد الله محمد بن عبد الله) تحت اسم (المواقف والمخاطبات)، بكون (النفري) لم يدون أي حرف منه وهو على قيد الحياة؛ بسبب خشيته بان لا يكون مصيره كمصير(الحلاج) الذي قتل في القرن (الثالث الهجري) بشكل لا يمكن تصويره لبشاعة قتله وبسبب مواقفه وأرائه الصوفية؛ تلك الآراء التي كان (النفري) يؤمن بها؛ ولهذا لم يدون تجلياته.. وفيوضاته.. وشطحاته.. وإشرافاته.. وهي بنفس النمط الروحية التي كان (الحلاج) يكتب فيها،  ولهذا فان جل ما دونه (النفري) من أفكار وفيوضات روحية؛ كتب على قصاصات ورقيه صغيره جمعها - فيما بعد - حفيده في كتاب سماه (المواقف والمخاطبات) - كما ذكرنا -  والكتاب عبارة عن رسالتين هما (المواقف) و(المخاطبات)، و رسالة (المواقف) في هذا الكتاب تتضمن على سبعة وسبعون موقفا، إما (المخاطبات) فتتضمن من ست وخمسون مخاطبة، الذي اكتشفه ونشره المستشرق البريطاني (جون آرثر أربري)  سنة (1934 ميلادية) ثم جاء الأب (بولس انويا) سنة 1973 لينشر ما لم ينشر من رسالتي (المواقف) و(المخاطبات) في كتاب عنونه تحت اسم (نصوص صوفية غير منشورة) .

فـ(النفري) عاش في عصر (الدولة العباسية) التي شهدت تطورات حضارية في شتى مناحي الحياة الثقافية.. والعلمية.. والسياسية.. والاجتماعية.. والاقتصادي؛ لدرجة التي سميت فترتهم بـ(الفترة الذهبية)، لما أولوا خلفائها من دور وأهمية على كل مستويات الحياة وتحديدا في تعميق حب العلم والمعرفة والبحث والترجمة في مجال الأدب والفلسفة والطب والرياضيات والفلك، وذلك  من خلال تأسيس دور الثقافة والمعرفة والعلم، وكان أشهرها دار (الحكمة)، والتي كان مقرها في (بغداد)، وكانت (الدولة العباسية) تقدم منح دراسية مغرية لطالبين العلم والمعرفة والبحوث العلمية؛ ولهذا قامت الدولة برصد كل إمكانياتها المادية والمعنوية في هذا المجال؛ بل قامت بتعيين أشهر العلماء وتوظيفهم في (دار الحكمة) من شتى المنابع والمناهج والعقائد الدينية والفكرية والفلسفية والعلمية والترجمة؛ ليعملوا سوية بروح من المحبة والأمان والسلام؛ من اجل توعية الإنسان وتوسيع مداركه، وكان الخلفاء في (الدولة العباسية) يشجعون تحديدا أعمال الترجمة؛ وتم تقديم منح ومكافأة مجزية لترجمة الإعمال الفلسفية اليونانية؛ وذلك بغية لتكوين مكتبة كبيرة وشاملة لمختلف أنواع المعارف، ومن أوجه اهتمام (العباسيين) في المجالات العلمية والطبية، عملوا على توسيع دائرة المعرفة عبر تطويرهم لتقنيات الطباعة التي استقطبوا فكرتها من الصينيين بعد حرب نشبت بينهم وبين الصين عام 751م .

وفي ظل هذه البيئة التي زخرت بالتطورات على كل المستويات؛ واخذ المجتمع يتوجه نحو المادية بتوسيع نطاق التجارة التي أخذت مداها تتسع مع تطور نمط الحياة والتغيرات المجتمعية؛ فكان بطبعة هذا التطور ما يولد نقيضه في المجتمع، كما حدث في التاريخ الحديث للأمم بعد (الثورة الصناعية) وما أعقبها من تغيرات مجتمعية في نمط الحياة نتيجة تطورات الحاصلة في قرن الثامن والتاسع عشر الميلادي وما بعدها، فكان (الاغتراب) وليد لهذه التطورات سواء في العصور ما بعد (الثورة الصناعية) أو إثناء وما بعد الازدهار في عصر (العباسيين)، فكان (الصوفية) نموذج لهذا (الاغتراب) في عصرهم، لأن من طبيعة أي نزعة تطويرية للإنسان تظهر في المجتمع - كحاصل تحصيل - ما يحرض لولادة نقيضه إلى الظهور، فـ(الصوفية) هي نمط من الغربة والاغتراب وهي نقيض التطور والتوجهات المادية؛ لان نمط الحياة الإسلامية بعد إن أخذت تتوسع الدولة الإسلامية في القرن الثالث الهجري أصبحت عواصمها نقطة تمركز تجارية هائلة؛ وأصبح المال هو دائرة التي تحرك الإنسان نحو الانغماس في الإعمال التجارية والصناعية من اجل كسب مزيد من المال وتوسيع نطق العمل لتجميع الثروات؛ كما حدث في عهد (هارون الرشيد)، ولان نمط الحياة وسياسة الخلفاء كانت تتجه بهذا الاتجاه لبناء قدرات الدولة؛ فان أي تعارض كان يقوم ضد هذا الاتجاه كل محطة استهداف و مراقبة؛ ولهذا كانت (الصوفية) هي أول دائرة منعت أنشطتها في عصر (العباسيين)، وحين نستقصى لبوادر ظهور (الصوفية) فإننا نستشف بكونها ظهرت نتيجة الفساد الذي اخذ يستشري في أركان الدولة الإسلامية ما بعد القرن الثالث الهجري وكان ظهورها رد فعل أخلاقي قبل إن تتجه نحو التقشف والزهد والتمرد عن ما هو يسود في المجتمع من القوى المادية، لان (الصوفية) لا تفهم الحياة إلا من خلال الله بكونها حيث هي الله نفسه، وهو الشعور الذي رسخ مشاعر (الاغتراب) في الذات المتصوفين والابتعاد عن الحياة، ولهذا اعترضوا الفقهاء كل ما ورد في مدونات المتصوفة؛ واعتبروا أفكارهم تكفيرية تخالف العقيدة؛ ولهذا اخذوا يراقبون المتصوفة ويشنون حملات تطهير عنيفة ضدهم؛ وما كان حكمهم الصادر بحق (الحلاج) وقتله بشكل بشع؛ إلا لإسكات كل من يفكر بالاتجاه اتجاها صوفيا في الحياة، فبعد إن سجن (الحلاج) لفترة تجاوزت تسعة سنوات ثم حكم علية بالقتل بتهمة التكفير والزندقة؛ جيئي من سجنه وفي ساحة عامة وإمام جمع من الناس تم جلده إلف سوط؛ وبعد الجلد تم صلبه؛ وبعد انتقال روحه جيء به في اليوم الثاني من بعد موته فتم قطع رأسه ويداه و رجلاه وبعدها تم حرق جسده وقاموا برمي رماده في نهر دجله، ويقال بان رأسه علق على سور الجسر الجديد وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه لتشاهده عامة الناس؛ ويقال بان بعد أمد جمع رأسه و يداه ورجلاه وتم دفنه في القبر المعروف في الجانب (الكرخ) من مدينة (بغداد) والمعروف بمرقد (الحلاج) والذي ما زال قائما إلى يومنا هذا؛ رغم ما يتعرض بين حين وأخر إلى الإهمال ولأسباب عقائدية.

وفعلا بعد قتل (الحلاج) صمت الصوفيون لعدة قرون، ولهذا السبب لم يدون (النفري) أي حرف من تجلياته - كما ذكرنا - خوفا من اعتقاله وقتله؛ لذلك تمسك بالصمت وكتم كل ما في أعماقه خوفا من سلطة وبطش الخلفاء والأمراء ومن أهل الفقه والشريعة، لذلك كان شديد الحذر والتحفظ بآرائه ومعتقداته الصوفية؛ الأمر الذي جعله شخصية مجهولة عند مؤرخي عصره، ولهذا جاءت نافذة أفكاره موجزة ورمزية لتتجه إلى عمق النص الصوفي بإيجاز وبإبهام وتركيز وغموض؛ فقدم تجلياته الروحية بأسلوب مركز وبلغة رمزية جذابة تبعث الروح في داخل النص بشكل غير مباشر، وما عمق أسلوب تحليله وتقديمه لنصوص التي كتبها إلا بداية ونقطة انطلاق لتطوير أساليب (الحداثة) التي طرأت على اللغة العربية في ذلك العصر وما بعده على صعيد الشعر والنثر؛ من حيث الجوانب الفنية وتحديدا في (الشكل) و(المضمون)، فاتجهت نصوص صياغة شتى صنوف الأدب المعروفة - آنذاك - باتجاه الصور الفنية.. والخيال.. والفكر.. واللغة.. والى تعبيرات معاصره غير مألوفة في الشعر ومغايرة عن الشعر التقليدي المعروف منذ (العصر الجاهلي)، وهذا الاتجاه المتطور والغير التقليدي ساد و ورد في قصائد اغلب شعراء هذا العصر؛  إي في (العصر العباسي)، حيث تطورت الصياغات الشعرية بشكل ملحوظ نتيجة طبيعة التغيرات المجتمعية التي حدثت في هذا العصر باختلاط الثقافة العربية بغيرها من ثقافات الأمم التي تم انضمامها تحت حكم (الدولة العباسية)؛ وهذا ما اثر تأثيرا كبير في مفردات اللغة العربية؛ الأمر الذي وسع أفاق اللغة الشعرية من حيث إغراضه.. وأساليبه.. وفنونه.. وبلاغته.. وهو ما ابعد الشعر عن الصياغات التقليدية واخذ الشعراء يستخدمون الألفاظ والتشبيهات خارج المألوف ليدخل الشعر العربي مرحلة من تطور ملحوظ في (الشكل) و(المحتوى)، ولهذا اتجه النص الشعري - وخاصة عند الشعراء الصوفية - إلى عدة اتجاهات ومنها كان الاتجاه التجريدي.. والرمزي.. والإيحائي، وهذه ما قاد النص ليخرج بشكل (غامض) و(مبهم) لاعتماد النص على الصور مختلطة بين ما هو في (الذهن) وما هو في (الخيال)، وهذا ما نجده في نص (النفري)؛ رغم إن (الحلاج) سبقه بهذا التميز حيث (الرؤية) و(الخيال) و(الذهن)، وهو ما يميز نص (النفري) أكثر من الأفكار ألمقدمة، وهذه السمات هي سمات (الحداثة الشعرية) المندمجة بين (الرؤية) و(الخيال) و(الفكر) الغير المرتبط بموضع موحد؛ فيأتي مبعثرا بمفردات ورموز تلمح من البعيد إلى الموضوع ذاته، وهذا نمط من الأسلوب هو ما نلتمسها في (الشعر الحديث) الذي يتميز بـ(التجريد) و(الرمزية) و(الإيحاء)، وهي إشارات التي تقود النص إلى ركائز دلالة لاستنباط المعاني المتعلقة بين العلة والمعلول، ولهذا فان (الصوفية) رفدت (الشعر العربي الحديث) بكثير من هذه المميزات، حيث استنبط منها تعبيرات حداثية في الضياع.. والاغتراب.. والهروب.. واللا جدوى.. والخيال.. والتيه.. والصمت المفعم بالرمز.. والحديث الغامض .. والهذيان الذي لا يشير إلى معنى بقدر ما يوحي إلى معاني لا حدود لها لكي تبقى تنمو مع النص، فـ(الغموض الصوفي) هو في متن النص (الشعر العربي الحديث) يربط بين المتناقضات والمعاني الضبابية وبين الموت والحياة.. والليل مع النهار.. والصمت مع الكلام.. واليأس والأمل، فهذه الرؤية الصوفية معبئة بالإتعاب تتكئ على ضياع الإنسان وهي كرؤية (الشعر العربي الحديث والمعاصر) في عصر (ما بعد الحداثة)، رؤية الحياة والعالم ونظرة إلى الزمن والغموض وعبء الذات التي تبحث تارة عن الحوار بـ(رؤية ميتافيزيقية) وتارة أخرى بـ(رؤية وجودية)، وهذا ما أعطى لـ(الشعر العربي الحديث) رؤية فنية نابعة من (الرمز) و(الخيال)، ليعبر الشعر عن مكنونات الذات الوجدانية والروحية وبإبعاد صوفية للشاعر؛ لان عالم الشعر هو عالم شبيه بالصوفية؛ ولكن بنمط أخر في طبيعة الفهم لأدراك إسرار العالم والكون؛ وهذا ما قاد الشعر إلى الغموض لان الشاعر لجئ إلى الإيحاءات.. والرموز.. والخيال.. وتجريد.. لعدم كشف ما يجول في أعماقه ولأسباب كثيرة كالصوفية، ولهذا اتجهت قصائد (الشعر العربي الحديث) إلى إسهاب في الغموض كتجليات صوفية وكنوع من أنواع اغتراب الروح؛ وهذا الغموض أصبح سمة الهروب اللغة الشعرية إلى الإمام؛ ليتم البحث عن دلالاتها وفق نمط ثقافة المتلقي، وهنا فان ليس هناك في اللغة الشعرية شيء اسمه (الغموض) بقدر ما يتعلق أمره بصعوبة فهم مدارات الروحية التي انطلق النص منها؛ وهذا ما يقود إلى بذل جهد من المتلقي ليصل إلى ما وهو المقصود.. وقد لا يصل ......!

لذا فان ممهدات لهذه (الحداثة) التي يشهدها عصرنا الحالي؛ هي آتية من خلال تأثيرات فكرية التي طرأت على طبيعة القصيدة في الشعر العربي في (العصر العباسي) نتيجة لتطورت الحاصلة على كل مناحي الحياة - كما ذكرناها -  ولهذا فان الشعراء في هذا العصر اخذوا يتحررون من القيود الشعرية التقليدية وان لم يكن بشكل الذي هو الحال علية (الشعر المعاصر) ولكن في زمانها كانت تغييرا نوعيا من حيث (الشكل) و(المضمون) وضمن أيطار اللغة والمفردة الشعرية ذات الدلالة والبعد الواحد؛ مستعين بمفردات تواكب تجليات الشاعر؛ فلم يعد الشعر يتداول المفردات التقليدية للشعر القديم بل استحدثوا مفردات شفافة قادرة على التماس بوجدان الشاعر والمتلقي، لتكون مفرداته قادرة لكشف والتماس والمناجاة والوصف بإبعاد نفسية وروحية لم يبلغها الشعر من قبل، كما نلتمس ذلك في أشعار (أبو فراس الحمداني) و (المتنبي) و(أبو العلاء المعري) و(أبو نواس) و(ابن الرومي) و(أبو تمام) و(بشار بن برد) و(الشريف المرتضى) و(أبو العتاهية) و(البحتري) و(بهاء الدين زهير) و(الحلاج) وغيرهم وهم من الشعراء (العصر العباسي) .

وضمن هذه البيئة كانت (الصوفية) في القرن الثالث والرابع الهجري تتأثر تأثيرا كبيرا بالمفردة الشعرية التي كانت تواكب (حداثة ذلك العصر)؛ فجاءت المفردات (الصوفية) بعيدة عن قواعد الأصولية والنظم التقليدية في لغة الشعر؛ تحمل تصالحها مع روحها.. ومنصهرة في غربة ذاتها.. وتحمل سموها في روح الشاعر الصوفي، لتكون تجليات (الشعر الصوفي) نموذجا أخر لـ(الحداثة الشعرية) آنذاك؛ والتي نرى تأثراته في (الشعر الحديث والمعاصر) كقيمة لغوية لا يمكن تجاوزها في (الشعر العربي الحديث) خاصة المفردة الشعرية لـ(الحلاج) والتي تأثرا بها (النفري) وصاغ أسلوبه بمنهجه الصوفي؛ فاحدث الأخير طفرة كبيره بأسلوب (الحداثة) وبنوع المفردة.. والإيحاء.. والرمز.. والتأويل.. والخيال.. ليرتقي بالتعبير إلى مستوى (جماليات البلاغة) أثرت بنوعيتها على (الشعر العربي الحديث) فواكبها بما تحمل من صور بلاغية مدهشة بالغرابة والذهول تحمل في متنها تقاطع وتناقض وبانطلاق روحي حر وبما يعبر عنه العقل اللاواعي مطلقا العنان للخيال ليعبر بتلقائية عن فلسفة تجريد مبتعدا عن تحديد أي نص يتصل بالديانات السماوية سواء لليهودية أو المسيحية أو الإسلامية - إلا ما ندر-  بقدر ما اعتمد على (الوقفة) و(الرؤية) وهذه الإشارات كلها تبحث عن حقيقة الإنسان الباطنية والمعنوية بغية الوصول إلى الحقيقة دون ذكر التسميات. فـ(الوقفة) عند (النفري) جاء في كتابه الأول (المواقف)، حيث (( يبدأ كل فصل بقوله: (أوقفني) ويردفها بقوله:( قال لي )، وكأنه يتلقى الخطاب الإلهي بعد أن يتم حال الوقف ويتهيأ للإنصات؛ وأن دلالة مقام (الواقفة) تشير إلى أن المعنى يصبح ملكا لله وحده لا غير، ظاهريا وباطنيا ويطبق كل الشروط المتعلقة بتكامله داخل هذا المقام .

إما (الرؤيا) فهي آخر أبواب (الواقف) في سلم المعنى الذاتي الإلهي؛ ومفتاح (الرؤيا) هي اللحظة المطلقة بلا ذاكرة ولا عنوان ولا تسميات، فهي القدرة الذاتية والكمالية لاختراق كل شيء و سلب شيئته، وإزاحة كل الحجب والموانع والأستار وكل غيرية وسوائية عن ذاتها المستقلة، فمن خلال (الرؤيا) يستطيع (الواقف) أن يرى كل شيء من وراء كل شيء، وأن يرى الحقيقة الإلهية من وراء كل الأشياء .

أما المخاطبات، فهي في حال أدنى، حيث يصبح (النفري) هنا في حال العبد، وتبدأ كل من كلماته بـ(يا عبد) وهنا يبدو القائل والمخاطب، كما أن للمسألة وجها آخر، حيث يأخذ (النفري) موقف المخاطب، فكأنه يأخذ مكان (الله) وهو يخاطب عبيده..)) .

 وهنا لا أتوسع في تفاصيل الطرق التصوفية و فيوضاتهم وإشراقاتهم وتجلياتهم؛ بقدر ما نويت توضح بهذا الوجيز من الكلام عن التفسير الصوفي لمضامين الكتاب (المواقف والمخاطبات)، لان مجال الحديث في هذا المقال يقتصر إلى تسليط الضوء عن (المفردة الشعرية) التي وردت في هذا الكتاب والتي كان لها تأثيرا كبيرا على (الحداثة الشعرية) في (الشعر العربي الحديث والمعاصر) ومنه (الشعر هايكو)، ومن ذلك سأختار بعض من هذه النماذج التي دونت في كتاب (النفري) والمعنون بـ(المواقف والمخاطبات) ونأخذ منها :

 ((.. أوقفني في القرب وقال لي: ما من شيء أبعد من شيء ولا من شيء أقرب من شيء إلا حكم إثباتي له في القرب والبعد..)) .

((.. وقال لي: إن لم تظهرني على لسانك لم أنصرك على عدوك ..)) .

((.. وقال لي: إذا لم أوت عبدي من كل شيء فليس هو عبدي الفارغ وإن تفرغ مما أتيته لأنه قد بقي بيني وبينه ما لم أؤته وإنما عبدي الفارغ إلا مني فهو عبدي الذي آتيته من كل شيء سببا وأتيته منه علما وأتيته منه حكما فرأى الحكم جهرة ثم تفرغ من العلم وتفرغ من الحكم فألقاهما معاً إلي فذاك هو عبدي الفارغ من سواي.. )) .

((.. وقال لي : بين النطق والصمت برزخ فيه قبر العقل وقبور الأشياء..)) .

((.. كلما اتسعت الرؤيا , ضاقت العبارة.. )) .

 ((.. أوقفني في قف وقال لي: إذا قلت لك قف فقف لي لا لك ولا لأخاطبك ولا لآمرك ولا لتسمع مني ولا لما تعرف مني ولا لما لا تعرف مني ولا لأوقفني ولا وليا عبد قف لا لأخاطبك ولا تخاطبني بل أنظر إليك وتنظر إلي فلا تزل عن هذا الموقف حتى أتعرف إليك وحتى أخاطبك وحتى آمرك فإذا خاطبتك وإذا حادثتك فابك إن أردت علي البكاء وإن أردت على فوتي بخطابي وعلى فوتي بمحادثتي..)) . 

((.. وقال لي: إذا قلت لك قف فوقفت لا لخطابي عرفت الوقوف بين يدي وإذا عرفت الوقوف بين يدي حرمتك على سواي وإذا حرمتك على سواي كنت من أهل صيانتي..)) .

((.. وقال لي: إذا عرفت كيف تقول إذا قلت لك قف لي فقد فتحت لك الباب إلي فلا أغلقه دونك أبدا وأذنت لك أن تدخله إلي فلا أمنعك أبدا فإذا أردت الوقوف لي فاستعمل أدبي ولك أن تدخل متى شئت وليس لك أن تخرج إذا شئت فإذا دخلت إلي فقف ولا تخرج إلا بمحادثتي وبتعرفي فما لم أحادثك وما لم أتعرف فأنت في المقام مقام الله وإذا تعرفت إليك فأنت في مقام المعرفة.. )) .

((.. وقال لي: إذا قلت لك قف لي فعرفت كيف تقف لي فلا تخرج عن مقامك ولو هدمت كل كون بيني وبينك فألحقك بالهدم فاعرف هذا قبل أن تقف لي ثم قف لي فلا تخرج أو أتعرف إليك بما تعرف مني..)) .

((.. وقال لي: لو جاءك في رؤيتي هدم السموات والأرض ما تزيل ولو طار بك في غيبتي طائر بسرك ما ثبت ذلك لتعلم قيوميتي بك واستيلائي عليك..)) .

((.. وقال لي: أيهما تسألني الرؤية لا عن المسألة أم الغيبة على المسألة الغيبة قاعدة ما بين وبينك في إظهارك..)) .

((.. وقال لي: ألا تعلقت بي في الوارد كما تتعلق بي في صرفه..)) .

((.. وقال لي: التعلق الأول بي والتعلق الثاني بك..)) .

((.. وقال لي: التعلق بي في الوارد لا يصرفه لا لإقراره ولا لمكثه ولا لزواله..)) .

((.. وقال لي: قل يا من أورده أشهدني ملكوت برك في ذكرك وأذقني حنان ذكرك في إشهادي فأرنك مثبتا حتى تقوم بي رؤيتك في إثباتك ووار عني ما ارتبط بالثبت مني ومنه وناجني من وراء ما أعلمتني حتى أكون باقيا بك فيما عرفتني وسر بي إليك عن قرار ما يستقر به وصفي بوصفي ونادني يا عبد سقطت معرفة سواي فما ضرك ثبت تعرفي لك هو حسبك..)) .

((.. وقال لي: العالم يخبر عن الأمر والنهي وفيهما علمه والعارف يخبر عن حقي وفيه معرفته والواقف يخبر عني وفي وقفته..)) .

((.. أوقفني في نور وقال لي: لا أقبضه ولا أبسطه ولا أطويه ولا أنشره ولا أخفيه ولا أظهره وقال: يا نور انقبض وانبسط وانطو وانتشر وأخف وأظهر فانقبض وأنبسط وانطوى وانتشر وخفي وظهر ورأيت حقيقة لا أقبض وحقيقة يا نور انقبض..)) . 

((.. وقال لي: ليس أكثر من هذه العبارة فانصرف فرأيت طلب رضاه معصيته فقال لي: أطعني فإذا أطعتني فما أطعتني ولا أطاعني أحد فرأيت الوحدانية الحقيقية والقدرة الحقيقية فقال: غض عن هذا كله وانظر إليك وإذا نظرت إليك لم أرض وأنا أغفر ولا أبالي..)) .

((..  لا يوجد في حضر الله غير الله، فمن كان في حضر الله غاب عند كل شي وغاب عنه كل شي غير رب الأشياء..)) .

((..  يا عبد من رآني قر إلي ومن قر إلي قر في الوجد بي ومن لم يرني فلا قرار له أين يقر..)) .

(( .. في بحر ولم يسمه وقال لي: لا اسميه لأنك لي لا له وإذا عرفتك سواي فأنت..)) .

(( .. أجهل الجاهلين والكون كله سواي فما دعا إلي لا إليه فهو مني فإن أجبته عذبتك ولم أقبل ما تجيء به وليس لي منك بد وحاجتي كلها عندك فاطلب مني الخبز والقميص فإني أفرح وجالسني أسرك ولا يسرك غيري وانظر إلي فإني ما أنظر إلا إليك وإذا جئتني بهذا كله وقلت لك إنه صحيح فما أنت مني ولا أنا منك..)) .

(( .. وقال لي اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح، وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه، وإذا خرج فلا تمده، وافرح فإني لا أحب إلا الفرحان، وقل لهم قبلني وحدي وردكم كلكم، فإذا جاؤوا معك، قبلتهم ورددتك، وإذا تخلفوا عذرتهم ولمتك، فرأيت الناس كلهم براء..)) .

(( .. وقال لي العلم الذي ضده الجهل علم الحرف، والجهل الذي ضده العلم جهل الحرف، فاخرج من الحرف تعلّم علمًا لا ضد له، وهو الرباني, وتجهل جهلاً لا ضد له، وهو اليقين الحقيقي..)) .

((.. قال لي التقط الحكمة من أفواه الغافلين عنها كما تلتقطها من أفواه العامدين لها، انك تراني وحدي في حكمة الغافلين لا في حكمة العامدين..)).  

((..  وترى النار تقول ليس كمثله شيء، وترى الجنة تقول ليس كمثله شيء، وترى كل شيء يقول ليس كمثله شي..)) .

((..  وقال لي: لا يكون المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء..)) .

((..  وقال لي: من لم يرني من وراء الضدين رؤية واحدة ما رآني..)) . ((..وقال لي: نم لتراني، فإنك تراني؛ واستيقظ لنراك، فإنك لا تراني..)) .

((..  القلب يتغير وقلب القلب لا يتغير والحزن قلب القلب..)) .

((..  وقال لي اعرف من أنت فمعرفتك من أنت هي قاعدتك التي لا تتهدم وهي سكينتك التي لا تزل..)) .

((.. وقال لي: القرب الذي تعرفه مسافة، والبعد الذي تعرفه مسافة، وأنا القريب البعيد بلا مسافة..)) .

((..  ومعرفتك بالبلاء بلاء، وإنكارك للبلاء بلاء..)) .

((..  يا عبد.. شيء كان، وشيء يكون، وشيء لا يكون. فشيء كان: حبي لك، وشيء يكون: تراني، وشيء لا يكون: لا تعرفني معرفة أبدا..)) .

((..  وقال لي حسن الظن طريق من طرق اليقين..)) .

((..  وقال لي: سر، فأنا دليلك إلي..)) .

(( .. وقال لي: انظر بعين قلبك إلى قلبك، وانظر إلى بقلبك كله..)) .

(( .. إنما أُحادثك لترى؛ فإذا رأيت، فلا حديث..)) .

(( .. أوقفني في الصفح الجميل وقال لي: لا ترجع إلى ذكر الذنب فتذنب بذكر الرجوع.. )) .

(( .. وقال لي: اخرج إلى البرية الفارغة واقعد وحدك حتى أراك فإني إذا رأيتك عرجت بك من الأرض إلى السماء ولم احتجب عنك..)) .

((..  وقال لي: ليس الكاف تشبيها هي حقيقة أنت لا تعرفها إلا بتشبيه..)) .

((..  وقال لي: اعرض نفسك على لقائي في كل يوم مرة أو مرتين وألق ما بدا كله والقني وحدك كذا أعلمك كيف تتأهب للقاء الحق..)) .

((..  يا عبد من رآني عرفني وإلا فلا، من عرفني صبر علي وإلا فلا..)) .

((.. وقال لي الدنيا لمن صرفته عنها وصرفتها عنه، والآخرة لمن أقبلت بها إليه وأقبلت به علي..)) .

(( .. وقال لي اذكرني مرة أمح بها ذكرك كل مرة..)) .

((..   أوقفني في البحرِ فرأيت المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح؛ وقال لي: لم يسلم من ركب.. وقال لي: خاطر من ألقى بنفسه ولم يركب.. وقال لي: هلك من ركب وما خاطر.. وقال لي: في المخاطرة جزء من النجاة ..)) .

((..  وقال لهم: لا تخرجوا قلبا عن حد معرفته، فإن أخرجتموه عنها فلا تردوه، فإن رجع هو فلا تمنعوه، ومن أخرجتموه فاصحبوه حتى يصل إلى ما أخرجتموه إليه ..)) .

(( .. وقال لي: سد باب قلبك الذي يدخل منه سواي، لأن قلبك بيتي.. )) .

(( .. غششتك إن دللتك على سواي.. )) .

((..  وقال لي: آليت لا أقبلك وأنت ذو سبب أو نسب.. )) .

((.. وقال لي: لا يجاورني وجد بسواي.. )) .

(( .. أوقفني في ما يبدو فرأيته لا يبدو فيخفى ولا يخفى فيبدو ولا معنى فيكون معنى.. )) .

(( ..  إن عرفتني بمعرفة أنكرتني من حيث عرفتني -من سألك عني فسله عن نفسه فان عرفها فعرفني عليه -المعرفة نار تأكل المحبة لأنها تشهدك حقيقة الغنى عنك.. )) .

((..  وقال لي إذا رأيتني فاعرض عمن اعرض عنك واقبل إليك.. )) .

((..  وقال لي القراء ثلاثة فقارئ عرف الكل وقارئ عرف النصف وقارئ عرف الدرس..)) .

((..  وقال لى اعرف من أنت فمعرفتك من أنت هي قاعدتك التي لا تتهدم و هي سكينتك التي لا تزل.. )) . 

((.. وقال لي بيتك هو طريقك، بيتك هو قبرك، بيتك هو حشرك ، انظر كيف تراه، كذا ترى ما سواه..)) .

((..  وقال لي الدنيا لمن صرفته عنها وصرفتها عنه، والآخرة لمن أقبلت بها إليه وأقبلت به علي..)) .

((..  وقال لي: أنا الذي أثبتك فبي ثبت وأنا الذي أسمعتك فبي سمعت وأنا لا سواي فيما لم أبد وأنا لا سواي فيما أبدي إلا بي..)) .

((..  وقال لي : وزن معرفتك كوزن ندمك..)) . 

((..  وقال لي : فتحت لكل عارف محق بابا إلي فلا أغلقه دونه فمنه يدخل ومنه يخرج وهو سكينته التي لا تفارقه..)) .

((..  وقال لي:   يا صاحب العبادة الوجهية وجه وجهك إلي وجه وجه همك إلي وجه وجه قلبك إلي وجه وجه سمعك إلي وجه وجه سكونك إلي.. )) .

((.. وقال لي: ما كل عبد يعرف لغتي فتخاطبه، ولا كل عبد يفهم ترجمتي فتحادثه.. )) .

((..  وأوقفني في الحزن، وجاءني بكل حزين فرأيت حزن كل حزين على فوته، لا على شيء منه، ولا على شيء به ولا على شيء له. ورأيت.. )) .

((.. وقال لي لولاي ما أبصرت العيون مناظرها، ولا رجعت الأسماع بمسامعها..)) .

((..  يا عبد.. شيء كان, وشيء يكون, وشيء لا يكون،

 فشيء كان : حبي لك

 وشيء يكون : تراني

وشيء لا يكون : لا تعرفني معرفة..)) .

ومن خلال هذه النماذج التي اخترناها فان تأملنا بنصوصها سنكتشف حجم البلاغة والقدرة الإبداعية في (اللغة) من جهة، ومن جهة أخرى في (اللغة الشعرية) المستحدثة قياسا للفترة التي كتبت فيها، حيث كان الشعر العربي آنذاك يكتب بقوالب الصدر.. والعجز.. والوزن.. والقافية، بينما ما كتبه (النفري) بعيدا عن هذه القوالب، فلو أخذنا هذه المقاطع مما قاله (النفري) والتي ذكرناه أنفا؛ وسأكتبها بطريقة (حداثية) كما اليوم تكتب قصائد (الشعر العربي الحديث)؛ لأن ما ورد عن (النفري) من نصوص؛ ورد وكتب بشكل نثري وبدون أي تقييد بصيغ الشعر التقليدي المعروف آنذاك من حيث الصدر.. والعجز.. والوزن.. والقافية، وسنلاحظ بأننا حقيقة إمام نصوص شعرية حديثة ومعاصرة ، حيث مفرداتها.. وصياغتها.. واختزالها.. وخيالها.. وتلاعب بالمفردات.. ورمزيتها.. ولغزها.. وإيحائها.. والمعنى الباطني المراد منها، وهذا ما قاد النص إلى (الغموض) كما هو الغموض في (الشعر الحديث) الذي استنبط الكثير من محتوياته الشكلية من نصوص (النفري)، بل إن نصوص الشعر المسمى بـ(الشعر الهايكو) هو الأكثر تأثيرا إن لم نقل انه يتطابق من حيث (الشكل) و(المحتوى) بصياغات (النفري)،  بل إننا نجد نصوص (النفري) بأنها اقرب بكثير من نصوص الشعر (الهايكو).

 ولتوضيح الفكرة أكثر سأقتطف بعض من نصوص (النفري) وسأكتبه بطريقة (الشعر الحديث) والشعر (الهايكو)  لنلاحظ ما ذكرناه:  

((.. بيتك هو طريقك..

 بيتك هو قبرك..

 بيتك هو حشرك..

 انظر كيف تراه.......!

 كذا ترى ما سواه ..))  .

 

ومقطع أخر:

((..القلب يتغير..

 وقلب القلب لا يتغير..

 والحزن،

 قلب القلب ..)) .

 

ومقطع أخر:

((.. القرب الذي تعرفه مسافة..

والبعد الذي تعرفه مسافة..

 وأنا القريب البعيد

بلا مسافة..)) .

 

ومقطع أخر:

شيءٌ كان..

 وشيء يكون..

 وشيء لا يكون.

 فشيء كان: حبي لك

 وشيء يكون: تراني

 وشيء لا يكون: لا تعرفني معرفة أبدا..)) .

 

وأيضا نختار:

((..اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح..

 وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه..

 وإذا خرج فلا تمده..

 وافرح،

 فإني لا أحب إلا الفرحان..

 وقل لهم:

 قبلني وحدي وردكم كلكم..

 فإذا جاؤوا معك،

قبلتهم ورددتك..

وإذا تخلفوا عذرتهم ولمتك..

 فرأيت الناس كلهم براء.....))  .

 

وأيضا نذكر:

((..نم لتراني..

فإنك تراني

 واستيقظ لنراك..

 فإنك لا تراني..)) .

 

وأيضا نذكر:

((.. لا أقبضه.. ولا أبسطه.. ولا أطويه.. ولا أنشره.. ولا أخفيه.. ولا أظهره..

 وقال:

يا نور انقبض وانبسط..

وانطو وانتشر..

وأخف وأظهر ..

فانقبض.. وأنبسط.. وانطوى.. وانتشر..

وخفى وظهر

 ورأيت حقيقة لا أقبض

وحقيقة يا نور انقبض.. )) .

 

 وإذ ما أخذنا مقاطع من (الشعر الحديث) سنلاحظ حجم تأثير (الحداثة) بأسلوب (النفري) في صياغة العبارات.. والمفردات.. والرمز.. والإيحاء.. والتأويل والتناقض.. والتلاعب بالمفردات من حيث التقديم والتأخير.. والإيحاء.. والمعنى الباطني للمفردة .

 فمن قصيدة (أولد واحترق) لشاعر (عبد الوهاب ألبياتي) حيث يقول:

((.. تستيقظ (لارا) في ذاكرتي

قط  تتريا

تربص بي ..يتمطى.. يتثاءب

يخدش وجهي المحموم ويحرمني النوم

أراها في قاع جحيم المدن القطبية

 تشنقني بضفائرها

 وتعلقني مثل الأرنب فوق الحائط مشدودًا في خيط دموعي ..)) .

 

اما من شعر (محمد الماغوط ) فاخترنا من قصيدة (وطني) هذا المقطع:

((.. أحب التسكع

والبطالة

ومقاهي الرصيف

ولكنني أحب الرصيف أكثر ..

أحب النظافة والاستحمام

والعتبات الصقيلة وورق الجدران

ولكني أحب الو حول أكثر..)) .

 

اما من الشاعر (صلاح عبد الصبور) اخترنا من قصيدة (مرثية رجل تافه) هذا المقطع:

((..مضت حياته...كما مضت

ذليلة موطاة

كأنها تراب مقبرة

وكان موته الغريب باهتا..

مباغتا

الميتة المكررة

كان بلا أهل..بلا صحاب ..)) .

 

إما الشاعر (بدر شاكر السياب) فمن قصيدة (أنشودة المطر) اخترنا:

((..عيناك غابتا نخيل ساعةَ السحر

او شرفتان

راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان

 تورق الكروم

وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهر

يرجه المجداف

 وهنا ساعة السحر

كأنما تنبض في غورهما، النجوم

وتغرقان في ضبابٍ من أسى شفيف

كالبحر سرح اليدين فوقه المساء

دفء الشتاء فيه

 وارتعاشه الخريف

والموت.. والميلاد.. والظلام.. والضياء

فتستفيق ملء روحي،

رعشة البكاء

ونشوة وحشية تعانق السماء

كنشوة الطفل

إِذا خاف من القمر..)) .

 

ومن الشاعر (بلند الحيدري) اخترنا من قصيدة (عبث) هذا المقطع:

(( .. وستبتغين ... وترفضين

وستضحكين ... وتحزنين

ولكم سيحملك الخيال

لكن.. هناك

هناك في العبث الذي لا تدركين

ستظل ساعتك الأنيقة

تلهو بأغنية عتيقة

ولن تري

ما تبرين

ستتكتك اللحظات فيها كل حين

ستتكتك اللحظات

text-align: justify; text-justify: kashida; te

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 5 مشاهدة
نشرت فى 23 سبتمبر 2019 بواسطة nargal

فواد الكنجي

nargal
موقع ثقافي يهتم بنشر الفلسفة وفنون الاداب من النقد والشعر والفن التشكيلي »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

821