المقدمة
لقد شاع في الآونة الأخيرة استخدام مصطلح الدول الفاشلة، خاصةً عند وصف أوضاع دول ما بعد الربيع العربي، وما آلت إليه المراحل الانتقالية التي تمر بها تلك الدول. وقد اجتهدت الكثير من الجهات في تطوير مقاييس ومؤشرات لقياس درجة فشل الدول، ولعل المقياس الأشهر والأكثر انتشارًا هو مقياس الدول الفاشلة الصادر عن وقفية السلام الذي تنشره مجلة "الفورين بوليسي" الأمريكية في عدد يوليو من كل عام.
وتعود شهرة هذا المقياس إلى عدة اعتبارات، أهمها: الاستمرارية التي يتسم بها هذا المقياس، فمنذ عام 2005 وتصدر وقفية السلام ترتيب الدول الفاشلة حول العالم كل عام بلا انقطاع، وقدرته على التأثير على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة خاصة، بالإضافة إلى متابعة النخب السياسية والأكاديمية له كل عام، فضلا عن أن المقياس قد استطاع إدخال تعديلات كثيرة على عمله، بحيث تضمن عددًا أكبر من حالات القياس، واستطاع تقديم توضيحات أكثر دقة لنقاط الضعف وبؤر التوتر السوسيواقتصادية والسياسية الكامنة في الدول والتي قد تفسر حالة عدم الاستقرار في أي دولة بشكل أكثر تفصيلا.
تعريف الدولة الفاشلة
ويتم تعريف فشل الدولة بشكل نظري باعتباره عدم قدرة الدولة على القيام بوظائفها التي لا يمكن لجهة أخرى القيام بها، أي تعجز عن أن تقوم بإنتاج عوامل استمرارها في إطار حدودها الجغرافية المعترف بها، وغالبًا ما يأتي فشل الدول على أصعدة متوازية، لا يمكن الإمساك بأيهما السبب وأيهما النتيجة، بحيث يصبح الفشل على الصعيد الاجتماعي سببًا لفشل على الصعيد الاقتصادي، وعليه تفشل المؤسسات السياسية في تدارك الفشل المترتب على الصعيدين السابقين، لتتصاعد احتمالات تدخل قوى خارجية في الدولة.
وقد تبدأ دائرة الفشل بالعكس، بحيث تكون العوامل الخارجية هي نقطة البداية في حلقة الفشل، فإما أن تتسبب العوامل الخارجية فيه، أو أن تعزز عوامل الفشل الكامنة داخل الدولة فتظهر أعراضها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمؤسساتية، وتعتبر هذه النظرة نظرة واسعة فضفاضة تتضمن جوانب ومجالات متعددة ومتشابكة مما يضمن الحكم بالفشل على أي دولة، وهو بذلك يصبح لفظًا تحكميًّا غير موضوعي، فظهرت من هنا أهمية أن يتم تصميم مؤشرات قابلة للقياس تستطيع تقديم صورة أكثر تفصيلا لحالة الفشل تسمح بالحكم على شكل ودرجة ونمط الفشل الذي تعاني منه كل دولة.
ويتم قياس فشل الدولة وفقًا لحزمة رئيسية من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي تنقسم بدورها إلى أكثر من 100 مؤشر فرعي دال عليها، ويتم وفقًا لها تحليل الأحداث التي تشهدها الدول لفترة عام كامل، وتغطي نتائج المقياس المنشورة لعام 2013 الأحداث التي شهدتها الدول محل القياس خلال الفترة من 31 ديسمبر 2012 إلى 31 ديسمبر 2013، وثمة فرق بين ترتيب الدولة على نتائج المقياس وحاصل مجموع المؤشرات، فكلما زاد الرقم الذي حصلت عليه الدولة فإن ذلك يعني درجة أعلى من عدم الاستقرار، الأمر الذي يدفع بها إلى مقدمة قائمة الدول الفاشلة، فقد تشترك أكثر من دولة في نفس المجموع ولكن في كل حالة تختلف الأوزان النسبية للمؤشرات بما يرسم ملامح إخفاق متفردة في كل حالة من حالات الفشل.
وتعتمد عملية القياس بشكل أساسي على تجميع ملايين الأخبار والتقارير المنشورة يوميًّا في أنحاء العالم حول الدول محل القياس (178 دولة) باعتبارها قاعدة البيانات الأصلية، والتي يقوم بقياسها وتصنيفها وفقًا لمجموعات المؤشرات ليحصل على مجموع رقمي لكل دولة يعتبر هو أساس ترتيبها في نتائج المقياس، وبهذا الشكل يقوم المقياس بتحويل كم هائل من الأخبار والتقارير حول الأحداث التي تشهدها الدول محل القياس إلى معلومات دقيقة بغية رسم نمط واضح لكل دولة يبرز نقاط الضعف، ويشير بوضوح إلى أكثر القضايا إلحاحًا والقابلة للانفجار.
المؤشرات التفصيلية لفشل الدولة:
وتتمثل المؤشرات الرئيسية للحكم على فشل الدولة فيما يلي:
- المؤشرات السياسية والأمنية: قياس درجة شرعية ومصداقية نظام الحكم، تراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة، تعطيل أو تعليق تطبيق حكم القانون وانتشار ممارسات انتهاك حقوق الإنسان، تنامي حالة من ازدواجية المسئولية الأمنية بحيث تتمتع جهة بسلطة تضاهي سلطة الدولة، وجود حالة من عدم استقرار سياسي خاصة على المستوى المؤسساتي، تزايد حدة التدخل الخارجي سواء من جانب دول أو فاعلين من غير الدول.
المؤشرات الاقتصادية: عدم انتظام معدل التنمية الاقتصادية، استمرار تدهور وضع الاقتصاد الوطني بدرجات تدريجية متفاوتة أو حادة، بالإضافة إلى ازدياد معدلات الفساد وانتشار المعاملات العرفية.
- المؤشرات الاجتماعية: تصاعد الضغوط الديموجرافية، ويعبر عنه ارتفاع كثافة وحجم السكان في الدولة، وانخفاض نصيب الأفراد في المجتمع من الاحتياجات الأساسية، تزايد حركة اللاجئين بشكل كبير إلى خارج الدولة، أو تهجير عدد من السكان في منطقة داخل الدولة بشكل قسري، وجود إرث عدائي لدى أفراد الشعب، انتشار ظاهرة هروب العقول والكفاءات.
ولا يعني اتسام دولة بالفشل ضرورة اتسامها بكل المؤشرات بدرجة عالية، وإلا أنذر وضعها بكارثة أكيدة، ولكن لكل دولة نمط، بحيث يوجد دول تشمل بعض هذه المؤشرات دون الأخرى، وبعض الدول تشمل كل هذه المؤشرات ولكن بدرجات مختلفة، أي لكل مؤشر حدته، وهذه الأنماط المختلفة تجعل كل دولة متفردة في وضعها قياسًا بمؤشرات الفشل، بحيث تقدم كل دولة حالة من الفشل مختلفة عن الأخرى بالنظر إلى منظومتها التاريخية والقيمية

