أعرب الرئيس حسني مبارك عن أمله في أن يسفر مؤتمر شرم الشـيخ الدولي لدعم الاقتصاد الفلسطيني لاعادة اعمار غزة عن نتائج ايجابية تسهم في دعم الاقتصاد الفلسطيني من أجل اعمار غزة.. مؤكدا أن هذا الهدف يمثل التزاما سياسيا وأخلاقيا وانسانيا.
وقال الرئيس مبارك ـ في كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر أمس ـ ان مصر دعت لهذا المؤتمر تحت هذا العنوان تأكيدا لارتباط اعمار غزة بمجمل الاقتصاد الفلسطيني وضرورة النهوض بأوضاعه وتأكيدا لحقيقة أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي المحتلة ويشكل مع الضفة الغربية مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة حلم الشعب الفلسطيني وهدف عملية السلام. وأوضح أن قضية اعادة الاعمار كانت عنصرا أساسيا من عناصر المبادرة المصرية لوقف العدوان علي غزة واحتواء تداعياته وجاء التجاوب مع الدعوة للمشاركة في المؤتمر اليوم ليعكس التأييد الدولي لهذه المبادرة, معربا عن تقدير مصر وامتنانها لهذا الموقف. واستعرض الرئيس مبارك في كلمته المبادرة المصرية التي أكد أنها جاءت ككل متكامل يرتبط بعضها بالبعض الآخر ويكمله, ينطلق منه ويؤدي اليه.
وأضاف أن أولويتنا القصوي كانت هي وقف اطلاق النار والعمل علي احترامه وتثبيته مع أولوية موازية لدفع مساعدات الاغاثة الانسانية الي غزة خلال العمليات العسكرية وبعد توقفها, مشيرا الي ما بذلته مصر من جهود تتواصل الي اليوم لادخال المساعدات المصرية والعربية والدولية ولاحتواء الوضع الانساني المتدهور لأهالي القطاع. وأوضح الرئيس حسني مبارك أن الأولوية الرئيسية الان هي التوصل الي اتفاق التهدئة في غزة بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني, مؤكدا أنه برغم التراجع المؤسف لاسرائيل عما وافقت عليه خلال الجولات العديدة للاتصالات المصرية بين الجانبين ورغم تمسكها بربط اتفاق التهدئة بملف تبادل الاسري, فان مصر ماضية في اتصالاتها مع اسرائيل لتعديل مواقفها كي نتوصل الي اتفاق للتهدئة في أسرع وقت ممكن.
وفيما يلي نص الكلمة:
أرحب بكم جميعا في شرم الشيخ, وأعبر عن تقديري لمشاركتكم في هذا المؤتمر الدولي المهم, أتوجه بتحية خاصة لرعاته ورئاسته المشاركة, وبمشاعر التقدير والاعتزاز للرئيس نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني, متطلعا لأن يسفر المؤتمر عما نأمله من نتائج إيجابية, تسهم في دعم الاقتصاد الفلسطيني من أجل إعادة إعمار' غزة'. لقد دعت مصر لهذا المؤتمر تحت هذا العنوان, تأكيدا لإرتباط إعمار غزة بمجمل الاقتصاد الفلسطيني وضرورة النهوض بأوضاعه, وتأكيدا لحقيقة أن قطاع' غزة' جزء لايتجزأ من الأراضي المحتلة, ويشكل- مع الضفة الغربية- مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة, حلم الشعب الفلسطيني, وهدف عملية السلام.
لقد ألحقت الحرب علي غزة أضرارا فادحة بالقطاع, وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية جسيمة, ونعلم جميعا أن أموال العالم لايمكنها أن تعيد من سقط من الشهداء, أو أن تعوض الجرحي والمصابين من المدنيين الأبرياء, لكننا كمجتمع دولي يمكننا أن نفعل الكثير لإعادة إعمار ما تدمر من المرافق والمنشآت والبنية الأساسية والمساكن وغير ذلك من مقومات الحياة.
كانت قضية إعادة الإعمار عنصرا أساسيا من عناصر المبادرة المصرية, لوقف العدوان علي غزة وإحتواء تداعياته, وجاء التجاوب مع الدعوة للمشاركة في مؤتمرنا ليعكس التأييد الدولي لهذه المبادرة, وهو ما نحمل له في مصر كل الامتنان والتقدير. لقد جاءت عناصر المبادرة المصرية ككل متكامل ومترابط, يرتبط بعضها بالبعض الآخر ويكمله, وينطلق منه ويؤدي إليه.
كانت أولويتنا القصوي هي وقف إطلاق النار والعمل علي احترامه وتثبيته, مع أولوية موازية لدفع مساعدات الإغاثة الإنسانية إلي' غزة', خلال العمليات العسكرية وبعد توقفها, وتعلمون مابذلته مصر من جهود- تتواصل إلي اليوم- لإدخال المساعدات المصرية والعربية والدولية, ولإحتواء الوضع الإنساني المتدهور لأهالي القطاع.
والآن, فإن الأولوية الرئيسية هي التوصل لاتفاق للتهدئة في غزة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني, وبرغم التراجع المؤسف لإسرائيل عما وافقت عليه خلال الجولات العديدة للاتصالات المصرية بين الجانبين, ورغم تمسكها بربط اتفاق التهدئة بملف تبادل الأسري, فإن مصر ماضية في اتصالاتها مع إسرائيل لتعديل مواقفها, كي نتوصل لاتفاق للتهدئة في أسرع وقت.
إنني أتطلع لأن تدعم كافة الدول المحبة للسلام جهود مصر لتحقيق التهدئة, باعتبارها الحاجة العاجلة والمتطلب الأساسي لاستكمال باقي عناصر المبادرة المصرية.. ولتأمين فتح المعابر من غزة وإليها, ورفع الحصار عن مواطنيها, وهو مايرتبط- بالضرورة- بالأولوية الموازية لتحقيق الوفاق الوطني الفلسطيني, ضمانا لتسهيل عملية إعادة الإعمار وإدارتها بالسرعة التي يتطلبها الموقف.
إن هذا المؤتمر يشهد مشاركة واسعة النطاق لعدد كبير من الدول المانحة والعديد من مؤسسات التمويل والمنظمات الإقليمية والدولية..نلتقي جميعا حول هدف واحد يمثل التزاما سياسيا وأخلاقيا وإنسانيا.. هو إعادة إعمار' غزة'. وتحقيقا لهذا الهدف, فإنني أتوجه إليكم بنداء من القلب, لإعلان تعهدات ملموسة لمساهمات التمويل خلال هذا المؤتمر. لقد هزت مأساة غزة ضمير العالم, وهناك العديد من التقارير الدولية المحايدة, من البرناج الإنمائي للأمم المتحدة ووكالة( اونروا), والبنك الدولي, والمفوضية الأوروبية فضلا عن الوثيقة الهامة التي أعدتها السلطة الوطنية الفلسطينية, توضح جميعها مدي ما لحق بالقطاع من تدمير هائل, وتحدد الموارد المالية اللازمة لإعادة البناء والإعمار.
تطرح هذه التقارير احتياجات إعادة تأهيل قطاعات الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي والمنشآت التعليمية ووحدات الرعاية الصحية والمساكن, وكلها احتياجات عاجلة لا تحتمل التأجيل ولابد من الإسراع بالوفاء بها وفق أولويات واضحة في الأجل القصير والمتوسط ودون إبطاء. إنني علي ثقة من توافر الإرادة السياسية علي المستويين العربي والدولي لحشد الموارد المالية اللازمة لإعادة الإعمار, ونعلم جميعا أن أخي الملك عبدالله بن عبدالعزيز, أعلن بالفعل عن مساهمة سخية مقدارها( مليار) دولار من المملكة العربية السعودية يمكن أن تمثل نواة صلبة لتعبئة المساهمات العربية والدولية المطلوبة لإعادة إعمار غزة. إلا أن نجاح عملية إعادة الاعمار لايعتمد فقط علي تعبئة أكبر قدر ممكن من التمويل والمساعدات وإنما يظل رهنا بعدد من الإعتبارات الهامة أوجزها فيما يلي:
أولا: سرعة التوصل لإتفاق للتهدئة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني, بما يضمن فتح المعابر أمام مستلزمات البناء وإعادة الإعمار, وضرورة التزام الجانبين بهذا الإتفاق.. فإغلاق المعابر يعيدنا للمربع الأول, ويضع عملية إعادة الإعمار في مهب الريح.
ثانيا: تحقيق المصالحة بين السلطة الفلسطينية والفصائل, وتشكيل حكومة وفاق وطني.. تتولي الإشراف علي إعادة الإعمار بالتنسيق الفلسطيني في غزة, لا تتعامل مع مواردها المالية كغنائم حرب, وتنأي بها عن الفصائل.
ثالثا: الإتفاق علي آلية دولية تحظي بثقة المانحين, تتولي تلقي مساهماتهم.. وتوجهها لعملية إعادة الإعمار, في إطار من الشفافية والمحاسبة.
رابعا: تفعيل دور الأمم المتحدة كمظلة لجهود إعادة الإعمار, وتحقيق التنسيق بين وكالاتها ذات الصلة, وتعزيز دور وكالة( أونروا) علي وجه الخصوص.
خامسا: متابعة نتائج مؤتمرنا اليوم, والوفاء بما سيشهده من تعهدات ومساهمات الدول والمؤسسات المانحة, ونحن نعول في ذلك علي اللجنة الدولية لتنسيق المساعدات( إيه.إتش.إل.سي), ونحمل لرئاستها النرويجية كل التقدير والإشادة. إن العدوان علي غزة ـ رغم جسامته وخطورة تداعياته ـ يجب ألا يصرف أنظارنا عن جوهر القضية الفلسطينية, فهي قضية شعب يعاني النكبات والمحن منذ ستين عاما, ويتطلع لإنهاء الإحتلال وإقامة دولته المستقلة. لقد كشف العدوان علي غزة هشاشة الوضع في الشرق الأوسط وخطورته, في غياب سلام عادل, وجهود دولية تراوح مكانها لسنوات طويلة, ما بين التقدم والتراجع والنجاح والإخفاق ووعود لا تتحقق وآمال تلوح في الأفق سرعان ماتنحسر, لتفسح الطريق لمزيد من اليأس والغضب والاحباط.
إن الشعب الفلسطيني والعالمين العربي والإسلامي لا يحتملون المزيد من إنتظار سلام لايجيء, والوضع في منطقة الشرق الأوسط بات منذرا بالخطر والإنفجار أكثر من أي وقت مضي, ما بين تطرف متصاعد يغذيه تأخر السلام وقوي إقليمية تسعي لجر المنطقة لحافة الهاوية, ولمواجهات عسكرية تقوض الأمل في التوصل إليه.
إن إعادة إعمار غزة لن تكون نهاية المطاف, وسيظل السلام العادل الضمانة الحقيقية لعدم تدمير مانعيد بناءه وإعماره, وستبقي هذه المنطقة ساحة لحلقات مفرغة من العنف والعنف المضاد.. تلقي بتداعياتها علي السلم والأمن الإقليمي والدولي.
إنني ألمس في اتصالاتي بقادة العالم زخما جديدا في جهود السلام, وتطلعا لأن يكون العام الحالي عام التسوية السلمية علي المسار الفلسطيني, وإنني آمل مخلصا أن نحافظ علي هذا الزخم وندفع به إلي الأمام, وصولا لسلام عادل وشامل بمنطقة الشرق الأوسط, يطوي ملف الصراع العربي الإسرائيلي, ويفتح الطريق أمام سلام وأمن واستقرار المنطقة, وللتعايش والتعاون بين دولها وشعوبها.
نعلم من دروس التاريخ أن القوة المسلحة- مهما عظمت- لا تقضي علي المقاومة والحقوق المشروعة للشعوب.. ونعلم جميعا أن الإحتلال مصيره إلي زوال.
لدينا الآن إدارة أمريكية جديدة.. ندعوها لتفعيل تحرك( الرباعبة الدولية) نحو السلام. وسوف تتشكل حكومة إسرائيلية جديدة, ندعوها للتجاوب الجاد مع المبادرة العربية, فأمن شعب إسرائيل لايحققه سوي السلام العادل. وأقول لكم بكل الصدق.. إن الحديث عن دعم الاقتصاد الفلسطيني وتحسين أوضاع الفلسطينيين, لا ينبغي أن يكون بديلا عن الأفق السياسي لعملية السلام, والتسوية القائمة علي مفهوم الدولتين.
وأقول.. إن الشعب الفلسطيني يحتاج لمساعدات الإغاثة وأموال إعادة الإعمار, لكنه يظل في حاجة أشد لمساندة سياسية جادة ومواقف شجاعة, توقف الإستيطان, تعي حقوقه ومعاناته وتطلعاته, وتقرن الحديث عن السلام بجهود صادقة وعاجلة, تحققه وترسي دعائمه.


