عندما أواجه مشكلة في التعاملات الإلكترونية التي تقدمها البنوك أو المتعلقة بتداول الأسهم والتي تجني لمقدميها المكاسب الهائلة وتوفر عليهم الكثير أغرق في تخيل ما يمكن أن يحدث مع القطاعات الخدمية التي لا تجني أي أرباح مادية مقابل تقديم خدماتها الالكترونية. وفي الغالب أننا كمواطنين إلكترونيين (الذين نستخدم التقنية في التعامل مع الحكومة) سنواجه مشاكل أكثر في الخدمات الإلكترونية التي تقدمها هذه القطاعات العامة. ولسنا هنا بصدد التفاؤل أو التشاؤم بل لابد أن نتوقع الإشكاليات التي قد تعيق تحقق برامج الحكومة الإلكترونية بناء على ما لدينا من معطيات ونخطط لحلها استبقيا. قرأت مؤخرا دراسة علمية فحواها أن تطبيق مشاريع الحكومية في الدول النامية يبوء بالفشل الكامل بنسبة 35% (إما لم تنفذ الحكومة الإلكترونية أو تم التنفيذ ثم تم الإلغاء)، ويبوء بالفشل الجزئي بنسبة 50% !! وهذه أرقام مزعجة ويجدر التبصر فيها لاسيما بأن معظم قطاعاتنا الحكومية تعكف حاليا على تنفيذ أنظمة الحكومة الإلكترونية.
هذه الإحصائية يجب أن تدفعنا للتفكير في أسباب فشل الحكومة الإلكترونية وكيفية تلافيها. فمن متطلبات النجاح التعرف على أسباب إخفاق الذات وإخفاق الآخرين. ومن خلال تجاربي المتواضعة وقربي من بعض التجارب المحلية والعربية لعلي أساهم في وضع الخطوط تحت أبرز أسباب التعثر والفشل. فمن تلك الأسباب هو الفهم الخاطيء لأهداف الحكومة الإلكترونية وماهيَتها. حيث يعتقد البعض أن الهدف من الحكومة الإلكترونية هو فقط القيام بأخذ أنظمة التعاملات الحكومية البدوية ووضعها على أنظمة الحاسب الآلي، وهذا المفهوم مجانب للصواب. إن الهدف منها أكبر من ذلك بكثير، ويشمل أمورا متعددة، أهمها الوصول لمستويات عالية من التقدم في المجالات التي تربط القطاع الحكومي بالمواطنين والقطاع الخاص. وهذا يعني أنه لتطبيق الحكومة الإلكترونية فإنه يجب أولا القيام بتغيير بعض المفاهيم وطرق سير العمل في الكثير من القطاعات الحكومية أثناء الخطوات الأولى لمشاريع وبرامج الحكومة الإلكترونية. إن عدم وضوح بعض إجراءات العمل اليدوية سيتسبب في أزمة أثناء تحويلها إلى إلكترونية، وإن عدم وضوح المسؤوليات والصلاحيات في الإجراءات اليدوية وحدوث الفوضى والارتجالية سيتسبب في فوضى إلكترونية. إن عدم مبالاة بعض الموظفين بالمراجعين وعدم تصحيح هذا الوضع سيجعلنا نسمع كثيرا عبارة "الكومبيوتر عطلان اليوم" مالم يتم تطبيق مبدأ المساءلة والمحاسبة لأي تقصير في أداء الأعمال والتقنية تساعدنا على ذلك. أيضاً فمن الأسباب الرئيسية لفشل الحكومة الإلكترونية هو القيام بشراء حلول جاهزة وتطبيقها كما هي، دون القيام بتخصيصها لتتوافق مع الاحتياجات والمتطلبات المحلية. فحلول الحكومات الإلكترونية كالثياب، مايصلح لي قد لايصلح لغيري.
ومن أهم الأسباب التي تسبب فشل مشاريع الحكومة الإلكترونية هو إهمال الطبيعة البشرية ومقاومتها للتغير، وينقسم ذلك إلى شقين. الاول هو المواطن نفسه والمستهلك لخدمات الحكومة الإلكترونية حيث تعزف الكثير من الحكومات عن تثقيف شعوبها بتلك المشاريع وفوائدها العائدة عليهم وتحفيزهم للاستفادة منها. أما الشق الآخر فهو الموظفون العاملون في تلك المشاريع، حيث يلزم تدريبهم على هذه الأنظمة الجديدة وإطلاعهم على مداخلها ومخارجها لكي يتمكنوا من القيام بوظيفتهم على أكمل وجه. وبالرغم أن مشاركة جميع الموظفين بشكل أو بآخر في تحقيق الحكومة الإلكترونية له دور كبير في إنجاحها إلا أنني لا أرى استئذانهم في تطبيقها فهو أمر واقع ولابد أن يتعاط معه الجميع.
إن إحدى أهم المعوقات في تحقيق الحكومة الإلكترونية في العالم الثالث هو توفر الميزانيات اللازمة، ومن وجهة نظري أنه يصعب أن نجد دولة أخرى تفوق السعودية في توفير الميزانيات المطلوبة السخية لهذه المشاريع. إلا أن المشكلة المضحكة أننا أحيانا نشرع في تنفيذ الحكومة الإلكترونية بالعقلية التقليدية البيروقراطية غير المبدعة وغير المتصرفة وغير المساءلة وباستخدام الأدوات القديمة بكل مشاكلها، فهل نتوقع نجاحا لمشاريع الحكومة الإلكترونية!
نشرت فى 26 سبتمبر 2006
بواسطة motolove
عدد زيارات الموقع
56,641


ساحة النقاش