<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:Calibri; mso-fareast-theme-font:minor-latin; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin;} </style> <![endif]-->
إن من أعظم ما تركه لنا القرن العشرون مفهوم التنمية الشاملة الذي تفاوت حظ تطبيقه بين دول العالم، ولكنه أصبح من بين الأسس الثابتة لقياس تقدم المجتمعات، ودليلاً على أن التنمية أصبحت تمثل مطلباً ملحاً وأساسياً لكل المجتمعات المعاصرة، وذلك لما تنطوي عليه من مضامين اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية هامة، وأيضاً لما ينتج عنها من نتائج حاسمة في حاضر هذه المجتمعات ومستقبلها.
وإذا كان الهدف الأساس من التنمية هو سعادة البشر وتلبية حاجاتهم، والوصول بهم إلى درجة ملائمة من التطور وتعميق إنسانيتهم، فإنها فى حد ذاتها، لا تقوم إلا بالبشر أنفسهم الذين هم أهم وسائل تحقيقها.
وفي إطار الاهتمام بقضية التنمية الشاملة، وانطلاقاً من أن التنمية ترتكز في منطلقاتها على حشد الطاقات البشرية الموجودة في المجتمع دون تمييز بين النساء والرجال، يصبح الاهتمام بالمرأة وبدورها في تنمية المجتمع جزءاً أساسياً في عملية التنمية ذاتها، بالإضافة إلى تأثيرها المباشر في النصف الآخر، ذلك أن النساء يشكلن نصف المجتمع وبالتالي نصف طاقته الإنتاجية، وقد أصبح لزاماً أن يسهمن في العملية التنموية على قدم المساواة مع الرجال، بل لقد أصبح تقدم أي مجتمع مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمدى تقدم النساء وقدرتهن على المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبقضاء هذا المجتمع على كافة أشكال التمييز ضدهن(1).
التطور التاريخي لدور المرأة عبر العصور
المرأة في مصر الفرعونية :
تكمن الأهمية التاريخية للحضارة المصرية القديمة فى منظومة القيم والرسالات الإنسانية التى شملت كل نواحى الحياة ، وكونت بمرور ألفيات مصر السبع ، الجذور الحقيقة التى تستمد منها البشرية تراثها الإنسانى فى إجماله ، ومن أهم هذه القيم الإنسانية الإعتراف بأهمية دور المرأة بالمجتمع .
وتُرجمت هذه القيمة عملياً بصياغة مكانة رفيعة المستوى للمرأة المصرية باعتبارها الشريك الوحيد للرجل فى حياته الدينية والدنيوية طبقاً لنظرية الخلق ونشأة الكون الموجودة فى المبادئ الدينية الفرعونية ، حيث المساواة القانونية الكاملة وارتباط الرجل بالمرأة لأول مرة بالرباط المقدس من خلال عقود الزواج الأبدية .
تعدت المرأة هذه المكانة حتى وصلت لدرجة التقديس فظهرت المعبودات من النساء إلى جانب الآلهة الذكور بل أن آلهة الحكمة كانت فى صورة امرأة ، والآلهة إيزيس كانت رمزاً للوفاء والإخلاص .
كذلك استطاعت المرأة المصرية فى التاريخ الفرعونى الدخول فى العديد من ميادين العمل المختلفة ووصل التقدير العملى لها لدرجة رفعها إلى عرش البلاد فقد تولين المُلك فى عهود قديمة , ومنهن (حتب) أم الملك خوفو، و( خنت) إبنة الفرعون منقرع ، و( اباح حتب) ملكة طيبة ، و( حتشبسوت) إبنة الفرعون آمون ، و(تى) زوجة إخناتون ، و( كليوباترا) وقصتها الشهيرة مع مارك أنطونيو ، والتى حظيت بالإهتمام الأدبى على مستوى العالم أجمع
كما عملت المرأة بالقضاء مثل نبت ( Nepet ) وهى حماة الملك بيبى الأول من الأسرة السادسة ، وتكرر المنصب خلال عهد الأسرة السادسة والعشرين وأيضاً العمل بمجال الطب مثل بثت (Psechet) والتى حملت لقب كبيرة الطبيبات خلال عهد الأسرة الرابعة ، ووصلت الكاتبات منهن لمناصب (مديرة – رئيسة قسم المخازن مراقب المخازن الملكية – سيدة الأعمال – كاهنة ).
" كانت المرأة المصرية تحيى حياة سعيدة فى بلد يبدو أن المساواة بين الجنسين فيه أمراً طبيعياً " .. عبارة معبرة لعالمة المصريات الفرنسية "كريستيان دى روس نوبلكور"، تؤكد أن الإنسان المصرى يعتبر أن المساواة أمراً فطر عليه ، وكذلك وضعت الحضارة الفرعونية أول التشريعات والقوانين المنظمة لدور المرأة وأول تلك التشريعات وأهمها تشريعات الزواج أو الرباط المقدس من حيث الحقوق والواجبات والقائمة على الإحترام المتبادل بين الزوج والزوجة بإعتبارها هى (ربة بيت) والمتحكمة الأولى فيه بالإضافة لحقها الكامل والمتساوى مع الرجل فيما يختص بحق الميراث ، كذلك كان لها ثلث مال زوجها فى حالة قيامه بتطليقها بدون سبب , كما كان المصرى القديم دائم الحرص على أن تدفن زوجته معه فى مقبرة باعتبارها شريكته فى الحياة الدنيا وبعد البعث أيضاً .
أما حق التعليم فقد كان من حق المرأة المصرية إبتداء من سن الرابعة وكانت تتلقى العلم من خلال مدارس ذات نظام صارم ، تركز على مبادئ الحساب والرياضيات والهندسة والعلوم بالإضافة لتعليم أصول اللغة الهيروغليفية واللغة الهيراطيقية الدارجة للإستعمال اليومى ، وفى النهاية تمنح الفتاة مثلها فى ذلك مثل الصبى لقب ( كتابة جائزة على المحبرة) مع السماح لهن بإمكانية التخصص العلمى فى أى من فروع المعرفة .
ومن أقوال الحكيم المصرى عن أهمية رعاية المرأة :
" إذا أردت الحكمة فأحب شريكة حياتك ، أعتن بها .. ترعى بيتك"
" حافظ عليها ما دمت حياً فهى هبة الآلهه الذى استجاب لدعائك فأنعم بها عليك وتقديس النعمة إرضاء للآلهة "
" حس بآلامها قبل أن تتألم .. أنها أم أولادك إذا اسعدتها اسعدتهم وفى رعايتها رعايتهم ، أنها امانة فى يدك وقلبك ، فأنت المسئول عنها أمام الآله الأعظم الذى اقسمت فى محرابه أن تكون لها أخاً وأباً وشريكاً لحياتها " . هكذا كان يعتقد المصرى القديم .
المرأة فى التشريع الإسلامى :
دخل الدين الإسلامى لمصر مع الفتح العربى عام 20هـ أى قبل 1400 عام ونظم بشريعته الغراء مكانة المرأة المسلمة عموماً ، حيث رد الله للمرأة مكانتها من خلال الدين الجديد وحقق لها ذاتيتها وشخصيتها المستقلة وأعطاها من الحقوق ما لم تحظ بها المرأة فى العالم المعاصر إلا فى القرن العشرين .
حقوق المرأة فى الإسلام :
- خاطب الله سبحانه وتعالى المرأة فى كتابة الكريم بمثل ما خاطب الرجل وساوى بينهما من حيث القيمة الإنسانية والروحية بإعتبار أن الأنوثة والذكورة ليست فى نظر الإسلام فارقاً فى تقرير الشخصية الإنسانية ، ونهى عن العديد من العادات والتقاليد المجحفة بالمرأة .
- كما ساوى بينهما فى العقيدة حيث لا فرق فى أداء الأعمال الصالحة وكذلك العبادات ، الجزاء واحد عن العمل الصالح وغير الصالح .
- كذلك ساوى الإسلام بين المرأة والرجل فى القوانين المدنية والجنائية فكل منهما محفوظ النفس والعرض والمال إلا بالقانون ولا تسلب حرية أى منهما دون أن تثبت عليه جريمة ولديهما الحرية الكاملة فى إبداء الرأى .
- وإعترف الإسلام بحق المرأة فى التعليم فنص على أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة سواء أن كانت علوم دينية ودنيوية .
- أجاز الدين الإسلامى للمــرأة العمل فى القطاعات المختلفة مثل الزراعة والتجارة ..الخ، لتكون أداة فعالة فى المجتمع وخاصة فى حالة وفاة الزوج أو عدم قدرته على إعالة أسرته، وخير دليل على ذلك السيدة خديجة زوج الرسول محمد ( صلى الله عليه وسلم) والتى تزوجها الرسول وهى تعمل بالتجارة ، كذلك طالب الرسول عند هجرته للمدينة المنورة بالعمل للنساء والرجال على حد سواء مع المطالبة بالتخفيف عن المرأة لطبيعتها الجسمانية ، كما تولت المرأة المسلمة وظيفة الإفتاء والتى تعتبر من أخطر الوظائف التشريعية ، كذلك أفتى ( الإمام أبو حنيفة) بجواز ولاية المرأة للقضاء
- كما اشتركت المرأة فى المعارك العسكرية منذ أيام الرسول والخلفاء الراشدين وقامت بالإسعافات للجرحى وتجهيز الطعام للجنود والسقاية ، ووصل دورها للإشتراك الفعلى بالمعركة فى موقعة ( اليرموك) التى قادها القائد العربى خالد بن الوليد وفتحت منطقة الشام بعدها .
- حدد الإسلام علاقة المرأة بالرجل وخاصة فيما يتعلق بالزواج لما فيه من مودة ورحمة والأسرة هى عماد المجتمع فإن صلحت صلح المجتمع ككل والعكس صحيح ولذلك أمر بالتعليم لكل من الرجل وأيضاً المرأة لتقوم بدورها فى تربية النشء على خير ما يكون .
- أمر الرجل بحسن معاملة المرأة وعدم الجور عليها .
- المهر عند الزواج هدية من الزوج خالصة تماماً للزوجة .
- حق المرأة فى الاختيار فى مسألة الزواج ، حيث موافقة المرأة شرط اساسى من شروط شرعية الزواج .
- وضع الإسلام شريعة الطلاق كحل نهائى للخلافات التى قد تنشأ بين الطرفين ويحق للمرأة طلب الطلاق ، وفى حال إتمامه يتكفل الرجل للمرأة بالمعيشة مع أبنائها طوال مدة الحضانة .
المرأة المصرية في العصر الحديث :
ارتبطت النهضة النسائية في مسيرتها الطويلة التي امتدت قرابة القرن ونصف القرن، بقضايا مجتمعية طرحتها ضرورات التقدم، فعندما بدأ محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، في تأسيس الدولة العصرية، ارتبط ذلك بضرورة تحديث المجتمع لخدمة هذه الدولة، وضرورة تعليم المرأة، فنشأت مدرسة المولدات سنة (1248هـ= 1832م) لتخريج القابلات، أو ما يعرف الآن بإخصائيات أمراض النساء .
- وفي سنة (1289هـ=1872م) أصدر "رفاعة الطهطاوي" كتابا مهما بعنوان "المرشد الأمين للبنات والبنين" طرح فيه بقوة قضية تعليم الفتاة، وكان لهذه الدعوات وغيرها أثرها في المجتمع؛ فساندت زوجة الخديوي إسماعيل إنشاء أول مدرسة حكومية لتعليم البنات في مصر سنة (1290هـ= 1873م) وهى المدرسة "السيوفية" التي ضمت بعد 6 أشهر من افتتاحها 286 تلميذة.
- ساندت المرأة قضية التعليم للجميع في سبيل النهوض بالمجتمع، فتبرعت الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل بأرض كانت تملكها لإقامة مبنى للجامعة الأهلية (القاهرة الآن)، ووهبت مجوهراتها الثمينة للإنفاق على تكاليف البناء، وأوقفت أراض زراعية شاسعة للانفاق على مشروع الجامعة. وفي عام (1347هـ= 1928م) التحقت المرأة بالجامعة المصرية.
- استمرت مسيرة تعليم المرأة حتى وصل عدد المدارس الحكومية للبنات عام (1365هـ= 1945م) حوالي 232 مدرسة تضم حوالي 44319 طالبة.
- لعبت المرأة دورا في محاولة تحريك النهضة النسائية من خلال المشاركة في المؤتمرات الدولية، فشاركت "هدى شعراوي" من خلال مؤسسة الاتحاد النسائي بأول وفد عربي في المؤتمر النسائي الدولي بروما سنة (1923م).
- استثمرت المرأة النهضة الصحفية في تلك الفترة في تأسيس صحافة نسائية تتبنى القضايا النسوية وتدافع عن حقوق المرأة ومكانتها ضد جمود التقاليد ، فأصدرت "هند نوفل" أول مجلة مصرية هي "الفتاة" في ( 20 من نوفمبر 1892م) بالإسكندرية ، كما أصدرت "جميلة حافظ" مجلة نسائية مهمة هي "الريحانة".
- وسعت المرأة لتأسيس أحزاب سياسية تدافع عن قضاياها فنشأ حزب "اتحاد النساء المصريات" الذي أصدر جريدة عام (1925م) بعنوان "المصرية" باللغة العربية والإنجليزية، وأسست فاطمة نعمت راشد سنة ( 1942م) الحزب النسائي الوطني، والذي كان على رأس مطالبه قبول النساء في كافة وظائف الدولة، كما شكلت درية شفيق حزب " بنت النيل" سنة (1949م) والذي دعمته السفارة الإنجليزية، وتأسس الاتحاد النسائي العربي سنة (1924م).
ويلاحظ أن طرح قضية المرأة ونهضتها تزامن مع طرح قضيتين مهمتين:
الأولى: تتعلق بقضية تحديث المجتمع الذي بدأ في عصر محمد علي باشا للنهوض بالأمة المصرية واللحاق بالغرب المتقدم.
الثانية: تتعلق بقضية الاستعمار والكفاح الوطني من أجل استقلال والتحرر الوطني.
المرأة المصرية خلال ثورة 1919 :
تمثل ثورة 1919 حجر زواية فى تاريخ مصر الحديث حيث اشتعلت الثورة الشعبية فى كل فئات الشعب المصرى رجاله ونسائه .
فقد ظهرت المشاركة الإيجابية النسائية فى صورة لم يعتدها المجتمع لفترة طويلة من السنوات وذلك بخروجها لأول مرة فى المظاهرات الحاشدة والمنظمة إلى الشوارع فى التاسع من مارس 1919 ، وفى يوم 14 مارس سقطت أول شهيدتين خلال المظاهرات وهن السيدتين ( حميدة خليل) و (شفيقة محمد) للدفاع ومؤازرة زعيم الثورة سعد زغلول ومعارضة لجنة ( ملنر) ، بالإضافة للعديد من الاجتماعات أهمها الاجتماع التى عقد بمقر الكنيسة المرقسية فى 12 / 12 / 1919 ، رداً على الإنجليز للوشاية والتفرقة بين عنصرى الأمة المسلمين والأقباط وفى عام 1920 تم تشكيل لجنة الوفد المركزية للسيدات نسبة لحزب الوفد بزعامة سعد زغلول وإنتخبت السيدة هدى شعرواى رئيساً لها ، واستمر الكفاح الإجتماعى والسياسى مواكباً لأحداث مصر الكبيرة وأهمها قيام حرب فلسطين عام 1948.
بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 ترسخ مفهوم مشاركة المرأة في كافة مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فقد حصلت على حق الانتخاب والترشيح عام 1956، ودخلت البرلمان وتقلدت الوزارة فكانت وزيرة للشئون الاجتماعية 1962 ، وشاركت في الحياة الحزبية و النقابات العمالية والمهنية والمنظمات غير الحكومية ، وتقلدت الوظائف العليا في كافة ميادين الحياة وتوج ذلك بتعيينها قاضية .
المرأة المصرية خلال الفترة من 1981 الى الآن:ـ
ولقد تميزت الفترة من 1981 وحتى الآن بتغييرات جوهرية وملموسة بهدف النهوض بالمرأة وتمكينها ، وإدراكاً من الدولة لمكانة المرأة تم العمل علي تدعيم هذه المكانة علي كافة المستويات وبتضافر جهود جميع الهيئات والوزارات وإنشاء كيان مؤسسي خاص ومتميز هو المجلس القومي للمرأة وتعيين أول قاضية مصرية وطرح آليات للإصلاح والتطوير من خلال المؤتمرات الخمسة للمجلس القومي للمرأة والعمل علي إنشاء منظمة المرأة العربية وحركة سوزان مبارك الدولية للسلام .
التعريف بدور المرأة
سطّرت المرأة في العصور القديمة والحديثة وخاصة في المجتمعات الإسلامية أسطراً من نور في جميع المجالات، حيث كانت ملكة وقاضية وشاعرة وفنانة وأديبة وفقيهة ومحاربة وراوية للأحاديث النبوية الشريفة.
وإلى الآن ما زالت المرأة في المجتمعات الإسلامية تكد وتكدح وتساهم بكل طاقاتها في رعاية بيتها وأفراد أسرتها، فهي الأم التي تقع على عاتقها مسؤولية تربية الأجيال القادمة، وهي الزوجة التي تدير البيت وتوجه اقتصادياته، وهي بنت أو أخت أو زوجة، وهذا يجعل الدور الذي تقوم به المرأة في بناء المجتمع دوراً لا يمكن إغفاله أو التقليل من خطورته.
ولكن قدرة المرأة على القيام بهذا الدور تتوقف على نوعية نظرة المجتمع إليها والاعتراف بقيمتها ودورها في المجتمع، وتمتعها بحقوقها وخاصة ما نالته من تثقيف وتأهيل وعلم ومعرفة لتنمية شخصيتها وتوسيع مداركها، ومن ثم يمكنها القيام بمسؤولياتها تجاه أسرتها، وعلى دخول ميدان العمل والمشاركة في مجال الخدمة العامة(2).
واقع دور المرأة في تنمية المجتمع
على الرغم من وجود تباين في البنى الأساسية الاقتصادية والثقافية والسياسية لبلدان العالم الإسلامي، إلا أن الدين الإسلامي هو دين الغالبية العظمى لسكان هذه البلدان.
ولما كان الدين الإسلامى أكثر تقدماً من أي دين آخر بالنسبة لمشاركة المرأة في المجتمع، لأنه أعطى صورة متكاملة عن دور المرأة ومكانتها في المجتمع، فالقرآن والحديث والتفسير والاجتهادات المختلفة تعطي المرأة مكانة خاصة تُترجم عملياً إلى أعراف تشريعية تملي عليها حقوقها وواجباتها سواء كانت ابنة أم زوجة أم أماً، فإننا نفترض وجود تطابق إلى حد ما في الأوضاع في هذه البلدان، ولذلك تم اختيار بعض دول العالم الإسلامي كعينة مختارة ممثلة لباقي الدول لنتعرف على أدوار المرأة في تنمية هذه المجتمعات.
وحين ننظر إلى الدور الذي تقوم به المرأة في التنمية، لا بد أن ننظر إليه في إطار التنمية الشاملة بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وفي إطار التنمية المستهدفة القائمة على الأصالة والتجديد الحضاري. و تجزئة الدور في هذا الفصل إلى عدة أدوار هو بغرض التوضيح، وتفسير إلى أي مدى تستطيع المرأة أن تشارك وتساهم بفعالية في التنمية، وما العوامل التي تؤثر في معدلات إسهام المرأة في التنمية في ظل المتغيرات والتطورات التي طرأت على هذه المجتمعات ؟ وما العوامل التي تواجه المرأة للقيام بهذه الأدوار وتعوق اندماجها والتزامها بالمشاركة الحضارية الكاملة في صناعة الحياة بكل أبعادها بدءاً من حقها الطبيعى في حرية الحركة والانتقال، إلى ذروة التأثير في صنع القرار والإسهام في تحديد المسار.
أولاً : الدور الاقتصادي : أهمية المرأة في التطور الاجتماعي والاقتصادي
لقد مرت على الشعوب تجارب كثيرة، وضعت خلالها قواعد اجتماعية مختلفة لتنظيم أفرادها، بعضها جاءت بها الرسالات السماوية، والبعض الآخر انبثقت من شرائع وضعية، عمل العقل الإنساني على خلقها وممارستها، وكان الهدف الأساس لهذه القواعد هو الارتقاء ببني البشر في حفظ كرامتهم، وتنمية قدراتهم، ولم نجد في هذه التجارب جمعاء شيء يثبت إن الشعوب تتطور على أكتاف الرجال دون النساء أو إن المرأة تمثل كماً مهملا يمكن الاستغناء عنه، بل العكس هو الصحيح، إذ ما من محاولة تهدف إلى تطوير المجتمع إلا وكان نجاحها مرتبطاً بوضع البرامج الصحيحة لتطوير المجتمع برجاله ونسائه .
حيث تؤكد الآراء الحديثة الواردة في أدبيات التنمية على أن نجاح برامج التنمية وضمان استدامتها، وقدرة المجتمع على مواجهة التغيرات الداخلية والخارجية والتواؤم معها، مرهون بمشاركة العنصر البشري وحسن إعداده وطبيعة تأهيله. وتعتبر المرأة ركنا أساسيا هاماً في هذه العملية.
إن المجتمعات التي عانت الويلات من الاستبداد والقهر، وسحق لكرامة الإنسان كمجتمعنا العراقي، هي أحوج ما تكون إلى وضع ما تقدم في حسبانها من اجل حث الخطى لتجاوز ما فقدته من زمن، وثروات طبيعية، وطاقات بشرية، والبدء في بناء أسس نهضة صحيحة، لتعويض ما فاتها، وبناء الإنسان الحر الشريف، الذي يبني ولا يهدم، ويوحد ولا يفرق، وينتج ولا يستهلك، الإنسان الذي يعرف دوره وواجبه، كما يعرف حقوقه وحدود حرياته.
وإذا ما أريد لهذا العنصر أن يكون فعالاً فلا بد أن تتوافر للمرأة معطيات أساسية تمكنها من المساهمة الإيجابية في حركة التنمية وتوجيهها، ويأتي في مقدمة هذه المعطيات الإنتاج الاقتصادي الذي يضعها في موضع القوة ويجعلها قادرة على خدمة مجتمعها ، ويعتبر عمل المرأة في المؤسسات تدعيم لقدرتها الاقتصادية وإعطاء مؤشر واضح على تفهمها بدورها في بناء المجتمع وقدرتها على المشاركة الحقيقية في التنمية خاصة إذا ما أدركنا أن دورها في هذه المؤسسات في تطور مستمر نظراً لما وصلت إليها المرأة من قدرة على الأداء في مختلف المؤسسات العامة والخاصة ويتصل مفهوم المشاركة بمفهومي التنمية والتمكين اتصالا وثيقاً، فلقد أضحى من المسلم به أن التنمية الحقيقية يستحيل إنجازها على أي صعيد، دون مشاركة الناس بقطاعتهم المختلفة، وفئاتهم وطبقاتهم وشرائح الاجتماعية، في صنعها من ناحية، وفي جني ثمارها من ناحية أخرى.
إن درجة المشاركة ونطاقها تحدد إلى درجة كبيرة من خلال توزيع القوى في المجتمع، بمعنى القدرة على إحداث تأثير في الآخر الذي قد يكون فرداً أو جماعة أو مجتمعاً بأكمله، إلى المدى الذي نستطيع أن نقول فيه أن المشاركة والتمكين هما وجهان لعملة واحدة. أي أن المشاركة لا تستهدف فقط تنمية المجتمع وصنع مستقبله بل تستهدف أيضاً تنمية الذات المشاركة وتطوير قدراتها وإمكاناتها ووجودها الفاعل والمؤثر في الحياة الاجتماعية على أصعدتها المختلفة ، فدرجة مشاركة النساء في الجوانب المختلفة للواقع الاجتماعي تقف كمؤشر أساسي على وضع المرأة ومشكلاتها، ومكانتها وقوتها وتمكنها في المجتمع.
ورغم حداثة مفهوم المشاركة النسائية، وارتباطه بتطورات حديثة في الحركة الاجتماعية بصورة عامة، والحركة النسائية بصفة خاصة، فان ثمة أشكالاً من المشاركة التقليدية للنساء، وبصفة خاصة في مجتمعنا لا ينبغي تجاهلها، بل إن أي دعوة لمشاركة المرأة مرهونة في نجاحها باستلهامها وارتباطها بأشكال المشاركة التقليدية المتجذرة في ثقافتنا، مع إفادتها في الوقت ذاته بالمدلولات الحديثة لمفهوم المشاركة.
أذن تكتسب المشاركة أهميتها ودلالتها بالنسبة للمرأة وقضاياها من حيث كونها آلية أساسية لتنمية الذات (المرأة ذاتها) وتنمية الموضوع (المجتمع والواقع الاجتماعي) وهما بعدان يرتبطان ارتباطاً جدلياً، فالذات أو الشخصية المتفتحة، القوية والمزدهرة والفاعلة هي القادرة على تحقيق النمو الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كما أن النمو الاجتماعي بدوره يمكن أن يقاس بمدى الفرص التي يتيحها لتحقيق مشاركة القطاعات المختلفة وتفتحها وازدهارها وفاعليتها.
الإسلام وعمل المرأة :
تتمتع المرأة في الإسلام منذ أربعة عشر قرناً بشخصيتها الاقتصادية المستقلة وحريتها الكاملة في التصرف بأموالها دون إذن زوجها، لأنها في هذا كالرجل سواء بسواء، وكذلك لها أن تبيع وتُتاجر وتعقد الصفقات وتؤجر البيوت وترهنها، ولها الحق في أن تمتهن أي مهنة تحبها وتختارها، ولها أن تنتخب وتُنتخب في أي مجلس تشريعي أو سياسي أو اقتصادي، ولها أن تتولى القضاء بل لها أن تفتي في الناس بأحكام الشريعة إذا كانت عليمة بها، مثلما كانت السيدة عائشة أم المؤمنين تفتي الصحابة في المسائل التي عرفتها وغابت عنهم، أي أن الدين الإسلامي أجاز عمل المرأة في كافة المهن بما يصون كرامتها ولا يسيئ إلى أنوثتها، وأن الله يثني على من يتلقى أجراً نظير عمل، فالعاملون والعاملات لهم عند ربهم أجر عظيم، وفضلاً عن ذلك فإن الله يساوي بين الجنسين إذ يقول : { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } (سورة النحل، الآية 97)، والحديث الشريف يقول : >إنما النساء شقائق الرجال<، فالمرأة في الشريعة شقيقة الرجل، لها مثل حقوقه داخل الأسرة وخارجها، ولها مثل الذي عليها بالمعروف، تلك هي بعض المعالم الرئيسة في نظرة الإسلام إلى المرأة، وهي نظرة بعيدة تماماً عن النظرة المتدنية إلى المرأة التي أفرزتها أوضاع متخلفة في تاريخ الحضارة الإسلامية اختلطت مع الزمن بتعاليم الإسلام وروح الشريعة.
معدلات مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي :
إن المعلومات والبيانات المتاحة عن عمل المرأة لا يمكن اعتبارها كاملة، وليس كل المتاح ملائماً لكل أنواع التحليل والدراسة، ومن المعروف أن دولاً كثيرة لا تتوفر لديها البيانات الضرورية عن إسهام المرأة في قوة العمل حسب التصنيفات التي تعكس هذه الإسهامات.
وتشير الإحصاءات إلى أن المرأة المسلمة تسهم في تطوير بلدها رغم أن نشاطها الاقتصادي أقل من نشاط النساء في البلدان المتقدمة وذلك لأن الإحصاءات الرسمية في البلدان الإسلامية لا تعكس إسهام المرأة الفعلي نظراً لاستناد هذه الإحصاءات إلى تقديرات، ولا تأخذ في اعتبارها إسهام المرأة الفعلي في النشاط الاقتصادي، وخاصة في المجال الزراعي والرعوي والحرفي وتهميش هذا النشاط لأنه خارج القطاع المنظم.
وتأخذ أشكال إسهامات المرأة الاقتصادية من خلال الأنشطة والأعمال التي تؤديها سواء داخل المنزل أو خارجه صوراً عديدة، منها إسهامات مباشرة وهي تبدو في شكل مادي كأجور أومرتبات تحصل عليها أو أثمان سلع ومنتجات تبيعها، أو ربح تحصل عليه من صناعة بعض المصنوعات اليدوية، أما الإسهامات غير المباشرة فتمثل قيمة المواد التي تنتجها المرأة وتستهلك داخل المنزل، وهذا يعد قيمة نقدية تساهم بها المرأة في ميزانية الأسرة وتشارك في تحسين مستوى الأسرة المعيشي.
وينبغي الإشارة إلى أن معدلات إسهام المرأة في النشاط الاقتصادي داخل قوة العمل تتباين بشكل كبير بين بلدان العالم الإسلامي، وتتباين أيضاً في الأقطار العربية في نطاق قطاعات النشاط الاقتصادي المنظم وغير المنظم، بالإضافة إلى أنها تختلف في الدول نفسها بين الحضر والريف، وبين فئات العمر، وترجع هذه الاختلافات إلى العوامل الاجتماعية والثقافية الخاصة بهذه المجتمعات.
وقد أسفرت دراسات منظمة العمل الدولية عن أن ثلث العاملين في العالم من النساء، وأن أعلى نسبة لإسهام المرأة هي سن 15 عاماً فأكثر، أما فيما يتعلق بإسهام المرأة في النشاط الاقتصادي، فقد دلت الدراسات على أنها تبلغ أقصاها في روسـيا الاتحادية 60%، وتبلغ أدناها في بعض الدول الأفريقية أقل من 10%(6).
وتشير الإحصاءات إلى أن المعدل السنوي لنمو القوى العاملة يتراوح ما بين 3% و4% في معظم البلدان العربية بين 1980 و1995، ولم يزد نصيب العاملات في القوى العاملة سوى زيادة طفيفة، فزادت بنسبة إجمالية بين 1% و2% في معظم البلدان باستثناء الأردن التي يقفز فيها نصيبهن إلى 6% منها خلال نفس الفترة البالغة خمسة عشر سنة(7).
ونجد هذه النسبة في بعض دول الخليج (قطر والإمارات) منخفضة حيث يصل نصيبهن إلى 1%، وتبلغ أعلاها فى لبنان 14.5%، بينما يبلغ نصيب النساء في القوى العاملة بمصر دون مستوى 10%(8).
أما بالنسبة لمدى إسهام المرأة في شمال أفريقيا في النشاط الاقتصادي في القطاع المنظم، فتوضح بعض الدراسات أن منطقة شمال أفريقيا ما زالت دون المستويات المقبولة، ولا سيما فيما يتعلق بعمل المرأة، إذ يعتبر مستوى نشاط المرأة الجزائرية في الفئة العاملة من السكان من أدنى المستويات في العالم، كما أن معدل زيادته منخفض 2.61% عام 1977، إذا ما قورن بمعدل عمالة المرأة في تونس 18.7% عام 1977(9).
أما بالنسبة لمعدلات مساهمة المرأة في إيران، وهي من أكبر دول العالم الإسلامي، فلقد قامت المرأة الإيرانية بعملية غزو شاملة لسوق العمل تمكنت خلالها من امتلاك 33% من حجم الوظائف في الحكومة والجهاز الإداري للدولة، وصعدت 432 إمرأة إلى منصب مدير عام، وتؤكد المرأة الإيرانية الآن أنها تسعى من خلال أجهزة الثورة لتصحيح المفاهيم الخاطئة الشائعة، لأن الإسلام لا يعارض عمل المرأة(10).
ويتركز اشتغال النساء في القطاعات المنظمة في بلدان العالم الإسلامي بصفة عامة والبلاد العربية بصفة خاصة في مجال الخدمات، بحيث تصل النسبة في عدد من دول الخليج إلى أكثر من 80%، وتتراوح في عدد كبير من البلدان الأخرى بين 15% و35%. وهناك في بعض البلدان العربية التي تنمو فيها قطاعات الإنتاج الصناعي لا تتجاوز نسبة النساء المشتغلات في قطاع الإنتاج 16%، وتبلغ أعلاها في دول العالم الإسلامي جنوب شرق آسيا، وفى مصر نجد أن المرأة تمثل نسبة تتراوح بين 15% و20% من قوة العمل الصناعية في مصر(11).
ومما ينبغى الإشارة إليه أيضاً توزيع القوى العاملة النسائية حسب الفئات العمرية، وتركيز النساء المشتغلات في الفئتين العمريتين (24-20) وبين (29-25)، وتأخذ نسبة المشتغلات في الانخفاض تدريجياً بعد ذلك في معظم بلدان العالم الإسلامي.
معدلات مساهمة المرأة في القطاع الاقتصادي غير المنظم :
من المعروف أن كثيراً من الأنشطة التي تؤديها المرأة تستثنى عادة من إحصاءات القوى العاملة والدخل القومي، وخصوصاً الأعمال التي تقوم بها المرأة في الريف وفي التجمعات البدوية والرعوية، وهي أنشطة اقتصادية تسهم في دخل الأسرة والدخل القومي، ويتراوح معدل عمل المرأة في بلدان العالم الإسلامي والدول العربية في المجال التجاري والزراعي والحرفي والرعوي، وتحضير الطعام وحفظه بين 60%، ويمثل أيضاً 70% في المشاريع الاجتماعية الصغيرة وكل الأعمال المنزلية تقريباً التي تتضمن في بعض البقاع حمل الماء والإنتاج الزراعي والحطب وغيرها من الأنشطة في القطاعات غير المنظمة(12).
هذا إلى جانب كثير من الأعمال التي تعتبر مساندة للرجل ومهيئة لظروف عمله. وتشير إحصاءات منظمة ا



ساحة النقاش