<!--

إن لحسن الخلق منزلة عالية فى دين الله، وما كان حسن الخلق ليصل لذلك إلا لما له من أهمية بالغة، انظر:

 

1-    حسن الخلق طريق إلى محبة الله عز وجل:

حسن الخلق طريق من طرق نيل محبة الله، وما أدراك ما محبة الله، هى الود والرحمة، والعطاء والتوفيق والعناية والرعاية، هى منح سعادة القلب وراحة البال، هى الدعاء المستجاب والرفق بالأحباب، هى أن يسارع الله إلى طاعتك كما تسارع إلى طاعته سبحانه وتعالى، لكل محب لأحبابه نعيم، وما أدراك ما نعيم الله لأحبابه، فقدم على حب الله بالتحلى بمحاسن الأخلاق، قال تعالى: " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " آل عمران   

 

2-    هى من أسباب بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لخص النبى الكريم سبب بعثته فقال صلى الله عليه و سلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " فكأن الرسالة كلها من أجل ذلك بعد نشر التوحيد، وحدد الله سبحانه لرسوله مهامه  فقال :﴿هُوَ الَّذي بَعَثَ في الاُمّيينَ رَسُولا مِنْهُم يَتلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين﴾ الجُمعة :2 وأكد ذلك فى موضع آخرفقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمؤْمِنينَ اِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين﴾(آل عمران:164 وأكد فى موضع ثالث فقال: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُم يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 151

تبين أيات أن مهام النبى صلى الله عليه وسلم كلها أخلاقية، فقد قال العلماء أن التزكية هى عملية تحلية وتخلية، تحلية بزرع مكارم الأخلاق وتخلية بالتخلص من سوء الخلق، وومما تنطوى عليه مهمتا تلاوة الكتاب وتعليمه مع الحكمة تربية الأخلاق أيضا، ويجب الإنتباه ً، إلى أنّ أصل معنى "الحكمة" هو لجام الفرس، وبعدها أطلقت على كلّ شيء رادع، وبإعتبار أنّ العلوم والفضائل الأخلاقيّة، تردع الإنسان عن الرّذائل فأطلقت عليها هذهِ الكلمة.حيث حيث يحقق هذا الخروج من حالة الضلال المبين ويعتبر نعمة من نعم الله على عباده ، وهذا التأكيد المتكرّر والشّديد في هذه الآيات، يدلّ على أنّ القرآن الكريم، يولّي أهميّةً بالغةً لمسألة الأخلاق، وأنّ التّزكية هي الهدف الأهم للإنسان، وتكمن فيها كلّ القيم الإنسانيّة، بحيث تكون نجاة الإنسان بها.هكذا تبلغ أهمية الأخلاق، تصل لأن يبعث الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم من أجلها.  




حسن الخلق طريق لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

محاسن الأخلاق هى الطريق لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، ومحبة رسول الله تعنى شفاعته لك، ودعاؤه من أجلك، تعنى أن تحشر معه، تعنى صحبته فى الجنة، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا " . رواه البخاري (مشكوة المصابيح)

طريق لثقل ميزانك يوم القيامة:

اليوم يوم القيامة، الموقف هو وزن أعمالك، أنت قلق مشدود خائف مرعوب، الآن تنتظر أى الكفتين أثقلن كفة الحسنات أم كفة السيئات، حسنة وحيدة تمثل فرقا كبيرا، ربما تثقل الحسنات فتنجو، كم تتتمنى الآن لو أنفقت كل مالك من أجل حسنة واحدة، واحدة فقط، هذا موقف حسن الخلق بلا منازع، حيث يثقل الميزان، ويمثل النجاة،عن أَبي الدرداءِ  رضي الله عنه  : أن النبي  صلى الله عليه وسلم  ، قَالَ : " مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ " رواه الترمذي ، وقال :  حديث حسن صحيح.

 

طريق لقربك من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة:

وعن جابر رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : " إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ ، أحَاسِنَكُم أخْلاَقاً ، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهقُونَ ، قالوا : يَا رسول الله ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ ، فمَا المُتَفَيْهقُونَ ؟ قَالَ : المُتَكَبِّرُونَ " رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن . إن القرب من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى زيادة النعيم، زيادة الرفعة، حسن الصحبة، وطيب الحديث، وشغف الأخوة الصافية، وإنما يحصل ذلك بتحليك بمكارم الأخلاق.

 

حسن الخلق يصل بك لأجر العابدين دون تعب ومجهود:

يعانى الصائمون من الجوع والعطش ، ويمتنعون عن شهوة الفرج رغبة فى الأجر العالى، ويترك أهل قيام الليل فرشهم المريحة، وأحضان أزواجهم المغرية، كى ينفردون بربهم فى سكون الليل، ورغبة فى الأجر والمثوبة، فهل لك لأجر الصائم دون جوع أو عطش ولأجر القائم دون مكابدة السهر، الطريق سهل، فعن عائشة رحمها الله قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ». (ابو داود)

 

حسن الخلق يصل بك إلى أعلى الجنة ويخرجك من النار:

الجنة حيث الحور العين والظل الظليل والفاكهة الكثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وأنهار الخمر واللبن وحلاوة العسل والماء غير الآسن، وطبيب الغناء والقصور المشيدة  واللؤلؤ والمرجان والورد والريحان، وأنعم النعيم رؤية وجه الله العظيم، هذا الطريق إليها هو مكارم الأخلاق، عن أبى أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا زعيم ببيت فى ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا وببيت فى وسط الجنة لمن ترك الكذب  وإن كان مازحا وببيت فى أعلى الجنة لمن حسن خلقه "  (ابو داود) وسط الجنة هو أفضلها وأعلاها وعن أبي هريرة : قال سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ فقال تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الفم والفرج " قال أبو عيسى هذا حديث صحيح غريب. (ترمذي)

 

حسن الخلق من أفضل عطاءات الله ونعمه على عليك:

 عن أسامة بن شريك  قال : قالوا : يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ قال : " الخلق الحسن " رواه البيهقي في " شعب الإيمان. (مشكوة المصابيح)

 

حسن الخلق به تستكمل ايمانك ويرفعك  الله على غيرك :

عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا قال حسين سليم أسد : إسناده حسن من أجل محمد بن عجلان. (الدارمي) ، وعن مسروق قال كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو يحدثنا إذ قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا وإنه كان يقول إن خياركم أحاسنكم أخلاقا. (بخاري) ، هنيئا لك إن نلت رئاسة المتقين فإنها الإمامة فى الدين وسيادة المؤمنين سبيلها مكارم الأخلاق.

 

حسن الخلق هو أمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم إليك:

كثيرة هى آيات الله التى تدعوك لصالح الأخلاق ومكارمها، يكفى أن يأمرك الله جل جلاله فيطاع ويكفى أن يأمرك فتنفذ، هذا حقه، وهذا فما فيه مصلحتك ومصلحة كل عباده، فاطع وارتق بأخلاقك، وهذا أمر رسول الله ، وأنت مأمور أن تطيعه وتتبعه، إن طاعته شرفك، أفتحيا بلا شرف؟ طاعته صلى الله عليه وسلم مرؤة، أتعيش بلا مرؤة؟ ولاتظن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم شكلا وهيئة فقط، بل على رأس اتباعك له أن تمتثل  خلق، وعن  أبي ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن " . رواه أحمد والترمذي والدارمي (مشكوة المصابيح)، هذا أمره، وخالق الناس بخلق حسن.

حسن الخلق طريقك للفلاح :

بعد أحد عشر قسما، وهوأطول قسم فى القرآن، يأتى المقسوم عليه، تزكية نفسك هى الأساس، ومكارم الأخلاق هى أساس التزكية، لا فلاح إلا بالتزكية، والخيبة الشديدة بتركها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾  الشّمس:9-10 فانج بنفسك من الخيبة والخسران.

 

حسن الخلق طريقك للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم :

هذا خلق رسولك صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى عنه: ﴿وإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيْم﴾ القلم:4 فاقتد به.

 

إن الخُلق أفضلُ الجمالينِ:

الجمال جمالان؛ جمال حسي، يتمثل في الشَّكل والهيئة والزينة والمركَب والجاه والمنصب، وجمال معنوي، يتمثل في النفس والسلوك والذكاء والفطنة والعلم والأدب، كما قال القائل:

ليس الجمال بأثواب تزيننا *** إن الجمال جمال العلم والأدب

ومكارم الأخلاق أجمل جمال.

 

حسن الخلق طريق لتحويل الأعداء إلى أصدقاء

تحتاج لأن يحبك الناس ، تحب أن تحول من هو على الحياد - لم يكرهك ولم يحبك – إلى أن يحبك، أما عدوك فستكون أسعد الناس لو كانوا على الحياد، الآن ربك يدلك على طريق إن سلكته أيتحول العدو إلى صديق؟ لا. بل يتحول إلى ولى حميم، أى صديق شديد المحبة، وليس صديق عادى، هو أن تعامل الناس بمكارم الأخلاق ، قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34

 

حسن الخلق من اهم أسباب تقدم الأمم وسوء الخلق يهدمها:

قال تعالى -: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾  الإسراء: 16 ، وهل الفسق إلا من سوء الخلق، فربأ بأمتك أن تؤتى من قبلك، فإن قانون الله سيعمل فابتعد باخلاقك عن ذلك، فالأخلاق هي المؤشِّر على استمرار أمَّة ما أو انهيارها؛ فالأمة التي تنهار أخلاقُها يوشك أن ينهارَ كيانُها، قال شوقي:

فإذا أصيب القوم فى أخلاقهم *** فأقم عليهم مأتما وعويلا

 وقال:

وإنما الاُمم الأخلاق ما بَقيتْ *** فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذَهبوا.

 

حسن الخلق يعين الداعية فى طريق دعوته:

المؤمن داعى إلى الله، داعي إلى الخير، يحتاج أن يكون شديد التأثير فى الآخرين، فاذا ساء خلقه لم يتحقق له التأثير، ومن حسن خلقه كان تأثيره أقوى، قيل: " فعل رجل فى ألف رجل ، أقوى من كلام ألف رجل لرجل"  قال الله تعالى : " أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون" البقرة  ، الداعية يحتاج لاستيعاب الناس، ومن وسائل ذلك حسن خلقه، قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم لن تسَعُوا الناسَ بأموالكم، ولكن تسعونهم بأخلاقكم". نعم أموالنا لن تكفى لاستيعابهم لكن كرم أخلاقنا يكفى

  فبالدعوة والتأثير ينال العبد أجر من دله على الخير، قال صلى الله عليه وسلم: "الدال على الخير كفاعله" وبسوء الخلق ينصرف الناس عن الدعوة بل وعن الاسلام، فمن ساء خلقه تحاشاه الناس فضلا على أن يؤثر فيهم، قال الفضيل: "لأن يصحبني فاجر حسن الخلق، أحب إلي من أن يصحبني عابد سيء الخلق".

 يمحو الله بحُسن الخُلق السيئات:

ذلك أن حسن الخلق من الحسنات، " إن الحسنات يذهبن السيئات " ومن منا بلا سيئات، ومن منا لا يحتاج أن يزحزح عن النار، والطريق إلى النار هى الذنوب، فامسح سيئاتك بحسن خلقك.

 

 

المصدر: كتاب الاخلاق للكاتب، تحت الطبع.
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 13 مشاهدة

محمد السيد عبد الباسط

mohamedbaset
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

426