بينما كان الظلامُ يُسدل خيوطه والمدفعية تواصل قصفها، سمعنا ضجيجا مرعبا يملأ السماء.

هاهي الطائرات المقاتلة جاءت في موعدها لتعلن عن نفسها بسلسلة من القصف المكثف. بين قصف الطائرات المُهلك وقصف المدفعية المكثّف بدت السماء لبضع دقائق كما لو أنها في حريق هائل. في البداية تُشاهد ومضة من الضوء في الأفق، ثم تسمع انفجارات هائلة تكفي لأن تقلب معدتكَ، وتضغط على مقلة العين بحيث تشعر إنها وصلت إلى رئتيك. بالرغم من أن القصف يستهدف منطقة تبعد أكثر من خمس كيلومترات عنّا إلا إنك تشعر كما لو أنه يجري أمام وجهكَ تماماً. في البداية من المستحيل ألا تجفل مع كل قذيفة غير متوقعة، لكن بعد عشرات من الانفجارات تصبح مشاعرك متيقظة ومتوافقة مع القصف.

في هذه الأثناء كانت المدفعية تواصل قصفها، بعض القذائف كانت شديدة الانفجار، البعض الآخر مجرد للتنوير. لكني سمعت من الجنود أن البعض منها كانت قذائف الفسفور الأبيض white phosphorus وهو الاسم الجديد الذي نطلقه هذه الأيام على النابالم. وبين الفينة والفينة يمكنك أن تسمع مدفعية الدبابات وهي تطلق نيرانها من المشارف المعزولة للمنطقة المستهدفة، تارة تسمع مدفعها وتارة أخرى تسمع نيران مدفعها الرشاش، وفي الحالة الأخيرة يمكنك أن تشاهد ماسورة مدفع الدبابة من وميض نيران رشاشها.

لا يمكن لأحد أن يتصور أن حياً يمكن أن يدب وسط هذه المجزرة المميتة. لكن فجأة تأتي رسالة عبر الراديو اللاسلكي تعلن عن تعرض وحدة من قواتنا تقف خارج المدينة للنيران، في هذه الأثناء كنت أراقب من أعلى الهمفي بواسطة ناظوري الليلي النيران التي تنطلق باتجاهنا. استخدام جهاز الرؤية الليلية أمر مثير بحد ذاته، تستطيع أن تمسح السماء والأرض بوضوح تام مهما كانت العتمة. في هذه الأثناء شاهدت دخول الطائرات المروحية المقاتلة ميدان المعركة وبشكل خاص المروحيات من طراز كوبرا وأباشي الأكثر قدرة على التدمير بقاذفات صواريخها التي تنطلق تباعا على شكل سلسلة من الصلي المتواصل… شاهدت الطائرات المروحية وهي تحوم فوق أرض المذبحة.

بعدها واصلت المزيد من المدفعية، والمزيد من الدبابات، والمزيد من الطائرات النفاثة، والمزيد من الطائرات المروحية تقذف حممها على منطقة صغيرة من الأرض… لم تكن حربا، كانت مذبحة.

وأنا الآن أستعيد في ذهني تلك الضربات الجوية التي استمرت حتى صباح اليوم التالي، لا أستطيع أن أصدق الدرجة التي وصلت إليها تقنيتنا الحديثة، لا أستطيع أن استعيد هذا من دون دهشة كاملة، لكني في الوقت نفسه أتقيأ اشمئزازا من المعاني والأهداف التي تقف وراء استخدام هذه التقنية.

لقد حصل لي مرات كثيرة أن أتأمل خلال الهجوم على الفلوجة أموراً لم أفهمها ومازلت أجهلها. أقول بينما كان المقاومون في الفلوجة يحاربوننا بشجاعة وإقدام بأسلحة قديمة تعود للحرب الباردة، ونحن نحوم فوق رؤوسهم نقذفهم بالحمم المدمرة… (يمكن القول أن العراقيين يقاتلون الدبابة بالسكين) لكن بالرغم من ذلك فإن المقاومين يجهدون أنفسهم ويكدحون ويعملون المستحيل لمقاومتنا، الكثير منهم قاتلوا حتى الموت. أي إرادة وتصميم يملكون!

بعض الجنود يسموهم أغبياء لمجرد التفكير بأن لديهم فرصة لدحر أقوى جيش في العالم، لكني أقول أنهم شجعان. المسألة ليست كذلك، إنهم لا يقاتلون من أجل أن يحرزوا نصراً فورياً. ومن هو الذي حقق نصرا تقليديا في حرب غير تقليدية؟ إنهم يقاتلون من أجل طردنا من أرضهم… وكما يبدو جلياً الآن فإن مثل هذا النصر بأيديهم لم يعد بأيدي الولايات المتحدة.

  • Currently 50/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
17 تصويتات / 141 مشاهدة
نشرت فى 3 يوليو 2005 بواسطة mohamed77

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

8,220