لقد حوّلنا الفلوجة إلى كومة من الركام… ادّعينا النصر… قلنا للعالم أن الفلوجة أصبحت تحت سيطرتنا الكاملة والشاملة… زعم عسكريونا أن عدداً قليلاً جداً من المدنيين قد أصيبوا… تحدثنا عن مقتل آلاف من المتمردين… شبكتا تلفزيون سي. أن. أن.، وفوكس عزفت وغنّت وأطلقت التهاني على شاشاتها بأن معركة الفلوجة ستدخل التاريخ باعتبارها نصراً كاملاً، وشهادة على عظمة الولايات المتحدة وتفوقها في المعارك الحديثة.
لكن بالرغم من ذلك، فبعد أن انزاح غبار المعركة، وجلس الجنرالات في المكاتب الدافئة والمريحة يدخنون سيكار النصر، انفجرت خطوط الجبهة في الفلوجة ثانية بسلاح الهاون الذي لا يُقهر، وقاذفات الصواريخ، والهجمات بالأسلحة الصغيرة على القوات الأمريكية وقوات التحالف.
التقارير الأخيرة تشير إلى أن العديد من المتمردين ظهروا من جديد على سطح مدينة الفلوجة المدمّرة بعد أن كنا أصلا قد زعمنا أن الموقف تحت سيطرتنا وبدأنا نركّز اهتمامنا على مشكلة أخرى في مدينة الموصل. فجأة نقلنا من جديد إهتمامنا إلى الفلوجة. هل ستكذب وزارة الدفاع وصحفنا القومية على الرأي العام من جديد لتدعي بتحقيق نصرٍ جديد؟
ليس بالضرورة أن نفعل ذلك. تقليديا، نحن انتصرنا بالمعركة، لا يمكن لأي شخص أن يعترض على ذلك، فقد دمّرنا مدينة بأكملها، وقتلنا الآلاف من سكانها. لكن المسألة الرئيسية أن العسكريين والرأي العام نسوا أن يحللوا أن هذه الحرب هي، من دون أي شك، حرب عصابات مائة بالمائة.
في بعض الأحيان أستغرب ما إذا كان ضباطنا، خريجو جامعة (ويست بوينت)، قد درسوا التعقيدات البسيطة لحرب العصابات وفعاليتها.
خلال مجرى الحرب أوجّه بين الفينة والفينة وبصورة عشوائية سؤلاً لملازم أو نقيب ما إذا كان قد تصفّح في يوم من الأيام كتاباً عن حرب العصابات التي خاضها جيفارا. نصفهم تقريباً يعترفون أنهم لم يقوموا بذلك. شخصيا أرى في هذا أمراً غريباً. نحن هنا في العراق حيث تقف أمامنا سنوات طويلة من حرب العصابات، وقادتنا العسكريون، كما يبدو، لا يعرفون البتة ماذا تعني.
بإمكان أبسط شخص أن يقول لك أن المقاتل في حرب العصابات هو من يستخدم أسلوب "إضرب واهرب hit and run" ليحاول كسر قوة تقليدية أقوى. العنصر الأكثر أهمية في حرب العصابات هي القوى السياسية التي تقودها. لقد حقّقت الكثير من قوات حرب العصابات عبر التاريخ أهدافها بنجاح، بلادنا وحربها للاستقلال لا يمكن إقصائها عن هذا المفهوم.
ينبغي علينا أن نتعلم درسا من حرب العصابات خلال حرب فيتنام التي لم يمض عليها سوى 30 عاماً، لكن التاريخ له طريقة غريبة في تكرار نفسه. كانت حرب فيتنام مثالا نموذجياً للأثر السريع الذي تتركه الهجمات المميتة على القوات التقليدية، وإن كان خلال فترة طويلة نسبيا، لتحقيق مواقف شعبية مناوئة للحرب تؤدي إلى إيقافها في آخر الأمر.
أكد جيفارا في كتابه حرب العصابات أن العنصر الأكثر أهمية في حرب العصابات هو الدعم الشعبي. وبهذا الدعم يمكن ضمان النصر تماماً.
يملك العراقيون الكثير من العناصر الرئيسة لتحقيق عصيان ناجح. ليس فقط لأنهم يملكون، كما يبدو، إمدادات لا نهاية لها من الذخيرة والأسلحة، بل لأنهم يملكون ميزة الذوبان في بيئتهم، سواء كانت هذه البيئة سوقا مزدحمة، أو بستانا مكتظّاً بأشجار النخيل. لقد استخدم المتمردون العراقيون هذه المزايا إلى أقصاها، لكن الميزة الأكثر أهمية والأكثر صلة بحربهم هو الدعم الشعبي الذي يتلقوه من أبناء بلدهم.


ساحة النقاش