قال النووي - رحمه الله- : وأما قول الغزالي وغيره في كتب الفقه : وهبت من فلان كـذا فهو مما ينكر على الفقهاء ؛ لإدخالهم لفظة (من) وإنما الجيد : وهبت زيدا مالا ، ووهب له مالا ، وجوابه : أن إدخال (من) هنا صحيح ، وهي زائدة ، وزيادتها في الواجب جائزة عند الكوفيين من النحويين ، وعند الأخفش من البصريين ، وقد روينا أحاديث فيها : وهبت منه كذا .
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 89)
ويقال : هب زيدا منطلقا بمعنى احسب ، فيعدى إلى مفعولين ، ولا يستعمل منه ماض ولا مستقبل . ا هـ .
ويتضح مما سبق أن الهبة لا تخرج عن معنى العطية التي لا يقصد منها العوض ، ولا يكون فيها ذلك ، وظاهر من هذا الإطلاق الـلغوي أنـه لا مدخـل لنية الواهـب في تغيـير الاسـم ؛ ولذلك فالتخصيص الذي سيرد في المعنى الاصطلاحي اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح . المسألة الثانية : حكم الرجوع في الهبة بعد القبض :
هذه المسألة هي مقصود البحث ، ومن خلال تتبع ما ذكره العلماء -رحمهم الله- يقف الباحث على أقوال وتفصيلات كثيرة ، سأحاول لم شتاتها وجمع ما تفرق منها ، وقبل أن أذكر الخلاف ، أشير إلى سبب الخلاف فيها ، وعند التأمل نجد أنه راجع إلى سببين رئيسين :
1 - تعارض عموم الأحاديث مع ما ورد فيها من الاستثناء ، فإن النهي عن العود في الهبة ورد عاما في مثل حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- العائد في هبته كالعائد في قيئه وورد التخصيص في أحاديث أخرى كحديث ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- إلا الوالد فيما يعطي ولده فمن العلماء من أخذ بالعموم لصراحته وقوته حيث إنه وارد
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 138)
في الصحيحين ولم يعتبروا الاستثناء ، ومنهم من خصص العموم بالاستثناء الوارد .
2 - تعارض ما ورد من الآثار عن الصحابة -رضي الله عنهم كما سيرد في بحث المسألة .
والخلاف في الرجوع في الهبة التي لم يقصد بها الثواب أصلا ، وإنما التي أريد بها التودد ونفع الموهوب ، أما الهبة التي يراد بها الصدقة أي : وجه الله سبحانه فقد أجمع العلماء أنه لا يجوز ؛ الرجوع فيها .
ويمكن حصر خلاف العلماء في هذه المسألة في ثلاث أقوال :
القول الأول : أن الواهب إذا أقبض هبته فليس له الرجوع فيها مطلقا ، سواء كانت الهبة من الأب لابنه أو غيره من القرابة ، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله- اختارها جمع من أصحابه ، ونسبه بعض المالكية لأهل الظاهر .
القول الثاني : أن الأصل تحريم الرجوع في الهبة بعد إقباضها ،
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 139)
إلا من استثنى ، وقد اتفق القائلون بهذا الاستثناء على الأب ، واختلفوا فيمن يلحق به ، وهذا القول هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة .
واختلفوا فيمن يلحق بالأب .
فالمالكية : على أنه يلحق بالأب الأم في حياة الأب ، أما بعد وفاته فإنها لا تلحق به .
وللشافعية في ذلك لهم أربعة أوجه :
أحدها : يختص الرجوع بالأب .
والثاني : بالأبوين خاصة .
والثالث : اختصاصه بكل أصل تثبت له الولاية .
والرابع : وهو أصحها ، شموله لكل أصل فيدخل الأب والأجداد والأم والجدات ، أما غير الأصول فهم كالأجانب .
وأما الحنابلة فالمشهور من المذهب : أنه يختص بالأب الأقرب
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 140)
دون غيره وقيل : إن الأم كالأب في ذلك وهو ظاهر كلام الخرقي .
القول الثالث : أن الأصل جواز الرجوع إلا لذي الرحم المحرم فلا يجوز وهذا مذهب الحنفية .
هذه أهم الأقوال ، وثمة تفريعات أخرى لكنها تعود إلى هذه الأصول أدلة القول الأول : استدلوا بأدلة كثيرة منها :
1 - حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه .
ولفظ مسلم : مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه يأكله .
البخاري وأخرجه-رحمه الله- أيضا 55 بلفظ : ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه .
وقال النووي -رحمه الله- : (هذا ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة) .
وهذا الحديث عام يشمل الأب وغيره ، وما ورد من الاستثناء لا يقاوم هذا الحديث .
مناقشة هذا الاستدلال : نوقش من وجهين :
الوجه الأول : أن من القواعد العامة أن العام يحمل على الخاص ، وقد ورد ما يخصصه بالأب كما سيأتي في أدلة القول
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 142)
الثاني .
الوجه الثاني : أن تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم العائد بهبته بالكلب لاستقباحه واستقذاره لا في حرمة الرجوع ، ويؤيد ذلك : أن فعل الكـلب يوصف بالقبح لا بالحرمة وبه نقول إنه يستقبح لأن الكلب غير متعبد فالقيء ليس حراما عليه ، فيكون المراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب .
وأجيب : بأن هذا التأويل بعيد ، وسياق الأحاديث ينفيه ، وعرف الشرع في مثل هذه الأشياء أنه يقع التشبيه ويراد به المبالغة في الزجر .
2 - الدليل الثاني : أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال : من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها ، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها .
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 143)
3 - أنها هبة يحصل بها الأجر من الله تعالى ، فلم يجز الرجوع فيها كصدقة التطوع .
ويمكن أن يجاب : بأن هذا تعليل في مقابلة النص الذي دل على جواز الرجوع .
4 - أن المقصود من الهبة فيما يتعلق بهبة الوالد صلة الرحم ، وفي الرجوع قطيعة رحـم ، والـولادة أقـوى مـن القـرابة المتأبدة بالمحرمية .
ويمكن أن يجاب : بأن هذا أيضا معارض بالأحاديث الدالة على جواز الرجوع عند وجود سببه .
ثم يقال : إن الرجوع عن الهبة فيما يتعلق بالوالد ينتج عكس ما ذكروه ؛ لأنه لن يرجع إلا لسبب قوي يحقق به معنى أقوى بما قصده بالهبة ، وإثبات الرجوع له يتمشى مع الأصل الثابت أن الولد من الكسب ، هذه أهم أدلة القول الأول .
أدلة القول الثاني :
1 - ما رواه النعمان بن بشير -رضي الله عنه- أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني نحلت ابني هذا غلاما ،
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 144)
فقال : أكل ولدك نحلته مثله؟ قال : لا ، قال : فأرجعه
وأخرجه البخاري أيضا أن النعمان بن بشير - رضي الله عنه- قال وهو على المنبر : أعطاني أبي عَطِيَّةً ، فقالت عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية ، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله ، قال : أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال : لا ، قال : فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ، قال : فرجع فرد عطيته .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : وفي الحديث رجوع الوالد فيما وهب للولد وهي خلافية ، وحديث الباب ظاهر في الجواز .
ففي الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشير بن سعد بالرجوع في هبته ، وأقل أحوال الأمر الجواز . وقد امتثل ذلك فرجع
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 145)
في هبته لولده ، ولذلك قال النعمان : فرجع فرد عطيته .
مناقشة الاستدلال :
نوقش بمناقشات كثيرة : أهمها قالوا : إن الحديث ليس فيه دليل على أن النعمان كان صغيرا ، فيحمل أنه كان كبيرا ولم يكن قبض الموهوب فكان له الرجوع .
وأجيب بأن الذي تضافرت عليه الروايات أنه كان صغيرا وكان أبوه قابضا له لصغره ، فأمره برد العطية المذكورة بعدما كانت في حكم المقبوض .
2 - أن هذه الهبة لم تتنجز ، وإنما جاء بشير يستشير النبي صلى الله عليه وسلم فأشار عليه بأن لا يفعل ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( أرجعه ) أي : أمسك مالك أو ارجع إلى مالك .
وأجيب : بأن هذا الحمل يخالف ظاهر الحديث ؛ لأنه ورد فيه إني نحلت ابني غلاما وهذا يدل على أنه أعطاه إياه ، وكذلك قوله : ( فأرجعه ) يدل على أنه قد قبضه .
3 - أن قولـه صلى الله عليه وسلم : فأشهد على هذا
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 146)
غيري يدل على أن الملك ثابت ؛ لأنه لو لم يثبت لا يصح قولي ، فهذا خلاف ما في الحديث الأول .
ولا يدل على فساد العقد الذي كان عقده بشير ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يتوقى الشهادة على ماله ، ويحتمل أنه امتنع ؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد وإنما شأنه أن يحكم .
وأجيب من وجهين :
أ- أن قوله : (أشهد) ليست صيغة إذن ، بل هي للتوبيخ ؛ لأنه قد وردت ألفاظ أخرى في الحديث تدل على هذا الحمل ، كقوله : فإني لا أشهد على جور .
ب- أنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة ولا من أدائها إذا تعينت عليه .
وقد أورد الحافظ ابن جحر جملة من الاعتراضات وأجاب
(الجزء رقم : 73، الصفحة رقم: 147)
عنها ، وكلها في نظري تأويلات ضعيفة لا تقاوم هذا الاستدلال الواضح ، ثم إنه يحتاج إلى مثل هذا الحمل لو ورد حديث صحيح يعارضه ، أو يقاومه .
وكما سيتبين في أدلة من منع أنه لا حجة لهم من السنة .
2 - الدليل الثاني : حديث عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يحل للرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه
محمد فراج المحامي mohammadfarraglawer محاماه واستشارات شرعيه وقانونيه - يرجي التواصل علي جوال / uae- 00971551514458 أو/ [email protected] .
مكتب محمد فراج المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدوله مستشار قانوني في القضايا الجنائية – القضايا التجارية – القضايا المدنية – القضايا العمالية – وتاسيس الشركات و التحكيم والحوكمه يرجي التواصل علي جوال / uae- 00971551514458 أو اميل / [email protected] . »