جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
نتذكر في بداية كل عام هجري موقعة الهجرة باعتبارها نصرا مؤزرا للمسلمين, وبداية لعهد جديد يحمل نور الدعوة الإسلامية إلي أمم شتي, بفضل حنكة وحكمة وتخطيط وقوة قائد الهجرة وحامل لواء الرسالة إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم, فقد علمنا الانتصار بالهجرة, وعلمنا الجهاد بالهجرة, وعلمنا الدعوة بالهجرة, وكان خير أسوة للمجاهدين والصابرين والصادقين والمتمسكين بالمباديء والقيم في مواجهة طاغوت الظلم والجاهلية والعبث في كل زمان ومكان, لأن هجرته صلي الله عليه وسلم قد غيرت مجري التاريخ وبعثت الحياة في ربوع الأرض من مشرقها إلي مغربها, لذلك كان التأقيت بها في غاية الحكمة, لتبقي شاهدا عيانا أمام ناظر المسلمين في أصقاع الأرض, تحثهم علي مواصلة العطاء بلا خوف أو وجل, وأن أرض الله واسعة إذا لم تسعهم أوطانهم إلي حين
*فكرة الهجرة
إن الهجرة بمعناها العام تعني الانتقال من مكان إلي مكان آخر وأيضا تعني تعديل الأوضاع وانتقالها من حال إلي حال, وتتضمن سريان الزمان من ساعة إلي أخري ومن يوم إلي أخر, بل يمكن أن تشمل بمعناها الواسع كل مناحي الحياة الانسانية المادية والروحية, الزمانية والمكانية, الشخصية والعامة, فالانسان في حالة هجرة من صرخة الوضع إلي أنه النزع, بل هجرته سابقة علي ميلاده, فقد هاجر من صلب أبيه نطفة إلي رحم أمه, وفي رحم أمه شاءت إرادة الله تعالي, أن تلتحم النطفة بالبويضة لتتكون منهما بعد حين علقة, ثم العلقة إلي مضغة, وظلت في هجرة متواصلة من حال إلي حال, ومن هيئة إلي هيئة أخري بفضل الله جل في علاه, حتي صارت خلقا سويا فتبارك الله أحسن الخالقين ثم بعد اكتمالها في الرحم هاجرت منه بالميلاد إلي الدنيا, وفي الدنيا واصلت هجرتها المادية من مرحلة الرضاع إلي الفطام,
ومن الطفولة إلي المراهقة, ومنها إلي الشباب... وهكذا إلي الشيخوخة, فحياة الانسان بما فيها من زمان ومكان وأحوال ترسخ فيه فكرة الهجرة, لكن ينبغي أن يجعلها هجرة إلي ماهو افضل لدينه ودنياه, وحياته, ومستقبله, ووطنه وامته, ليكون خير مهاجر إلي ساحات الخير وهو في طنه.
* ضرورة الهجرة
لاعذر لمظلوم أو مقهور أو حامل رسالة في التقاعس عن طلب حقه أو السعي لرفع الظلم أو القهر أو رد الحق السليب بكل الطرق المشروعة, ولاعذر لأصحاب الرسالات الانسانية في كافة المجالات والخبرات في عدم القيام بأداء رسالاتهم الخيرية أو التعليمية أو المختبرية أو الدعوية... أو أيا كانت وصورتها في الركون إلي أوهام تبث الضعف في النفوس, وتبعث الوهن في القلوب, لأن الهجرة تحتاج إلي قرار حاسم, وبخاصة عندما تتعين, فكل عمل لايحقق مطامع العامل المشروعة يمكن هجره والانتقال إلي عمل أخر يتناسب مع قدراته,
لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم علمنا بقوله لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية, فالهجرة المطلوبة في زماننا تختلف عن الهجرة ربما في أزمنة أخري وأمكنة أخري, لأنها ترتبط بحاجة الإنسان, وكل مجتمع له حاجاته وخصائصه وتوجهاته فإذا تعينت الهجرة فلا مناص منها ولا مهرب, لأن الله تعالي يقول: إن الله لايغير مابقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم فالهجرة هي في حقيقتها تغيير, لأن الزمان يهاجر رغم أنفك, وعمرك يغادر حياتك شيئا فشيئا, فلا مناص من المسارعة إلي هجر كل مالايعنيك بعد هجر كافة ماحرم الله تعالي بتوبة نصوح يعقبها سعي صادق ومخلص لحياة كريمة في داخل مدن ومحافظات الوطن أو في خارجه عند الاقتضاء, دون إهانة للنفس أو تعريضها للتهلكة, لأن الغاية لاتبرر الوسيلة, فالغاية ينبغي أن تكون في مستوي شرف الوسيلة, والضرورة دائما تقدر بقدرها شرعا وواقعا.
*غايات الهجرة:
ليس المراد من الهجرة بمعني الانتقال من بلد إلي آخر أو من دولة إلي أخري لمجرد الهجرة فحسب, بلا هدف أو مصلحة أو غاية مشروعة, وانما ينبغي أن تكون الهجرة لغاية سامية أو نبيلة, هجرة يراد بها أو منها, نشر دعوة أو تحصيل عمل مناسب, أو منصب أرفع, أو درجة علمية أعلي, أو هجرة لخير اوفر ذاتيا وأسريا ومجتمعيا, فكل هجرة تهدف إلي تحقيق مصلحة مشروعة أو خير عام أو خاص, فغايتها تكون مشروعة, لأن الحياةقصيرة ولاتحتمل المماطلة والكسل والركون,
لان الرسول صلي الله عليه وسلم استعاذ بالله من الكسل ومن العجز ومن الجبن, ودعانا الي التبكير في الاستيقاظ, والمسارعة الي الاعمال النافعة فقال عليه الصلاة والسلام بورك لامتي في بكورها وقال ايضا سارعوا الي الاعمال بل امسك صلوات الله وسلامه عليه بيد عامل خشنة عندما كان يصافحه وامتدحها قائلا: هذه يد يحبها الله ورسوله.
هكذا تكون غايات الهجرة كلها محققة للنجاح وللفلاح ولعمارة الكون ولنشر نور الاسلام واخلاقياته في ارجاء الدنيا, فلا هجرة لمجرد الهجرة, ولاتغيير لمجرد التغيير, وانما هجرة للأفضل, وتغيير للاحسن, وبهذا تتحقق الغاية من الهجرة اقتداء برسول الله صلي الله وعليه وسلم.
* ثمرات الهجرة
إن ما ننعم به الآن في أوطاننا من نعمة الاسلام كان بفضل الله تعالي من ثمرات هجرة المصطفي صلوات الله وسلامه عليه, فقد اذن له الحق جل في علاه بالهجرة من مكة الي المدينة لمواصلة النشر للدعوة الاسلامية في ارض جديدة, وامة جديدة, لتحقيق ثمرات جديدة, وخير عميم, وقد تحقق من هجرته صلي الله عليه وسلم انتشار الاسلام بنوره في كل ارجاء العالم اجمع, بفضل تضحيات خاتم الانبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين, وجهود صحابته الكرام رضوان الله عليهم واتباعهم من الاصفياء والاوفياء والمجاهدين الي يوم الدين, لقد تعلموا من الرسول الاعظم عليه الصلاة والسلام, كيفية مواجهة الظلم والعدوان, وكيف يخططون للهجرة في حياتهم وهم في داخل اوطانهم وذلك قبل هجرتهم الي اوطان اخري, فاذا عزموا علي هجر اوطانهم فلا يكون الهجر الي ما لانهاية حتي وإن كانت الغاية مشروعة, بل يخططون بمنتهي الدقة للعودة الي اوطانهم لنشر ثمرات ما جنوه من هجرتهم في ربوع بلادهم وبين بني جلدتهم, بلا عصبية أو مذهبية أو جمود أو تهاون,
لان الرسول عليه الصلاة والسلام عاد الي وطنه الأول مكة المكرمة فاتحا وناشرا للخير, فعم الخير فيها وفي العالم اسره بفضل هجرته الحكيمة, وجهاده الصادق والمستمر حتي اتاه اليقين صلوات ربي وسلامه عليه الي يوم الدين, فعلينا المقارنة بين واقعنا وما نرغب في تحقيقه في نطاق قدراتنا, فلا شئ يأتي من لا شيء والنجاح لا يتحقق بمجرد الهجرة أو السفر أو القرارات العشوائية وانما يتحقق بالتخطيط, ومداومة مراجعة دروس الهجرة النبوية الشريفة لانها خير قدوة واسوة لنا, لانها غيرت مجري التاريخ بجدارة والهجرة بحق بداية نجاح وفلاح اذا ما طبقنا نهجها القويم في حياتنا, وجددناه مع مطلع كل عام هجري, والله تعالي من وراء القصد.