كلما ودعت عاما هجريا, واستقبلت عاما جديدا.. تعود بي الذاكرة تلقائيا إلي ماض مجيد, فجره ونوره وضحاه محمد بن عبدالله صلي الله عليه وسلم نبي الأمة ورسول الانسانية, وشمسه وقمره وهداه الإسلام.. هذا الدين القيم الذي ختم الله به رسالات السماء.. هداية للبشرية وقيما ومبادئ ومثلا تبني الأخلاق وتقيم الدنيا وتنمي الكون وتدعو لعلاقات بين البشر جميعما زادها التعاون والمحبة والتكافل والاخاء الانساني وغيرها من خصال الخير التي حفل بها القرآن الكريم كتاب الله الخالد علي مر الأزمنة والأمكنة وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم وتراث مدرسته التي تخرج فيها أجيال وأجيال من الصحابة والقادة والمفكرين ومن يسير علي نهجهم إلي يوم الدين..
ماض مجيد.. كانت أولي خطواته وأولي لحظاته ذلك النور الذي سطع علي الكون وأهل علي الدينا حين نزل من بطن أمه آمنة ساجدا رافعا عينيه إلي السماء, ذلكم الذي مات أبوه عبدالله قبل ولادته وبشروا به جده عبدالمطلب فسماه محمدا ليكون محمودا في الأرض والسماء..
نشأ الطفل الوليد يتيم الأب ثم ما لبث أن فقد الأم ووراءها الجد عبدالمطلب الذي كان رحيما به أبعد ما تكون الرحمة.. وأصبح في رعاية عمه أبي طالب الذي كفله أحسن كفالة.. ثم كان قبل ذلك وبعده في عين الله يحرسه ويرعاه ويمهد له الطريق ليكون خاتم أنبيائه ورسله وحامل رسالة الله الأخيرة للإنسانية كلها إلي أن تقوم الساعة ويقوم الناس لرب العالمين.
في طفولة محمد وصباه وشبابه.. كان مثلا للانسان المستقيم بفطرته التي فطره الله عليها.. بشوشا, هينا, لينا, رحيما, ودودا, عطوفا, عزيزا, كريما, محبا لمن حوله, عزوفا عن اللهو, بعيدا عن كل عادة سيئة تتنافي مع أخلاق من يتمتعون بنبل الفرسان ومن يريد الله أن يكون لهم شأن في أقوامهم وعوالمهم. وهكذا كان محمد صلي الله عليه وسلم الذي صنعه الله علي عينه وأدبه فأحسن تأديبه وأعده ليكون نبي خير أمه..
حتي إذا بلغ سن الأربعين.. وقد حببت له الخلوة.. فإذا هوذات ليلة مباركة يجلس في غار حراء يتأمل الكون بمفرداته وعناصره الكثيرة والقوة الكبري التي تحرك كل شيء حوله.. إذ به في لحظة مبهرة يشاهد ويسمع ويهتز بما يسمع اقرأ فيجيب بالفطرة ما أنا بقارئ ويبلغه جبريل عليه السلام أول آيات القرآن الكريم وأول خطوة في الدين الجديد إقرأ باسم ربك الذي خلق ويعرف محمد فيما بعد عودته إلي بيته وإخبار زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها.. أن هذا هو وحي الله الذي سبق ونزل علي الرسل والأنبياء قبله وأنه الآن عبدالله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه.
بدأت الدعوة إلي الدين الجديد.. وكانت خطواتها الأولي سرية, ذلك أن أول مبدأ فيها هو التوحيد ويعني عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.. وهو مبدأ يتناقض تماما مع عقيدة القوم الذين يعبدون الأصنام والأوثان التي يصنعونها بأيديهم من حجارة لاتضر ولا تنفع.. مما يعني أن صداما عنيفا قادما في الطريق..
ولأن الدين الجديد يدعو فيما يدعو إليه إلي الحرية والعدل والرحمة والمساواة.. فقد كان أول من استجاب له المستضعفون في هذا المجتمع, وقد رأوا فيه الخلاص من الرق والعبودية والمذلة لغير الله عز وجل.. وحين شعر النبي صلي الله عليه وسلم أن الوقت قد حان لإعلان الدعوة فعلها غير متردد مستعينا بالله وبالصبر ومستأنسا بمن حوله من المستضعفين المؤمنين الذين أثبتوا فيما بعد أنهم حماة الدعوة وجنودها البواسل ورسل حضارتها في كل مكان حلوا به كدعاة ومعلمين..
وبالتأكيد وكما تسجل صفحات التاريخ لم يكن طريق النبي والأصحاب والدعوة.. مفروشا بالزهور والرياحين.. وإنما كان طريقا صعبا وعرا لقي فيه النبي صلي الله عليه وسلم والذين آمنوا معه كل ألوان العذاب وصنوف التنكيل والاضطهاد حتي اضطر المؤمنون إلي ترك الديار والأموال والأوطان في ثلاث هجرات اثنتان منها إلي الحبشة.. والثالثة إلي المدينة المنورة وبدأها النبي صلي الله عليه وسلم ومعه صاحبه أبوبكر الصديق رضي الله عنه ثم تبعهم المسلمون في هجرة كانت فتحا للمسلمين وانتشارا وذيوعا للاسلام.
في المدينة المنورة.. رأينا الأثر المباشر للهجرة النبوية الشريفة, وآثارها كثيرة, ولكن هذا الأثر, من وجهة نظري علي الأقل, هو أبرزها جميعا.. ذلكم هو إقامة دولة الاسلام الأولي في المدينة بكل أجنحتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والعسكرية والعقدية والتي أقيمت أركانها وأعمدتها علي مبادئ الايمان بالله وملائكته كتبه ورسله واليوم الآخر وبالعمل لخير الانسان والانسانية وبمعني شامل لاقامة الدين وإعمار الدنيا.. ونتيجة لاقامة دولة الاسلام الأولي في المدينة قويت شوكة المسلمين وازداد عددهم وعدتهم وعاد النبي وصحبه إلي وطنهم مكة فاتحين منتصرين دون قتال..


