جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
الإسلام.. كان العالم يعيش حياة مضطربة زادها الصراع علي المادة, القوي يستعبد الضعيف والغني يستذل الفقير, والعدالة الاجتماعية غائبة والتكافل الاجتماعي مفقود والحرية بكل ابعادها لامكان لها بين الناس شكلا ومضمونا.
بعد أن أذن فجر الإسلام.. ارست دعوته القاعدة الأولي لحرية الانسان وكان طريقها إلي ذلك غرس عقيدة التوحيد في القلوب والعقول.. فلا ينتمي احد للدين الجديد إلا إذا اعتقد بقلبه ويقينه ونطق بلسانه ركن الإسلام الأول اشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمدا رسول الله وهي شهادة ترفض الولاء لاي قوي مخلوقة, وتدين بالولاء المطلق والطاعة الخالصة للقوة الكبري القادرة والمريدة والمبدعة ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو علي كل شيء وكيل.
وفي ذلك تأكيد لكرامة الانسان واعلاء لشأنه فلا يسمح لغيره بأن يستزله ويرفض الخضوع لغير ربه الذي خلقه فسواه وسخر له الكون بما يحفل من نعم الله عزوجل.
وبعد ان يمنح الله الانسان حريته ويخلصه من أن يكون لاحد من الناس سلطان عليه.. يرسي له قاعدة اخري تحقق له ولاخوانه في الانسانية قيمة العدل بكل ما يحمل من معني والمساواة بدلا لاتها المتعددة.. فالناس جميعا اخوة لله وفي الله, لافضل لاحد علي آخر فكلهم من اصل واحد, الاب ادم والام حواء يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.
وتكتمل الصورة حين يعلن الإسلام أنه لاتفاضل بين الناس تحت دعاوي التفرقة العنصرية في اللون والجنس أو المال أو الجاه أوالسلطان أو العقيدة.. وانما يكون التفاضل وتكون التفرقة, بالتقوي والعمل الصالح والسلوك المستقيم ومدي ما يقدمه الانسان لخير مجتمعه واخوانه ووطنه وأمته والعالم بأسره يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله أتقاكم.
بهذه القيم وغيرها من مباديء الإسلام انتهت العصبيات والتقاليد العقيمة التي كانت تحكم الناس قبل الإسلام واصبح المؤمنون, في ظل الدعوة الجديدة والرسالة الخاتمة, بنعمة الله اخوانا متحابين يسود بينهم الحب والمودة والتضامن الاجتماعي.. يؤثرون علي انفسهم ولوكان بهم حاجة ويعمل كل منهم علي اسعاد غيره والتعاون معهم في السراء والضراء.. وهم اخوة أكدها القرآن الكريم انما المؤمنون اخوة وذكاها النبي صلي الله عليه وسلم حين رسم لها هذه الصورة البديعة مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الاعضاء بالحمي والسهر.
من أجل هذا.. نري الاسلام من أول يوم في تاريخه المديد والمتصل.. يرفض الطبقية بكل الوانها والتي تجعل بعض البشر يتعالون علي غيرهم ويتخذون لأنفسهم وضعا متميزا يضعهم دائما فوق رءوس الناس.. وحين اراد بعض وجهاء قريش في بدء الدعوة ان يكون لهم وضع متميز بأن يجعل النبي لهم يوما يجلسون فيه معه.. وان يكون للمستضعفين يوم آخر.. حتي لايجمعهم مجلس واحد.. نزل القرآن الكريم رافضا هذا التميز وذاك التحيز مؤكدا ومقررا قيمة العدل والمساواة ليكون ذلك منهج المسلمين في علاقاتهم مع بعضهم ومع غيرهم ممن يتعاملون معهم بنفس المنطق عبر الازمنة والامكنة واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولاتطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا, وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. وحتي نمي الإسلام صور التكافل والتعاطف الاجتماعي بين اتباعه وأمرهم بالتعاون فيما بينهم وان يحب الواحد منهم لأخيه مايحبه لنفسه وان يكره له مايكره لنفسه وذويه من كان معه فضل زاد فليعد به علي من لا زاد له ويعقب راوي الحديث علي هذا فيقول فذكر رسول الله صلي الله عليه وسلم من أصناف المال ما ذكر حتي رأينا ان لاحق لاحد منا في فضل.
لهذا يحرص الإسلام علي أن يعلم الفرد المسلم ان يدرك ان واجبه هو العمل لخير المجتمع كله آمنوا بالله ورسوله وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وانفقوا لهم أجر كبير صدق ربنا عزوجل وصدق نبينا صلي الله عليه وسلم حين أكد هذا المعني في قوله ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلي جنبه وهو يعلم.
ما اعظم الإسلام.. وما اروع مبادئه وما أرقي نظرته للانسان في كل موقع وعلي أي ارض وفي أي زمان.. فقد حفلت رسالته, وهي خاتمة رسالات السماء, بقيم تكرم هذا الانسان وتدعوه بأن يكون دائما هذا الانسان الذي ابدعه خالقه حرا كريما عزيزا في نفسه ووطنه.. قويا لاتخضع ارادته لغير الله ولاتسجد جبهته إلا لله الواحد الأحد الصمد, القادر المريد, له وحده نتوجه بالطاعة وندين بالولاء ونستشعر العزة وفي ذاته تعالي نذوب حبا.. ومن حبنا له نستمد حبنا للناس جميعا, ولنا الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة في هذه الصورة الجميلة, التي يبشرنا بها الحديث القدسي حين ينادينا المولي عزوجل يوم القيامة اين المتحابون بجلالي, اليوم اظلهم في ظلي يوم لاظل إلا ظلي.