جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
والمسلمون يستعدون للوقوف علي عرفات ركن الحج الأعظم, بعد ساعات من الآن تعود بنا وبهم الذاكرة إلي ما قبل ألف واربعمائه وتسعة وعشرين عاما منذ شروق شمس الإسلام علي العالم بأسره حيث اعتلي قائد الأمة ونبي الإنسانية محمد ـ صلي الله عليه وسلم ــ ساحة عرفات وبصحبته عشرات الألوف من المسلمين يؤدون معه حجة الوداع بعد ثلاثة وعشرين عاما من الدعوة والنضال والكفاح لم تكن فيها مهمة النبي القائد هينة يـسيرة ولم يكن الطريق امامه ممهدا او مفروشا بالزهور وانما كان مزدحما بالمشاق والأهوال والمتاريس البشرية التي رشقته بالطوب والحجارة والشتائم والسباب وأسالت منه الدم الطاهر الشريف وكل ذلك وغيره لم ينل من عزيمته واصراره علي تبليغ رسالة ربه وقد لجأ إليه ـ صلي الله عليه وسلم ـ
في كل ما صادفة من محن ضارعا إليه تعالي في خشوع العابدين الاتقياء انت رب المستضعفين وأنت ربي إلي من تكلني إلي قريب يتجهمني أم إلي عدو ملكته امري ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي. وقد سجل التاريخ لمحمد صلي الله عليه وسلم وصفحاته شاهد صدق وعدل خلال مسيرته في قيادة الدعوة والأمة وفي فترة زمنية قليلة انجازات هائلة غيرت وجه الحياة في الجزيرة وماحولها وعلي امتداد العالم وتركت أثرها في البشرية عبر القرون والأجيال حيث أخرج قومه من ظلمات الجهالة إلي أنوار الاستنارة ومن التعصب للقبيلة إلي رحابة الانسانية وايقظهم من غفلة شبيهة بالموت حتي صاروا في يوم من الأيام سادة العلم وربانه في الدنيا كلها ولا تزال علومهم بعد تنقيح وتطوير مصدرا في غاية الأهمية للعلم الحديث.
لقد سلم محمد صلي الله عليه وسلم عقول اتباعه بالمعرفة ورفع من شأن العلم والعقل ليواجه بهما من مبادئ الدين الخرافات والاساطير والأوهام والشعوذة وصكوك الغفران ووسط هذه الغفلة التربوية الهائلة جمع قوما متناثرين متخاصمين متقاتلين لأوهي الأسباب واستطاع بالصبر والحكمة ان يصهرهم في بوتقة واحدة تتعدي حدود الجغرافيا في المكان والزمان إلي افاق ارحب حيث الوطن هوالإسلام ورايته هي لا إله الا الله محمد رسول الله.
وحين اطمأنت نفس النبي الكريم إلي أن دعوته صلي الله عليه وسلم قد تغلغلت في النفوس واستقرت في القلوب احس ان مهمته آذنت بالانتهاء وانطبع لديه ان حياته ذاتها اشرفت علي النهاية لبي نداء جده إبراهيم عليه السلام واذن في الناس بالحج فهبت جموع المؤمنين تلبي نداء نبيه وعلي صعيد عرفات رأي عليه الصلاة والسلام ان يزرع في وجدان امته المجتمعة معه في هذا المشهد المهيب والمستمعة إليه حتي آخر الزمان كل ما لديه من نصح ورشد يبني الإنسان والمجتمع والأوطان ومن تحذير وتنفير من وساوس الشيطان وعاقبة الاهمال والتفريط والتشرذم والتفرق وقد جاء ذلك كله في خطبة الوداع التي اعلن فيها انتهاء عهد الشرك وعبادة الصنم والوثن وفساد أعمال الجاهلية التي تتعارض مع فطرة الإسلام وقرر حرمة الدماء والأموال والأعراض واسقط الربا واوصي بالنساء خيرا وارسي مبدأ الإخاء الإنساني فأعلن ان الناس سواسية كلهم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي علي غيره ولا لأبيض علي أسود إلا بالتقوي والعمل الصالح.
هذا المشهد المهيب كان منذ أكثر من اربعة عشر قرنا من الزمان والرسول القائد مع عشرات الألوف من اتباعه والآن يتكرر المشهد كل عام والمسلمون علي عرفات بالملايين وفي العالم بالمليارات من اتباع محمد صلي الله عليه وسلم يلبون ويهتفون لبيك اللهم لبيك وهذا المشهد المتكرر والمهيب يثير في نفوسنا الشجون ويملأ كياننا بالرهبة ويدفعنا للتأمل في المعني المقصود من هذا التجمع الذي قد يعطي نموذجا لمشهد القيامة كما يجسد هذا المشهد المعني الذي ترمز إليه وقفة عرفات وتجمع المسلمين في صعيده وهو وحدة المسلمين وقوتهم وحدة الهدف والصف والكيان والقوة بأبعاد ها المتنوعة عسكريا واقتصاديا وسياسيا وحين يتحول هذا الرمز إلي عمل يتجسد علي أرض الواقع فإنه يكون النموذج لقيام وطن اسلامي موحد علي هذه الأسس القوية ليكون النموذج والقدوة الذي يقيم العدل ويرسي قواعد السلام والأمن والأمان والتنمية في خدمة كل البشر ويقف في منافسة قوية مع الكيانات الأخري هدفها بناء الإنسان بعيدا عن الحروب والتدمير والهيمنة واغتصاب البشر والأوطان واهدار ثرواتها وهويتها وشخصيتها.
صلي الله وسلم وبارك علي نبي الإسلام وقائد الأمة ورسول الإنسانية وحج مبرور لكل من لبي نداء الله ودعاء إلي المولي عزوجل ان يحقق رجاء كل منا في حج مقبول في قدرة واستطاعة مادية وصحية وايمانية وكل عام وانتم جميعا طيبون وفي رعاية الله وحفظه.