أولي أبو بكر الصديق إمرة جيش المسلمين لخالد بن الوليد ليواجهوا جيش الروم الذي بلغ مائتي واربعين ألف مقاتل, فتوقف خالد بجيش المسلمين خاطبا:( إن هذا يوم من أيام الله, لاينبغي فيه الفخر ولا البغي, اخلصوا جهادكم واريدوا الله بعملكم, وتعالوا نتعاور الإمارة, فيكون أحدنا اليوم أميرا والآخر غدا, والآخر بعد غد, حتي يتأمر كلكم).وقبل أن يخوض خالد القتال, كان يشغل باله احتمال أن يهرب بعض افراد جيشه بالذات من هم حديثو عهد بالإسلام,من أجل هذا ولأول مرة دعا نساء المسلمين وسلمهن السيوف, وأمرهن بالوقوف خلف صفوف المسلمين وقال لهن:( من يولي هاربا, فاقتلنه).وقبيل بدء القتال طلب قائد الروم أن يبرز إليه خالد, وبرز إليه خالد, في الفراغ الفاصل بين الجيشين, وقال( ماهان) قائد الروم:( قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع فإن شئتم اعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما, وترجعون إلي بلادكم, وفي العام القادم ابعث إليكم بمثلها!).وأدرك خالد ما في كلمات الرومي من سوء الأدب ورد قائلا:( إنه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت, ولكننا قوم نشرب الدماء,وقد علمنا أنه لادم أشهي ولا أطيب من دم الروم, فجئنا لذلك!). وعاد بجواده إلي صفوف الجيش ورفع اللواء عاليا مؤذنا بالقتال:( الله اكبر, هبي رياح الجنة).ودار قتال قوي, وبدا للروم من المسلمين مالم يكونوا يحتسبون, ورسم المسلمون صورا تبهر الألباب من فدائيتهم وثباتهم, فها هو خالد غلي رأس مائة من جنده ينقضون علي أربعين ألفا من الروم, يصيح بهم:( والذي نفسي بيده مابقي من الروم من الصبر والجلد إلا مارأيتم, وأني لأرجو أن يمنحكم الله اكتافهم).وبالفعل انتصر المائة علي الأربعين ألفا.
وقد انبهر القادة الروم من عبقرية خالد في القتال, مما حمل( جرجه) أحد قادتهم للحديث مع خالد, حيث قال له:( يا خالد اصدقني, ولاتكذبني فإن الحر لا يكذب, هل أنزل الله علي نبيكم سيفا من السماء فأعطاك إياه, فلا تسله علي أحد إلا هزمته؟). قال خالد:( لا). قال الرجل:( فبم سميت سيف الله). قال خالد:( إن الله بعث فينا رسوله, فمنا من صدقه ومنا من كذب, وكنت فيمن كذب حتي أخذ الله قلوبنا إلي الإسلام, وهدانا برسوله فبايعناه, فدعا لي الرسول, وقال لي:( أنت سيف من سيوف الله) فهكذا سميت سيف الله). قال القائد الروماني:( وإلام تدعون). قال خالد:( إلي توحيد الله وإلي الإسلام). قال:(هل لمن يدخل الإسلام اليوم مثل مالكم من المثوبة والأجر؟)..
قال خالد:( نعم وأفضل). قال الرجل:( كيف وقد سبقتموه). قال خالد:( لقد عشنا مع رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأي مارأينا, وسمع ماسمعنا أن يسلم في يسر, أما أنتم يامن لم تروه ولم تسمعوه ثم آمنتم بالغيب, فإن أجركم أجزل وأكبر إذا صدقتم الله سرائركم ونواياكم).وصاح القائد الروماني وقد دفع جواده إلي ناحية خالد ووقف بجواره:( علمني الإسلام ياخالد!). واسلم وصلي لله ركعتين لم يصل سواهما, وقاتل جرحه الروماني في صفوف المسلمين مستميتا في طلب الشهادة حتي نالها وظهر بها.
وفي إثناء قيادة خالد ـ رضي الله عنه ـ معركة اليرموك التي هزمت فيها الإمبراطورية الرومانية توفي أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وتولي الخلافة بعده عمر ـ رضي الله عنه ـ وقد ولي عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد. وصل الخطاب إلي أبي عبيدة فأخفاه حتي انتهت المعركة, ثم أخبر خالد بالأمر فلم يغضب خالد ـ رضي الله عنه ـ بل تنازل في رضي وسرور, لأنه كان يقاتل لله وحده لا يبغي من وراء جهاده أي أمر من أمور الدنيا. وقد فعل عمر رضي الله ذلك لما رأي الناس بهروا ببطولات خالد ومهارته في القتال فخشي أن يظنوا أنهم ينصرون به.


