وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة‏[‏ عبس‏/39,38]‏
وصفت الآيتان وجوه المؤمنين يوم القيامة بصفات ثلاث‏:‏ مسفرة‏,‏ ضاحكة‏,‏ مستبشرة‏,‏ ومستبشرة أي متفائلة حيث يتفاءل المؤمنون يوم القيامة من حيث توقع الكرامة والفوز والنجاة‏.‏ والتفاؤل هو توقع الأفضل في المستقبل‏,‏ وهو من مصادر السعادة‏,‏ ويعد من الملامح النفسية المصاحبة للأشخاص السعداء المسرورين‏,‏ كما سيتضح بعد‏.‏ ويعرف‏(‏ التفاؤل‏:Optimism)‏ في علم النفس بأنه‏:‏ نظرة استبشار نحو المستقبل‏,‏ تجعل الفرد يتوقع الأفضل وينتظر حدوث الخير‏,‏ ويرنو الي النجاح‏.‏

والتفاؤل من مكونات السرور والسعادة‏,‏ حيث يرتبط بها غالبا‏,‏ فالشخص المتفائل شخص سعيد مطمئن‏,‏ وهو عكس الشخص المتشائم‏,‏ فهو غالبا شخص حزين مكتئب ومتوتر‏:‏ وقد برهنت بعض الدراسات علي وجود علاقة قوية بين النظرة التفاؤلية للمستقبل والسعادة الحالية ومن ناحية أخري فقد برهن عدد من الدراسات كذلك علي الارتباط بين النظرة التشاؤمية للمستقبل من قبل أفراد المجتمع ومعدلات الإصابة بالاكتئاب واليأس والانتحار‏,‏ حيث يتصف المكتئبون بتعميمهم للفشل والنظرة السلبية للحياة والذات والمستقبل‏.‏

وما يؤكد أن التفاؤل جزء من انفعال السعادة أن علماء النفس قاسوا معايير السعادة التي يغلب عليها الطابع الانفعالي مثل الشعور بالبهجة الممزوجة بالتفاؤل وغيرها من المشاعر الإيجابية‏.‏

أما التشاؤم في القرآن الكريم فجاء ضمنا في قوله تعالي‏:‏
ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة‏[‏ القيامة‏/25,24].‏
وهذه الآية تصور حال الكافرين يوم القيامة وهو الحال الذي يناقض حال المؤمنين تماما‏,‏ فإذا كانت وجوه المؤمنين في ذلك اليوم نضرة فرحة‏,‏ الي ربها ناظرة‏,‏ فإن وجوه الكافرين في ذلك اليوم عبسة متغيرة كالحة‏,‏ تظهر عليها أمارات الحزن الشديد والخوف المستمر مما ينتظرهم من الهلاك والعذاب‏,‏ كما يعرف في تلك الوجوه التشاؤم مما سيحدث لهم من سوء المآ ل‏,‏ فهؤلاء لا يتوقعون إلا كل شر‏,‏ فكل الدلائل والأحداث في ذلك اليوم تؤكد أنهم سينزل بهم لا محالة شر عظيم وداهية كاسرة لظهورهم‏,‏ وهذه الداهية حتما ستكون من جنس عذاب يوم القيامة ومن جنس أحواله وأهواله‏.‏

والآية تسجل الانفعالات وأثرها علي الوجه‏,‏ فهذه الوجوه باسرة يعني متغيرة أو عابسة متجهمة‏,‏ وكل ذلك من علامات الحزن أو الخوف الشديد‏.‏

ولم تسجل الآية نوع الانفعال الذي يسيطر علي نفوس هؤلاء التعساء ولكنها أشارت إلي ما يمكن أن يقدره الإنسان من خلال هيئة الوجه‏,‏ وفي هذا السياق يمكن للمرء أن يحدد بعض الانفعالات‏.‏

الأول‏:‏ الحزن‏,‏ لأن تغير الوجه وكلوحه أو عبوسه من أمارات الحزن‏.‏

الثاني‏:‏ الخوف‏:‏ فقد يدل تغير هيئة الوجه علي الخوف ويقوي هذا التقدير قوله تعالي‏:‏ تظن أن يفعل بها فاقرة‏,‏ ومن شأن هذا الظن والتوقع للعذاب والهلاك أن يدخل الخوف علي نفوسهم وقلوبهم‏.‏

الثالث‏:‏ في الآيتين دلالة نفسية علي التشاؤم فالظن هنا هو توقع قوي قريب من اليقين‏,‏ وهو توقع المكروه والشر هذا الظن يضفي علي نفوسهم لونا من ألوان التشاؤم لتوقع الأسوأ في المستقبل القريب المشهود‏.‏

وهذه الآية تصلح أن تكون نموذجا لتداخل الانفعالات فمن عادة الانفعالات الإنسانية التداخل والتشابك وعدم الاستقلالية‏,‏ فكما يصاحب الحزن الغضب‏,‏ كذلك يصاحب الحزن الخوف أو العكس‏,‏ وخاصة يوم القيامة‏,‏ حيث يكون سياق الأحداث ومناخها مناسبا لتولد تلك الانفعالات المتداخلة في نفوس الكفار‏,‏ فهم يكونون في ذلك اليوم الصعب الطويل خائفين حزينين فزعين متشائمين ذليلين منكسرين‏,‏ قد أطبق الهم والغم علي حلوقهم وصدورهم فهم صامتون‏.‏

وكل هذه الأوصاف النفسية ذكرت في آيات متعددة من القرآن‏,‏ ومن هنا يكون من الصعب فصل انفعال واحد وإفراده بالذكر في سياق واحد ففي أغلب الأحيان لايستقل كل سياق لوصف الكفار أو الظالمين يوم القيامة بانفعال واحد‏,‏ بل غالبا ماتدل الألفاظ والأحوال المذكورة علي أكثر من انفعال من نفس السياق‏.‏

أما عن الدلالة الثالثة‏:‏ فيمكن القول‏:‏ إن التشاؤم وتوقع الأسوأ بحدوث الكوارث هي بعض الأعراض النفسية المصاحبة للحزن والاكتئاب والخوف والقلق‏,‏ وإذا كان التفاؤل من مكونات السعادة فإن التشاؤم من مكونات الحزن والخوف‏,‏ وهذا ما أشارت إليه الآية‏:‏ تظن أن يفعل بها فاقرة ومعني الفاقرة أي الداهية والمصيبة العظيمة التي تكسر فقار الظهر‏,‏ وقد برهنت عدد من الدراسات النفسية علي الارتباط بين النظرة التشاؤمية للمستقبل من قبل بعض أفراد المجتمع ومعدلات الإصابة بالاكتئاب واليأس والانتحار حيث يتصف المكتئبون بتعميمهم للفشل والنظرة السلبية للحياة والذات والمستقبل‏.‏

وإذا كانت هذه الدراسات قد وصفت حال المكتئبين والمحزونين في الدنيافما بالنا بيوم القيامة‏,‏ لاشك أن هذا الشعور ـ بنزول العذاب وتحقق الهلاك ـ سيكون له مردود نفسي شديد الوطأة‏,‏ واسع المدي علي نفوس الكفار وقلوبهم‏,‏ حيث يشعرون بالفزع والقلق والهم والغم في كل لحظة‏,‏ لما يغلب علي ظنهم من حدوث العذاب لهم في المستقبل القريب‏,‏ وكل الدلائل والامارات تؤكد لديهم هذا التفكير التشاؤمي وتعززه في نفوسهم‏

  • Currently 75/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
25 تصويتات / 436 مشاهدة
نشرت فى 24 سبتمبر 2008 بواسطة moghazy

مغازى عبدالعال محمد الطوخى

moghazy
*رئيس اتحاد طلاب المعاهد العليا (وزارة التعليم العالي) الاسبق *رئيس اتحاد طلاب المعهد العالي للتعاون الزراعي الاسبق *أمين اللجنة الاجتماعية والرحلات بالمعهد العالي للتعاون الزراعي الاسبق *عضو جمعية الهلال الأحمر المصري *عضو جمعية بيوت الشباب المصرية *عضو جمعية الكشافة البحرية المصرية *صحفي بجريدة أخبار كفر الشيخ *عضو نقابة المهن الزراعية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

697,268