جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
عبد العاطي صائد الدبابات".. فيلم كان قد عُرض في اتحاد السينمائيين التسجيليين بالقاهرة بحضور نفر قليل، ويدور حول الشاب المصري "محمد عبد العاطي" جندي المشاة الذي استطاع بتصويباته الدقيقة والمتمكنة بصاروخ بدائي صغير في حرب أكتوبر تفجير وتدمير أكثر من 23 دبابة و3 مدرعات إسرائيلية، كانت الدبابة الواحدة منها كفيلة باقتلاع مدينة وسحقها.
وهذا ما جعله محورًا للتحقيقات الصحفية؛ إذ نُشرت صوره في الصفحات الأولى من الصحف آنذاك في أواخر أكتوبر 1973م، وهو ما جعله أيضا ممثلا لروح البطولة وهبّاتها في وجدان الكثير من الشباب المصري آنذاك، إلا أنه بانتهاء الحرب توارت أخباره وطواه النسيان.
لكن موته المفاجئ في التاسع من ديسمبر 2001م وهو في عمر الحصاد (51 سنة) بعد مرض خبيث وطويل.. أعاده حيا في ذاكرة من عرفوه.
لذا جاء عرض الفيلم على سبيل تذكره وتأبينه في آن واحد. وقد ظهر عبد العاطي في الفيلم حييًّا فرحًا بنصره، ويحلم بتحقيق انتصارات صغيرة في الحياة له ولأسرته بعد أن حقق النصر الكبير في الحرب.
وفي مفتتح الفيلم تضيء الشاشة بمشهد لجنود بزيهم "الكاكي" يتحلقون حول دبابات مدمرة، وكانوا في منخفض قريب من هذه الربوة الرملية التي كانت تأتي من خلفها الدبابات الإسرائيلية وتدور باتجاههم. ويحكون كيف أن عبد العاطي سبقهم جميعًا إلى هذا الموقع، وجهز صاروخًا دمر به دبابته الأولى.
الكاميرا تقترب
وفي لقطة متوسطة يظهر جندي شاب بقوام رمح يصلنا صوته وهو يدور حول الدبابة، ويضرب بكفه على كفلها الحديدي، ويحكي كيف جهّز صاروخًا بمجرد أن رآها ووجَّهه إليها ودمرها.
بنفس الطريقة تقريبا ومن نفس المكان دمر وأحرق 23 دبابة في بضعة أيام. الكاميرا تقترب منه، ويواجهنا عبد العاطي بوجهٍ وسيم يفيض طيبة وسماحة، وتتخايل فيه بعض طفولة وسذاجة ريفية، بينما كان يعرفنا على نفسه: محمد عبد العاطي، من قرية سينوا، منيا القمح، شرقية.
تغادر الكاميرا وجهه وتتجول في حارات قريته، وما يزال صوت عبد العاطي يصلنا، ويقول: إنه آخر العنقود في عائلته، وإنه يتيم منذ طفولته المبكرة.
الكاميرا تعود إلى الجنود الذين يتكلمون بتتابع، لكن بلهفة منشرحة، يسلمون الميكروفون لبعضهم البعض بنفس الترتيب الذي نفذوا به عملياتهم.. أعمارهم لا تتجاوز 20 عامًا، يحكون لنا كيف دمروا هذه الدبابة، وهم يدورون حولها أو يجلسون فوقها كأنهم يخافون أن تُسرق منهم أو تختفي فجأة.
الكاميرا تنتقل بين وجوههم وقرية عبد العاطي، والدبابات التي دمروها في كل مرة تعود إليهم، يقفون بجوار دبابات أخرى مدمرة يحكون كيف دمروها، وكيف أن صواريخهم اخترقتها، وجعلتها كتلا من النيران يخرج منها دخان أسود في فضاء سيناء الواسع.
أحدهم سرح من الكاميرا وراح ينبش في بطن دبابة محترقة يشد منها أسلاكًا متفحمة ما زالت متشنجة يحدّق فيها بإمعان وهو يقلبها بين يديه ويلقيها جانبا.
الكاميرا تتوقف أمام المقدم عبد الجابر قائد المجموعة، يقول: إن ما دمره هؤلاء الرجال يزيد عن 140 دبابة إسرائيلية في 10 أيام.
الكاميرا تتوقف أمام صاروخ فهد، صاروخ أسود قصير ناهض من الأرض، كل مقاتل كان يحمل 3 منه على ظهره، ويوجهه نحو الدبابة بالسلك.
أحد المقاتلين علق بعد عرض الفيلم، وقال: إن المسألة لم تكن سهلة، كانت هناك طائرات فانتوم أمريكية تشوش على توجيه الصاروخ، وتغير من مساره ليعود إلى نفس الموقع، ويقتل كل من فيه.
تكررت الحوادث.. وازدادت الضحايا.. اتبعنا تكتيكًا لفصل وتوصيل الكهرباء عن الصاروخ أثناء إطلاقه بحيث يسير فترة بالكهرباء وفترة بقوة الدفع الذاتي حتى يفلت من أن يقع تحت توجيه الأعداء.. وبهذه الطريقة صار المقاتل يوجه صاروخه وكأنه راكب فوقه. وأضاف: "آه.. لقد خضنا حروبًا صعبة".
انتصارات الأفراد
الكاميرات تنتقل بين الجنود الذين ألِفنا وجوههم: عبد العاطي (23 دبابة و3 مجنزرات). عوض (18 دبابة)، بيومي: (12 دبابة)… وغيرهم.
الكاميرا تعود ثانية إلى القرية، وتُظهر الناسَ يتكلمون عن مشاكل الحياة والإنارة والمواصلات.
الكاميرا تتجول في القرية كأنها تبحث عن سر البطولة.. تتوقف أمام فلاحة توقد فرن الخبز.. رجل يفتل حبلا من نبات الحلفا الخشن.. القرية لا تجيب على تساؤلات الكاميرا إلا بما تفعل.
لكن الكاميرا تتجول ثانية في شوارع القرية، وتمسح جدران البيوت بعيونها. تمر بها رسوم بالطباشير كأنها تعاويذ وتمائم تكاد تلجُ أحد البيوت، لكن العيون العميقة الغائرة اليقظة كعيون البومة التي زخرفت بها واجهة البيت تردها؛ فتبتعد بوجل، وتراقب طفلا وهو يطير في الهواء بأرجوحة من حبل، تحرضه أكثر على اختراق الفضاء ضحكات طفلة كانت تنظر إليه وتتابعه.
الكاميرا تعود إلى عبد العاطي، تتأمله وهو يشرب من القلة، فيرتجف وتسقط قطرات من فمه.. تذهب معه إلى شقته الجديدة التي سيتزوج فيها، يثبت "لمبة" في السقف لا تضيء.. يفتح شباك البلكونة، وينظر إلى المكان الواسع الأخضر أمامه.. تتلكأ الكاميرا حتى يلتفت إلينا ويبتسم ابتسامته الطيبة الحنون التي نتخايل منها شيئًا من الانقباض أيضًا.
عقب الفيلم تحدث مخرجه "خيري بشارة" فقال: "كنت مدفوعًا في إخراجي للفيلم بانبهاري ببطولة عبد العاطي الذي لفت نظري إليه جمال الغيطاني بكتاباته عنه؛ فأصبح بالنسبة لي رمزًا للبطولة وحلمًا شخصيًا، وطريقًا للخروج؛ فقد رأيته أكثر حكمة وقدرة مني.. أنا الذي أعدّ أكثر منه تعليمًا بمقياس ما".
وأضاف: لم أكن مبهورًا بالحرب بقدر ما كنت منبهرًا به هو شخصيًا. لذا اهتممت أن أبين فقر الناس في قريته وما يعانون فيه؛ لأنه كان لدي إحساس أن انتصارات هؤلاء في الحرب لن تعود عليهم، وهذا ما أثبته الواقع فيما بعد بالفعل!
ثم تحدث "فاروق عبد الخالق" مدير الإنتاج في الفيلم، والمدير الحالي لمركز الثقافة السينمائية الذي عرض الفيلم في قاعته، وقال: إن فيلم "صائد الدبابات" يكشف عن المعنى الحقيقي للبطولة في الحرب البطولية التي حققها عبد العاطي الإنسان البسيط، والذي –للأسف- رغم بطولته كان مصيره أن يموت مريضًا بالكبد الوبائي وانفجار دوالي المريء بعد رحلة علاج طويلة ومريرة، أقل ما يقال عنها: إنها لم تكن ذات عناية كافية.
وكان خيري بشارة قد علق قائلاً: "إنني حين أنظر الآن إلى هذا الفيلم أراني أخجل منه؛ إذ إنني كنت متسرعًا، وجعلت الكاميرا كأنها تحاصر عبد العاطي".
واقع حال خيري بشارة كان يقول: "إنها لحظة نرى فيها أحلامنا تسقط، والأجدر بنا أن تكون لحظة حزن ومراجعة لا لحظة مديح وفرح