
ديك في حجم الفيل..نتاج الهندسة الوراثية
وتكملة لحديثنا الأسبوع الماضي عن الهندسة الوراثية، يُمكن القول بأن الإنسان يمتلك ما بين 50 إلى 100 ألف جين أو أكثر، بعضها جينات تقليدية لابد من وجودها لكي توجد الحياة نفسها، وبعضها يحدد الجنس والنوع والفصيلة، وبعضها حيوي لدرجة أنه يحدد الاختلافات بين الأنواع، فما يفرق بين الإنسان وقرد الشمبانزي 1% فقط من الاختلاف الجيني، مما حدا بالعالم "والتر جلبرت" أن يطلق على الجين اسم " الكأس المقدسة".
اليوجينيا
تعني نبيل الأصل، وهي مجموعة من الأفكار والأنشطة التي تهدف إلى تحسين السلالة البشرية عن طريق المعالجة الوراثية البيولوجية، وترجع تلك الفكرة الى أفلاطون صاحب نظرية "الجمهورية الفاضلة"، ولكن الشكل الحديث لهذه النظرية نشأ على يد "فرانسيس جالتون" -ابن عم "تشارلز داروين"- وهي تهدف في الأصل الى العلاج الطبي، فمثلاً يمكن علاج الأمراض الوراثية المستعصية، مثل مرض السكر أو الصرع، ويمكن أيضاً علاج بعض المشاكل التي تتضمن صفات مزاجية مثل إدمان الكحول.. ثم تحول الأمر من تحسين السلالة إلى تنقية السلالة، كما أصبحت اليوجينيا قضية سياسية بيولوجية، فمثلا في مسألة الفقر الشديد، وجد اليوجينيون أو المؤمنون بتلك النظرية، أن ذوي الدخل المنخفض لا يرجع إلى عدم وجود فرص عمل، بل إلى صفاتهم الوراثية وقدراتهم العملية والأخلاقية!..
ففي أمريكا وبريطانيا في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، كانت هناك مراكز للحجر مهمتها البحث عن الصفات الإجرامية بين شعوب شرق وجنوب أوربا، ومازال هناك قانون التعقيم الجنسي لعدم إنجاب أطفال مشوهين أو مختلين في عدد من الولايات الأمريكية ومنذ عام 1927، ولا ننسى أبداً العصر النازي الذي اضطهد كل الأجناس ما عدا الجنس الآري، وكانت هناك معاهد خاصة باليوجينيا لتقدم للحكومة المشورة بشأن (سياستها) اليوجينية، وكان هناك أطباء في فرق العاصفة مهمتها تحليل السلالات، ولا ننسى الاسم الأكثر قذارة في هذه الحرب اليوجينية "يوسف منجيله" حيث أشرف على تعقيم الآلاف من البشر في بولندا وروسيا، فضلاً عن عمليات التطهير العرقي والموت الجماعي، ونال اليهود والروس والغجر كفايتهم من اليوجينيا، ولكن بعد بعض الوقت، ظهرت جماعات في كل العالم – المتقدم طبعاً– تنادي بانفصال علم الوارثة عن اليوجينيا.

الهندسة الوراثية
اكتشف العلماء في مناطق من آسيا نوعاً من القمح يعود عهده إلى آلاف السنين، وبتحليل الحبوب وجد أنها ناتجة من تهجين نوعين مختلفين من الحبوب، وقد عمد الأقدمون إلى تزاوج أنواع من الخيل بالحمير لإنتاج نسل جديد يسمى "بغل"، ويمكن أن نعرف أن معظم النباتات والحيوانات التي نتعامل معها حالياً هي نتيجة انتخاب بشري، فالكلاب الأليفة تختلف عن الكلاب البرية، وذلك لأنه من قديم الزمن عمد الأقدمون إلى تزاوج أنواع معينة من المخلوقات مع أخرى للحصول على كائن يفيدهم بشكل موضوعي.
والعلم الحديث وجد التقنيات التي تؤهله للتدخل في مادة الحياة لإنتاج مجموعة من الكائنات التي تملك صفات جديدة لم تكن تمتلكها من قبل، وقد فتح هذا الباب العالمان "جيمس واطسون" و"فرانسيس كريك" عندما وصفا تركيب الـ"DNA".
وفي الثمانينيات بدأت مجموعة عالمية من العلماء في إطلاق مشروع الجينوم البشري "Human Genome Project" لمعرفة خصائص كل جين، ويمكن للعلماء الآن إنتاج أعضاء حية، ونسخ من المخلوقات الحية بطريقة غير جنسية.

استنساخ الأجنة البشرية
فوائد الهندسة الوراثية
الهندسة الوراثية قادرة على حل مشكلات كثيرة، أهمها على الإطلاق مشكلة الغذاء العالمية، فيمكنها إنتاج أحجام أكبر من الفواكه والخضروات، وتستهلك كميات أقل من الماء أو تعيش في ظروف صعبة من الحرارة الشديدة أو البرودة القارسة والتأقلم مع بيئات جديدة لا ينمو فيها هذا النوع من النبات، يمكن أن نرى تفاحة بحجم البطيخة، أو حبة قمح بحجم الأناناس، أو إنتاج نسل من الأبقار يدر كمية أكبر من الألبان، أو نحل يدر كميات أكبر من العسل، ويتم ذلك عن طريق إضافة الجين المطلوب من كائن يتمتع بهذا الجين إلى آخر لا يتملكه، مثل إضافة جين مقاوم لنوع معين من البكتيريا إلى الذرة أو القطن مثلا، ومنذ إنتاج أول نبات معدل وراثياً عام 1983 لم تظهر أي أخطار تهدد البيئة أو صحة الإنسان بشكل عام، بل مجرد أخطاء يتم تلافيها على الفور.
ولكننا نلاحظ أن معظم المواد الغذائية التي يتم إنتاجها عن طريق الهندسة الوراثية يصاحبها دائماً فقد في القيمة الغذائية الضرورية التي يوفرها المنتج، أو في نكهته المميزة، وفي بعض الأحيان قد تؤدي إلى فقدان للمناعة وصغر حجم الدماغ وتضرر بعض الوظائف الحيوية كما حدث مع الفئران في بعض التجارب، وهناك أنواع من الأغذية المعدلة وراثياً تسبب أنواعاً من الحساسية.

النعجة دولي وحملها الذي ولدته عام 1998
وفي مجال الطب أمكن إنتاج نسل من الفئران تخرج من ظهرها أذناً بشرية كاملة عندما يكتمل نموها، وهذا يعني أنه في خلال بضعة أعوام سيكون بالإمكان إنتاج كبد أو قلب بشري ليتم زرعه بدلاً من الأجهزة التالفة، أو إنتاج نسل من البكتريا يساعد على التئام الجروح بسرعة أكبر أو إنتاج الدم أو الجلد البشري.
وفي تجارب مثيرة حاول بعض العلماء استخلاص جينات معينة من البكتريا التي تعيش في مصانع الأسلحة ومستودعات الذخيرة، والقادرة على تحليل المواد المتفجرة، ثم نقلها إلى كائنات أدق يمكنها العيش في البيئات التي يكثر فيها وجود الألغام أو الديناميت، وعلى هذه الكائنات أن تحلل المادة المتفجرة، وقد تمكن العلماء من إنتاج سلالة من البكتريا قادرة على تحليل النيتروجلسرين إلى ماء وثاني أكسيد الكربون، وهذا يعني أنه مع التطور الدائم يمكن إنتاج سلالة متطورة من البكتريا قادرة على تحليل النفايات النووية، أو حتى القضاء على الخطر النووي بالكامل من خلال تحليل المادة المتفجرة في الرؤوس النووية!

الاستنساخ البشري
أخطار الهندسة الوراثية
هناك وجه آخر للهندسة الوراثية، وهو أنه يمكن إنتاج نسل من البكتريا أو الفيروسات أو خليط بينهما قادر على إصابة الإنسان دون فترة حضانة طويلة، أو دون علاج سريع، ويمكنه الانتقال عبر الهواء أو العيش فترة طويلة خارج الخلية الحية، وهذا ما يسمى بالسلاح البيولوجي، وهو أخطر مئات المرات من السلاح النووي، فكلنا نسمع عن الإيبولا أو الجمرة الخبيثة المعدلة وراثياً، فلو وجد فيروس معدل وراثياً بهذه الصفات، فيمكنه أن يعيث فساداً في العالم!.. وكما استخدمت الهندسة الوراثية لخدمة البشرية، فإن أطقم كاملة في مختبرات الأسلحة تعمل على إنتاج أنواع من النباتات تجلب الأوبئة بدلاً من أن تقاومها، وهذا يعني أن حبة قمح معدلة وراثيا قد تكون أخطر من عدة جيوش.

لوجو مشروع الجينوم البشري
أحياناً عندما يتم نقل جينات معينة إلى نبات أو حيوان معين، ينقل معها جينات مقاومة للمضادات الحيوية، وعندها تنتقل الجينات إلى معدة الإنسان، وبهذا تصبح البكتريا الموجودة داخل جسم الإنسان مقاومة للمضادات الحيوية، مما يحتم وجود مضادات حيوية جديدة، وقد أثبت أيضا أن بعض المواد الغذائية المعدلة وراثياً تحتوي على بروتينات ضارة بالإنسان، وهذا ما يطلق عليه اسم " التلوث الجيني".
الاستنساخ
هو الحصول على صورة طبق الأصل من النسخة الأصلية، ويتم عن طريق إفراغ البويضة من الكروموسومات، ثم إدخال خلية جديدة مكتملة النمو داخل البويضة، ثم زرعها في رحم أنثى. ولكن مشاكله كبيرة جداً، فمعظم الحيوانات التي تم استنساخها قضت نحبها داخل رحم المضيف، أو خرجت مشوهة داخليا أو خارجيا.
النعجة دولي
النعجة الأشهر على مر التاريخ، وقد ولدت في 5 يوليو 1996 ونفقت في فبراير 2003، وهي أول حيوان ثديي يتم استنساخه من خلايا حيوان آخر بالغ، وقد قام بعملية الاستنساخ العالم "أيان ويلموت" التابع لمعهد الأبحاث الاسكتلندي، وقد تم إنهاء حياتها بأسلوب القتل الرحيم بعد إصابتها بمرض صدري، وقد بدأت أعراض الشيخوخة تصيب دولي وهي في عمر صغير نسبياً، ولكن يبدو أن استنساخ خلايا كائن مكتمل النمو يؤدي إلى تضارب في الساعة البيولوجية لخلايا الكائن المستنسخ.

الهندسة الوراثية يمكن أن تنتج بقرة في حجم عقلة الإصبع
وهناك قائمة طويلة لأسماء الحيوانات التي تم استنساخها، ومنها القرود والكلاب والأحصنة، ولكن تبقى المشاكل الدينية والأخلاقية والاجتماعية عند التحدث عن استنساخ البشر، صحيح أن العلم لازال أمامه العديد من القفزات حتى يصل إلى هذه المرحلة، ولكنها قفزات قد تحدث بين يوم وليلة.


