جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
"الثورة"!! ياه... كأنها كلمة اختفت من قاموسنا أو حتى تغير معناها إلى النقيض! فلنكن صرحاء مع أنفسنا ونتساءل: مامعنى "الثورة" لأغلب المصريين اليوم خاصة من الذين لم يعاصروها وإنما سمعوا عنها فى وسائل "الإعلان" عن نظام الحكم المعاصر أو رأوها فى بعض أفلام السينما المصرية؟ هل الثورة هى الدبابات التى خرجت فى فجر 23 يوليو منذ ستة وخمسين عاما فأصبحت مرادفا للانقلاب العسكرى، وهو الأمر الذى استغله بالتأكيد من يروجون لفكرة أن الثورة نقيض للديمقراطية؟ أم أن الثورة حالة من الاضطراب بعد أن روج حكامنا فى الفترة الأخيرة لمفهوم "الاستقرار" الذى تجسد فى حالة من شيخوخة الإرادة السياسية وعجزها عن الفعل؟ هل الثورة كانت إرادة رجل واحد وصفوه بالديكتاتورية، بينما كان وجود "الدولة" فى ظله حاضرا بقوة، فى الوقت الذى نعانى فيه اليوم من تفكك الدولة إلى درجة الغياب أحيانا، وتسلط "شلة" من وسطاء وسماسرة السياسة والمال فى مقدراتنا؟ هل الثورة تعنى الجموح والجنوح وتحدى القوى الكبرى، بينما تقتضى "الحكمة" (أو هكذا يسمونها) الخضوع والخنوع والركوع، والتسامح مع الحمار والشطارة على "البردعة"؟! قل لى بعد ذلك كله ماذا تعنى الثورة عند القطاعات الأكبر من جماهيرنا التى ندافع عن حقها فى الحياة الكريمة.
إن تأملا لتاريخ السينما المصرية قبل 1952 وبعدها قد يعطينا تفسيرا للمعنى الحقيقى للثورة، الذى يبدأ بالإحساس بالظلم على كل المستويات: الاجتماعى والاقتصادى والسياسى، ومن هذا الإحساس تولد الرغبة فى "التغيير" لحل هذه التناقضات الظالمة، وبالطبع سوف تختلف الرؤى إلى درجة التناقض أحيانا _ حول هذا الحل، تماما كما اختلف فيلمان هما اليوم من كلاسيكيات السينما المصرية: "العزيمة" (1939) و"السوق السوداء" (1945). وربما لا نبتعد كثيرا عن الحقيقة عندما نرى فى "العزيمة" لكمال سليم موقفا معاديا للثورة، ويدعو إلى مانسميه "الإصلاح الاجتماعي" بالتكيف مع القواعد الاجتماعية السائدة بدلا من الدعوة لتغييرها، فالبطل محمد أفندى (حسين صدقي) يحاول الصعود من الشريحة الدنيا للطبقة المتوسطة ليصل إلى مصاف "الصفوة"، وحين تواجهه العقبات الناتجة عن تقسيم طبقى حاد، فإن هذه العقبات تتمثل فى الأخلاق المستهترة للشاب الأرستقراطى (أنور وجدي)، لكن محمد أفندى سوف يصبر ويثابر ليعمل فى أعمال متدنية (على طريقة إعلان القطار الذى يدعو _ بغفلة أو استغفال _ لمحاربة البطالة!!)، وهذا الصبر سوف يؤتى ثماره يوما (وحلنى بقى، أو موت ياحمار) حين يظهر الباشا (عباس فارس) كأنه "الإله فوق الآلة"، ذلك الحل الأضعف على الإطلاق فى أى دراما فنية أو واقع سياسى، فيمنح الباشا محمد أفندى الفرصة ليصبح باشا جديدا، وليس مهما الملايين من الغلابة الذين لا يعرفون أو يعرفهم الباشا الكبير! على النقيض كان فيلم كامل التلمسانى "السوق السوداء" يؤكد أن التناقضات الاجتماعية أعمق وأخطر من أن يتم التعامل معها على نحو أخلاقى فردى، لذلك فإن البطل (عماد حمدي) لم يجد طريقا إلا التمرد والثورة على هذه الأوضاع الظالمة. لكن لماذا أصبح "العزيمة" فى وجدان الجماهير أقوى تأثيرا بكثير من "السوق السوداء"؟ قد يحلو للبعض تفسير ذلك برغبة الجماهير فى الاستكانة للحلول القادمة من أعلى، لكن الحقيقة تكمن فى إحدى نقاط الضعف المتأصلة فى السينما المصرية حتى اليوم، وربما ثقافتنا بشكل عام، وهى أن التيار الرجعى للأسف الشديد هو الذى يملك (ويرغب حقا في) القدرة على التعامل مع الجماهير، بينما تفتقد معظم النزعات الثورية القدرة على هذا التواصل، ولتقارن فى هذا السياق تماسك وبساطة السرد السينمائى فى "العزيمة" وتشوشه وغموضه فى "السوق السوداء".
وكما كانت الفترة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وقيام ثورة يوليو فترة مخاض على المستوى السياسى، فإنها كانت أيضا المرحلة الجنينية الأولى لولادة سينما مصرية حقيقية بعد هجرة الفنانين والفنيين الأجانب، وأصبحت الفرصة متاحة أمام السينمائيين المصريين لتقديم تنويعاتهم الخاصة على الأنماط السينمائية، بدءا من الميلودراما وحتى الكوميديا اللتين اتسمتا آنذاك بروح أكثر شعبية، وكانت تلك إحدى إرهاصات "التغيير" القادم، لكن السينما المصرية بعد ثورة يوليو اختارت فى الأغلب الأعم طريق مواكبة التغيير الذى حدث بالفعل، حتى أن يوم 23 يوليو 1952 أصبح ـ على نحو لا يخلو من السذاجة أو حتى النفاق فى الكثير من الأحوال ـ لحظة فاصلة بين عهدين، أطلق فيها على الماضى وصف "العهد البائد"، وهى نقطة ضعف متأصلة أخرى فى صناعتنا السينمائية، وهى "الشجاعة بأثر رجعي"، تراها قد تكررت بعد مد الثورة المضادة منذ السبعينيات وحتى الآن، فقد أصبحت ثورة يوليو ذاتها بالنسبة للسينما المصرية عهدا بائدا!!
إن أردت أمثلة على هذه الشجاعة المصطنعة فسوف تفاجأ بأن كثيرا من الأسماء اللامعة قد وقع فى فخها أحيانا، لا فرق فى ذلك بين "صراع فى الوادي" (1954) ليوسف شاهين أو "الوحش" (1954) لصلاح أبو سيف، لكن هذه الأسماء ذاتها قدمت فى المقابل أفلاما على درجة بالغة من الأهمية فى معالجة قضية "الثورة"، ولتتأمل على سبيل المثال فيلم "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوى وحسن فؤاد ويوسف شاهين، فليست فيه أى إشارة مباشرة لثورة يوليو، لكنك طوال الفيلم تتأكد بعقلك وعواطفك أن الثورة تصبح ضرورة تاريخية منطقية لما كان يحدث فى المجتمع المصرى من تناقضات مأساوية. وإذا كان فيلم "الأرض" لايزال يتحدث عن الماضى، فقد كان فيلم "بين السماء والأرض" (1959) لنجيب محفوظ والسيد بدير وصلاح أبو سيف يتحدث عن "هنا والآن"، وكأنه يطالب الثورة بأن تحدد موقفها وتجيب عن الأسئلة: لماذا الثورة؟ ولمن؟ فالفيلم يدور حول مجموعة شديدة التباين توقف بهم المصعد "بين السماء والأرض" وكأنه مجتمع يقف فى مفترق طرق، قد يبدو المصعد يجمعهم فى "تحالف" واحد، لكن الحقيقة أنهم لايزالون مشتتى الأهداف والمقاصد، فلايزال الأرستقراطى القديم يعاف أن يلمسه البواب، ولاتزال ممثلة السينما تقوم بأدوار سخيفة، والجيل الشاب لا يعرف مستقبلا واضحا لقصص حبه، لكن أطرف وأذكى ماجاء فى الفيلم هو أنه وضع كل التعليقات السياسية النقدية على لسان مطارد بالجنون، وإن أكثرهم عقلا!
لقد كانت تلك أمثلة على أفلام تؤمن بالثورة إيمانا حقيقيا، لأنها تعكس رؤية الفنان الذى يتطلع دائما نحو "التغيير" إلى الأفضل، نحو الثورة الدائمة داخل الثورة، لكن مع حلول السبعينيات والارتداد على أهداف الثورة (الغريب أنك مازلت تسمع من بعض أركان النظام الحالى كلمات يتمسحون فيها بالثورة!!)، منذ تلك المرحلة دخلت السينما المصرية فى حالة غيبوبة عميقة فى تيارها السائد (ونستثنى منه عشرات الفنانين الجادين الذين تمردوا على هذا التيار وإن لم يستطيعوا فى التحليل الأخير خلق تيار مستمر بديل بسبب العديد من الأسباب الذاتية والموضوعية، فتوقف بعضهم قسرا عن العمل وانطوى آخرون تحت عباءة التيار السائد ذاته)، ولم يكن ذلك غريبا إذا وضعنا فى الاعتبار أن أغلب من يضعون أموالهم فى هذه الصناعة جاءوا إليها من خارجها، وهم يرحلون دائما بعيدا عنها بعد حين، فهم فى جوهرهم جزء من سياق السمسرة السياسية والاقتصادية، ولا يهتمون بتأسيس صناعة سينما حقيقية، بل يغازلون فى الجماهير تلك النزعة الاستهلاكية المتزايدة فى شراهتها العبثية، فكيف لهم أن يقدموا تحليلا موضوعيا لذلك التردى الذى وصلنا إليه؟ وهل تراهم راغبين حقا فى التغيير أو الثورة؟!
أرانى برغم هذه الصورة المتشائمة ملزما بالإشارة إلى بعض أفلام تحدثت عن "الثورة" التى نحتاجها اليوم، لكن من المؤكد أننى سوف أعجز وحدى عن إحصاء هذه الأفلام وأن ألقى عليها ماتستحقه من ضوء، ولعل القارئ قد وجد أمثلة على هذه الصفحة منذ أسابيع مضت مع أفلام مثل "المرشد" لابراهيم الموجى أو "البداية" لصلاح أبو سيف، لكننى أشير هنا إلى فيلم أعتبره "سيرة ذاتية" برغم أنه لا يبدو كذلك على الإطلاق، ذلك هو فيلم "آيس كريم فى جليم" (1992)، فقد جسد صانعه خيرى بشارة أزمته الوجودية والسياسية ووزعها على الشخصيات الثلاث الرئيسية وهم فى الحقيقة خيرى بشارة نفسه: زرياب (على حسنين) الموسيقى الماركسى البوهيمى العجوز، ونور (أشرف عبد الباقي) الشاعر الناصرى المتوقد بالحماسة، وسيف (عمرو دياب) المغنى الذى يبحث لنفسه عن مكان فى سياق حافل بالاضطراب، بعد التخلى عن منجزات ثورة يوليو، والشعور البائس اليائس بسقوط كل الأيديولوجيات الذى كان فى حقيقته انفرادا للأيديولوجيا الإمبراطورية الأمريكية. ووسط حالة المرارة التى تغلف الفيلم كله حتى فى اللحظات التى تبدو مرحة، فإن هناك مشهدا دافئا واحدا يكاد أن يقطع نياط قلبك ويدفع الدموع إلى عينيك: مشهداً تسجيلياً لشوارع القاهرة، ووجوه المصريين المقهورة التى تقاوم الموت المادى أو المعنوى، وقد انطلق على شريط الصوت صوت غناء عبد الحليم حافظ ليستدعى إلى ذاكرتك زمن أن كنا نعيش حياة تليق بالبشر، عندئذ سوف تشعر بكل جوارحك أننا مازلنا فى حاجة جارفة إلى التغيير، وإلى الثورة.