جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
من أهم الإيجابيات في حياة المؤمنين.. تعلق القلوب والعقول بالله وحده واتحاد الوجدان والمشاعر مع السلوك العلمي في الارتباط بالله عز وجل في كل أحوال المؤمنين به والمحبين له سبحانه وتعالي..
فمن التجأ إلي الله حماه الله, ومن وثق به وتوكل عليه كان معه دائما ومن كان الله معه فهو القوي الذي لا يقترب منه الضعف, العزيز الذي لا يعرف معني الذل الا خضوعا لربه عز وجل, الغالب غير المهزوم, السعيد فلا يشقي ما دام قلبه وعقله وفكره وأحاسيسه موصولة بخالقه الرحيم بعبادة المحب لهم, الرءوف بهم في كل حالاتهم..
ومع تعلق القلوب بالمولي عز وجل يأتي تثبيت الأقدام والرضا بقدر الله وتنحية اليأس والقنوط والادراك الكامل بأن النصر يأتي مع النضال والصبر وأن الفرج يعقب الشدة.. وكان هذا هو حال الأسوة والقدوة لأمته وللانسانية محمد صلي الله عليه وسلم الذي أعطي لأمته النموذج للانسان والقائد الأسوة والقدوة في كل مراحل حياته وفي حمله لرسالة الاسلام وتبليغها للناس كافة فما وهن وما ضعف وما استكان..
ففي الأربعين من عمره ختم الله به رسالات السماء كافة ختم به الرسل والأنبياء.. وقامت دعوته السمحة علي غرس عقيدة التوحيد في القلوب وتحطيم الأصنام التي تعبد من دون الله.. وترتب علي هذه الدعوة الجريئة في مجتمع يقدس تماثيل من حجارة لا تنفع ولا تضر أن تجد دعوته هذه معارضة من هؤلاء الماديين الذين لا يؤمنون إلا بما تقع عليه حواسهم فحملوا عليه حملة شعواء نري بعضا منها في قول الله تعالي: وعجبوا ان جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم ان مشوا واصبروا علي آلهتكم إن هذا لشئ يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب.
وقد تصاعدت التحديات من مجرد القول إلي العدوان علي النبي صلي الله عليه وسلم وعلي اصحابه رضوان الله عليهم الذين شرح الله صدورهم للايمان, ولا ينسي التاريخ إغراء الكفار سفهاءهم ليلقوا علي الرسول التراب والقاذورات لدرجة أن تنحني ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها فوق ردائه باكية تزيل عنه الأذي وتغسله, بينما صلي الله عليه وسلم في صبر ورضا المصطفين الأخيار يجفف دموعها بكفه الحانية ويقول لها: لا تحزني يا بنية فإن الله مانع آباك
إن محمدا صلي الله عليه وسلم في كل أحواله.. لم يغب عنه يقينه بالله لحظة من اللحظات, فتحمل بجسده الآلام, أما روحه, أما إيمانه بالله, أما تمسكه بدعوته وتبليغها.. فهيهات لميء الأرض بأسا وحقدا وبغيا أن ينال منه منالا.. فلم يقاوم اضطهادهم بالصبر فحسب بل بالمزيد من العمل ومواصلة السير في طريق الدعوة الملئ بالصعاب.. وفي يوم ذكره التاريخ راح يلتمس لدعوته مؤمنين جددا وانتقل إلي مكان آخر ولعله يجد أرضا أطيب وقوما أكثر عقلا فذهب إلي الطائف وكان يوما عجبا فقد بدأ لقاءه بعدد من سادة المكان راجيا أن يصبحوا قدوة لقومهم إذا هداهم الله لما يدعوهم اليه من خير الدنيا والآخرة.. لكن هؤلاء السادة تخلوا مع النبي العربي عن أبسط مظاهر الخلق العربي في إكرام الضيف فأغروا به سفهاءهم وشيعوه بالسباب والحجارة تنهال عليه والدماء الغزيرة تسيل منه ولم يجد طريقا للنجاة إلا أن يوجه ناظريه إلي السماء ويناجي ربه:
الله اليك أشكو ضعفي وقلة حيلتي وهواني علي الناس, يا أرحم الراحمين, أنت رب المستضعفين وأنت ربي, إلي من تكلني؟ وإلي قريب يتجهمني, أم إلي عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك, لك العتبي حتي ترضي ولا حول ولا قوة إلا بك.
لك الله يانبي الأمة.. لقد بلغت الآلام ذروتها ووصلت المحنة إلي أقصاها وتحلي الرسول القائد والاسوة والقدوة بصبر يفوق كل المستويات المألوفة للناس فهو يذكر دائما قول الله تعالي: فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل
الفجر الصادق ليبدد ظلام ليل حالك السواء..
وسط هذه الكروب الشديدة التي ألمت بالنبي صلي الله عليه وسلم كانت دعوة الله لنبيه المصطفي في رحلة مثيرة من مكة إلي بيت المقدس, ومن بيت المقدس إلي السماوات حيث سدرة المنتهي ليشاهد الملكوت الأعلي وليمسح عن قلبه آلام الحياة وشدتها وعنت الطغاة وتجبرهم.. ولتدرك أمته عبر الأزمنة والأمكنة أن الألم العظيم هو البداية لحياة عظيمة مثمرة,وأن الانتصار الكبير في كل ميادين الحياة طريقه التضحية والعطاء, وأن سنة الله في خلقه أن العظمة مرتبطة بالعظماء والذي يريد أن يصل إلي الغاية التي ينشدها عليه أن يعد نفسه لتحمل المشاق ـ ولعل هذا أول دروس الاسراء نضعه امام أبناء الأمة ليكون لهم من بينهم وقائدهم القدوة إذا أرادوا أن تكون لهم العزة في عالمنا المعاصر الذي لا يلقي بالا إلا للأقوياء الصامدين في قوة وكرامة فعل محمد صلي الله عليه وسلم.