جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
فرضت مشكلة ارتفاع أسعار الغذاء فى العالم نفسها على مختلف التجمعات الدولية والتصريحات السياسية فى الآونة الأخيرة، نظرا لتشابكها مع عدد كبير من القضايا السياسية والاقتصادية، وتعلقها بحق رئيسى من حقوق الإنسان، هو الحق فى الغذاء. فقد شهد العالم فى الشهور الأخيرة واحدة من أسوأ موجات الغلاء فى التاريخ الحديث، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية، خاصة الحبوب، بشكل قياسى لم يتكرر سوى ثلاث مرات طوال القرن الماضى، فى الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخلال الصدمة النفطية الأولى فى السبعينيات.
ولم ترتبط موجة الغلاء الأخيرة بأحداث درامية فى العالم، كما حدث فى المرات السابقة، وإنما كانت انعكاسا لأزمات متراكمة فى مجال الغذاء، لم تهتم الدول الأكثر تقدما بعلاجها حتى تفاقمت، وأضيفت إليها عوامل اقتصادية ومناخية تلاقت لتشكل هذه الأزمة، التى مست بقطاعات واسعة من البشر فى مختلف دول العالم. ورغم تنوع العوامل التى ساهمت فى رفع أسعار الغذاء، فإن المتهم الرئيسى والأكثر إثارة للجدل فيها هو إنتاج الوقود الحيوى، الذى اعتبره أحد مسئولى الأمم المتحدة جريمة ضد الإنسانية.
تطور الأزمة وتداعياتها :
يرى الخبراء أن ظاهرة ارتفاع أسعار الغذاء قد بدأت قبل سنتين، وتسارعت فى عام 2007 لتظهر نتائجها بشكل واضح فى العام الحالي. وقد سجل مؤشر منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) ،الذى يقيس أسعار المواد الغذائية فى العالم، ارتفاعا بنسبة 40% خلال عام 7002. وكان القمح فى مقدمة هذه المواد، حيث سجل ارتفاعا بنسبة 287% فى الأسواق العالمية للمواد الأولية منذ يناير 2006، بينما ارتفعت أسعار الذرة (149%)، والصويا (129%)، والأرز (60%)، والبن (139%). أما فى العام الحالى، فقد ارتفعت أسعار السلع الغذائية بنسبة 53% خلال الأشهر الأربعة الأولى منه مقارنة بالفترة نفسها من عام 7002. وأدت تلك الارتفاعات المتوالية إلى موجة من الاحتجاجات بدأت فى الدول النامية، حيث ثارت احتجاجات فى بعض دول آسيا. ففى فيتنام -الدولة الثانية المصدرة للأرز فى العالم- دارت شائعات عن أزمة محتملة فى وفرة الأغذية، فتعرضت متاجر كبرى ومحال للنهب. وفى الفلبين، بلغ التوتر درجة أمسى ضروريا فيها توكيل الجيش بتوزيع الأرز فى أحياء مانيلا الفقيرة، وتحدث وزير العدل راؤول جونزالس عن 'حالة طوارئ'. ووصلت الاحتجاجات إلى الحد الذى أدى لسقوط الحكومة فى هايتي. وحذر رئيس منظمة الفاو من خطورة استمرار أزمة الغذاء، ليس فقط على الفقراء، وإنما على استقرار العديد من الديمقراطيات الناشئة التى قد تسقط 'نتيجة غضب شعوبها'. إلا أن الاحتجاجات قد امتدت إلى الدول المتقدمة فى الأيام القليلة الماضية، حيث احتج المواطنون فى بعض الدول الأوروبية بسبب تراجع القوة الشرائية مع ارتفاع أسعار مواد أساسية مثل الخبز والحليب والبطاطس.
وتواجه دول صاعدة بقوة فى المجال الاقتصادى، مثل الصين، تحدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الذى قد يشل القدرة الشرائية للملايين هناك ويهدد الاستقرار الاجتماعى، وكذا الأمر بالنسبة للهند التى ما زال نحو 300 مليون من سكانها يعيشون بأقل من دولار يوميا.
وتعانى الدول الفقيرة والنامية، حتى الزراعية منها، بشكل أكبر من أزمة الارتفاع الهائل فى أسعار الغذاء فى العالم، ذلك أن أهمية الغذاء فى أولويات الإنفاق الإجمالى للمستهلكين تتناسب عكسيا مع مستويات الدخل. فبينما يمثل الغذاء 60% من سلة الاستهلاك للسكان فى إفريقيا جنوب الصحراء، فإنه لا يمثل أكثر من 30% من هذا الإنفاق فى الصين، و10% فقط فى الولايات المتحدة، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي. من جهة أخرى، فإن الأسعار المرتفعة للحاصلات الزراعية لا تفيد الفلاح العادى ومن ثم تساهم فى تحسين معيشته، لأنها تذهب للشركات الكبرى والتجار العالميين فى الحبوب والمحاصيل الزراعية، الذين يحصلون عليها من الفلاح بأثمان أقل كثيرا.
ولجأت العديد من الدول النامية لوقف الصادرات، بشكل كامل أو جزئى، فى بعض السلع الأساسية، حفاظا على الأسعار المحلية ومحاولة لضمان توفير ما يكفى احتياج مواطنيها لفترات قادمة. فأعلنت الهند تعليق صادراتها الزراعية تماما، ثم خفضته ليقتصر على صادرات الأرز (الهند ثالث مصدر للأرز بالعالم)، وتراجعت الحكومة الهندية بعد ذلك جزئيا عن قرارها، لكنها واصلت فرض قيود كبيرة على الصادرات. وللأسباب نفسها، أعلنت فيتنام، وهى ثانى مصدر للأرز بالعالم فى مارس 2008، خفض صادراتها، وأوقفت مصر، وهى سابع مصدر عالمى للأرز، صادراتها منه فى الفترة نفسها.
وقد توقعت منظمة الفاو أن يشهد العالم ارتفاعا فى إنتاج المحاصيل الزراعية هذا العام، لكنها لن تكفى لحماية الدول الفقيرة من ارتفاع أسعار الغذاء. وقالت الفاو فى تقرير لها إن ارتفاع فاتورة الغذاء للدول الفقيرة يمثل تطورا يبعث على القلق بشكل كبير، حيث سترتفع سلة غذائها المستورد إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه عام 2000، رغم أن التقرير توقع زيادة فى إنتاج العالم من الحبوب بنسبة تصل إلى 3.8%، خاصة القمح بنسبة 8.7% هذا العام مقارنة بالعام الماضى، إلا أنه توقع أن تؤدى زيادة الطلب وارتفاع التكلفة والحاجة لإعادة بناء المخزونات إلى منع الأسعار من الانخفاض بشكل كبير.
أسباب ارتفاع الأسعار :
لم تشهد كمية المحاصيل الزراعية الغذائية التى ينتجها العالم نقصا حادا فى السنتين الأخيرتين بقدر ما ارتفعت الأسعار. وقد اختلف الخبراء فى تقدير الوزن النسبى للعوامل التى أدت لتفاقم أزمة الغذاء العالمية. فهناك عدة عوامل تسببت فى زيادة أسعار الغذاء، منها تزايد القدرة الشرائية فى الدول الصاعدة، مثل الصين مع تحسن مستويات المعيشة فيها، حيث أصبح هناك ميل للاعتماد على نظام غذائى يستند أكثر إلى اللحوم، وهو ما يتطلب مزيدا من الماشية وبالتالى تخصيص المزيد من الذرة والقمح والمساحات المزروعة لإطعامها، مقابل عدم زيادة المعروض من هذه المحاصيل فى السوق العالمية. كذلك، تزايد الطلب الهندى على الغذاء مع تحسن أوضاع نحو 300 مليون شخص يمثلون ثلث الشعب الهندي.
كما أن العوامل المناخية قد لعبت دورا خلال السنوات الثلاث الماضية، وكان لها أثرها على نقص إمدادات الغذاء، خاصة الجفاف الذى شهدته عدة مناطق فى العالم، ومحاصيل القمح السيئة فى استراليا التى تعد أحد المصادر الرئيسية لهذا المحصول فى العالم. كما أن تطور استخدام الطاقة النظيفة فى أوروبا والولايات المتحدة يعد متهما رئيسيا فى تلك الأزمة، حيث أصبح استخدام الحبوب والزيوت لإنتاج أنواع الوقود الحيوى يتنافس مع الاستهلاك الغذائى لهذه المنتجات. وكان للمضاربة فى المواد الأولية دور فى زيادة الأزمة، حيث دخلت صناديق الاستثمار الخاصة سوق السلع بكثافة هروبا من عدم اليقين الذى ساد الأسواق المالية، وانهيار العملة الأمريكية. كذلك، ساهمت المضاربة على النفط بشكل غير مباشر فى زيادة الأزمة، حيث أدى الارتفاع القياسى فى أسعار النفط دورا مهما فى تفاقم أسعار الغذاء، سواء من خلال إسهامه فى زيادة التضخم العالمى ومن ثم زيادة أسعار السلع بما فيها الغذاء، أو نتيجة دخول منتجات النفط فى تسيير العملية الزراعية وفى عملية نقل المنتجات، مما أسهم بدوره فى رفع تكلفة المنتجات الزراعية.
أما السبب الهيكلى لأزمة الغذاء، التى تتزايد منذ سنوات قبل انفجارها فى شكلها الأعنف مؤخرا، فيعود إلى تراجع الاستثمارات فى مجال الزراعة والتنمية الزراعية، خاصة مع تراجع دور الدولة فى إدارة الاقتصاد لدى معظم الدول. وكان لتراجع المعونات الزراعية كذلك دور مهم فى تدهور أحوال الأمن الغذائى فى الدول الأكثر فقرا، حيث تراجعت القيمة الحقيقية لتلك المساعدات فيما بين عام 1980 وعام 2005 بنسبة 58%، رغم تزايد مشكلات الفقر وسوء التغذية فى تلك الفترة. وفى الوقت نفسه الذى تتراجع فيه الدول الأغنى عن مساعدة الأفقر، فإنها تحثها على فتح أسواقها وتحرير منتجاتها الزراعية، بينما لا تلتزم تلك الدول بخفض المساعدات التى تمنحها لمزارعيها، وهو ما يؤدى إلى وضع تنافسى غير مشروع حيال المزارعين فى الدول النامية، بحيث تباع الفاكهة والخضراوات الأوروبية فى أسواق إفريقيا بنصف أو ثلث أسعار المنتجات المحلية.
التناقضات الغربية :
ورغم أن استخدام الحبوب فى إنتاج الوقود الحيوى لم يكن السبب الوحيد وراء أزمة الغذاء، إلا أنه الأكثر إثارة للجدل. فالمعهد الدولى لسياسات الغذاء، ومقره واشنطن، ذكر فى تقرير له أن زيادة الطلب على الوقود الحيوى بين عامى 2000 و2007 أسهمت فى 30% من الزيادة فى أسعار الحبوب، بينما قدر صندوق النقد الدولى ذلك الإسهام بـ 15%، وأعلنت منظمة الفاو أن الوقود الحيوى هو أحد 'المحركات الرئيسية' لتوقعات زيادة أسعار الغذاء بنسب تتراوح بين 20% و50% بحلول عام 6102. واعتبر مدير صندوق النقد الدولى، دومينيك ستراوس، أن الوقود الحيوى يمثل مشكلة أخلاقية، مادام يتم إنتاجه من منتجات زراعية تستخدم فى الغذاء، مؤكدا ضرورة الموازنة بين معالجة مشكلات البيئة والحاجة لضمان عدم موت الناس جوعا.
ومع ذلك، فإن الدول المنتجة لهذا النوع من الوقود تحاول تبرئته من أزمة الغذاء، حيث أكد الرئيس الأمريكى، الذى تعد بلاده رائدة فى هذا المجال، أن إسهام الوقود الحيوى فى الأزمة 'هامشي'، وصرح وزير الزراعة الأمريكى بأن دوره لا يتجاوز 3% من زيادة أسعار الغذاء، بينما تعود الأسباب الأخرى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الطلب.
أما المستشارة الألمانية ميركل، التى تشغل المنصب التنفيذى الأعلى فى أكبر بلد منتج للوقود الحيوى فى أوروبا، فصرحت بأن ارتفاع أسعار الغذاء لا يرجع إلى إنتاج الوقود الحيوى، وإنما إلى تغير العادات الغذائية فى الأسواق الناشئة، 'فمن يسافر إلى الهند هذه الأيام، فسيلاحظ أن النقاش الرئيسى يدور حول الوجبة الثانية .. الناس يأكلون مرتين فى اليوم، وهذا ينطبق على ثلث الشعب الهندى البالغ تعداده مليار نسمة'.
وتعكس مثل تلك التصريحات طغيان المصالح المادية والسياسية على مبدأ التضامن الإنسانى الذى تصور الدول الغربية نفسها من خلاله، فلا ترى المستشارة الألمانية غضاضة فى الحديث عن استخدام 100 مليون طن من القمح كوقود للسيارات (فضلا عن الحاصلات الأخري) كأمر غير مؤثر، فى الوقت نفسه الذى تشير فيه إلى أن 300 مليون إنسان قد بدأوا يتناولون وجبة ثانية لأول مرة، على اعتبار أن تلك هى المشكلة (أخذا فى الاعتبار أن طن القمح يصنع نحو 12 ألف رغيف بلدى فى مصر على سبيل المثال).
ورغم أن هناك شبه إجماع على كون التلوث البيئى، وما نتج عنه من اضطرابات مناخية مثل ظاهرة الاحتباس الحرارى، هى أمورا تسببت فى معظمها تاريخيا الدول الصناعية الغنية، وفى مقدمتها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا واليابان، فإن بعض هذه الدول تسعى اليوم للتخلص من هذا التلوث على حساب حياة الفقراء، الذين لم يكونوا مسئولين عن هذا الإتلاف من الأساس. وإذا حاولت إحدى الدول النامية مسايرة هذا الاتجاه الجديد فى إنتاج الطاقة لتحقيق مكاسب مادية، فستكون أيضا خاسرة. فدول أمريكا اللاتينية مثلا تحول قدرا كبيرا من الذرة والقمح الذى تنتجه إلى إيثانول لتموين السيارات الأمريكية والأوروبية بالوقود، لأن إنتاج الوقود من الزراعة أكثر ربحا لها من بيع الحبوب، إلا أنها لا تدرك عواقب ذلك على تغذية مواطنيها والعالم. وهى من جهة أخرى، تخسر خسائر بيئية فادحة، حيث يتم تدمير الغابات لصالح زراعة المحاصيل المربحة دون اعتبار لتزايد الأضرار البيئية.
ويتجلى التناقض فى سياسة الدول الغربية تجاه هذه القضية بالنظر إلى تشكيك الكثير من المتخصصين فى الآونة الأخيرة فى إمكانية خفض انبعاثات ثانى أكسيد الكربون للمحافظة على البيئة، وهو الهدف الرئيسى من اللجوء لهذا النوع من الوقود. كما أن علماء البيئة، الذين كثيرا ما أيدوا إنتاج الوقود الحيوى الصديق للبيئة، أصبحوا يعتقدون بأن إنتاجه يزيد من عمليات التصحر فى العالم، كما يحول الأراضى المزروعة بمحاصيل زراعية للغذاء إلى زراعة الحبوب المخصصة لإنتاج الوقود الحيوى، ومن ثم تراجع مساحة الأراضى المخصصة للاحتياجات الغذائية.
يقترح المشرعون بالاتحاد الأوروبى فى الوقت الحالى خفض سقف الأهداف التى وضعها الاتحاد للتوسع فى استخدام الوقود الحيوى فى السيارات، حيث كانت دول الاتحاد السبع والعشرون قد أقرت خطة العام الماضى لزيادة مساهمة الوقود الحيوى فى وقود سيارات الركاب والشاحنات لتصل إلى 10% بحلول عام 0202. وتعتبر هذه الأهداف جزءا من التزام قطعته دول الاتحاد لتوفير 20% من احتياجات المواطن الأوروبى من الطاقة من مصادر متجددة عام 2020 بالمقارنة مع 8.5% حاليا.
إلا أن رئيس منظمة الفاو يتوقع زيادة الإنتاج العالمى من الوقود الحيوى سريعا فى السنوات العشر المقبلة بدعم من الخطط الحكومية ذات الأهداف الطموح فى هذا المجال. وتوقع أن يبلغ إنتاج الإيثانول العالمى نحو 125 مليار لتر فى عام 2017، بما يعادل ضعفى حجم الإنتاج فى عام 2007. وذكر تقرير شاركت فيه منظمة الفاو أن نمو إنتاج الديزل الحيوى سيكون أسرع من الإيثانول ليبلغ نحو 24 مليار لتر بحلول عام 2017، مقارنة بنحو 11 مليارا فى نهاية العام الماضي. وأشار التقرير إلى أن نمو الإنتاج يحدث رغم توقع أن أسعار الديزل الحيوى العالمية ستبقى أعلى كثيرا من تكاليف إنتاج الوقود المعتمد على النفط ومشتقاته، وستستمر فى نطاق من 104 إلى 106 دولارات لكل مائة لتر لمعظم فترة التوقعات.
قمة عالمية للغذاء :
دعت منظمة الفاو، التابعة للأمم المتحدة، دول العالم لقمة فى روما فى الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2008 لبحث كيفية انقاذ العالم، لمنع انتشار الجوع والعمل على تقليصه، والتخطيط حتى ينتج العالم قدر احتياجه من الغذاء. وعرضت الخلافات السياسية القمة للفشل، فقد خرجت فى النهاية دون اتفاق على حلول جدية للأزمة، ودون اتفاق بشأن الوقود الحيوى، خاصة مع وجود معارضة أمريكية وبرازيلية لأى مراجعة لإنتاج الإيثانول. وقال البيان الرسمى للقمة 'نحن مقتنعون بأن الدراسات المتعمقة ضرورية لضمان أن إنتاج واستخدام الوقود الحيوى قابل للاستمرار'. وأعلن المشاركون فى قمة روما فى بيان لدى اختتامها أنهم ملتزمون بتقليص عدد الجياع فى العالم إلى النصف بحلول عام 2015 وتعهدوا بمحاربة الجوع. ولكن من الجدير بالذكر أن القمة التى عقدت من أجل مشكلة الغذاء فى 2002 كانت قد تبنت الهدف نفسه، بينما كان عدد الجوعى فى العالم 800 مليون شخص، ولم تتحقق تلك المعدلات بعد مرور ستة أعوام، وإنما بلغ عددهم الآن 850 مليون، إضافة إلى 100 مليون آخرين مرشحين للانضمام للجياع نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء.
وأكد بان كى مون -الأمين العام للأمم المتحدة- فى كلمة أمام قمة الغذاء بالعاصمة الإيطالية روما، عرض فيها خطة عمل أعدتها خلية الأزمة التى شكلت قبل شهر، وتضم رؤساء وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الاقتصادية الدولية -ضرورة زيادة إنتاج الغذاء بنسبة 50% بحلول 2030 لمكافحة الفقر. وقال المسئول الأممى إنه ليس هناك ما هو أكثر إذلالا من الجوع، وبصفة خاصة حين يكون من صنع البشر. كما ركز جاك ضيوف، رئيس منظمة الفاو التى تستضيف القمة، على أن الدول الغنية تنفق مليارات الدولارات على الدعم الزراعى لمزارعيها، وعلى الاستهلاك الزائد للغذاء أو إهداره، وعلى التسلح الذى بلغ حجم الإنفاق عليه 1200مليار دولار فى عام 2006.
وناقشت القمة اقتراحات الحل الواردة فى تقرير خلية العمل الخاصة التى شكلتها الأمم المتحدة لمتابعة أزمة الغذاء فى اجتماع وكالاتها المعنية بسويسرا فى شهر أبريل 2008، والذى يتضمن سلسلة إجراءات قصيرة وطويلة المدى، ربما يتطلب تطبيقها إنفاق مبلغ يتجاوز 15 مليار دولار. فعلى المدى القصير، يدعو التقرير لخفض الرسوم على الغذاء، وتوفير الدعم المادى للمزارعين الأكثر فقرا. أما على المدى البعيد، فيعول التقرير على أن يزيد العالم استثماراته فى القطاع الزراعي.
قال جاك ضيوف، مدير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، إن على الدول الغنية مضاعفة المعونات التى تقدمها للدول النامية من أجل تطوير الزراعة فيها، وذلك للتغلب على أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية التى يواجهها العالم حاليا. وقال ضيوف -فى مقابلة صحفية أجرتها معه صحيفة الفاينانشال تايمز اللندنية- إن حجم المعونات يجب أن يتضاعف عشر مرات ليصل إلى ثلاثين مليار دولار سنويا لمساعدة الدول النامية على رفع إنتاجها الزراعى (وهى نسبة لا تتجاوز 25 فى الألف من الإنفاق السنوى على السلاح).
وتسعى المؤسسات الدولية إلى البحث عن آفاق للخروج من أزمة الغذاء، حيث شهد التاريخ أزمات شبيهة كانت مرتبطة بازدياد الطلب والنمو السكانى، لكنها أدت إلى ازدياد الاستثمار فى الزراعة، لأن عائدها صار مجديا، ومن ثم أعادت بعض التوازن للدورة الاقتصادية. وقد أعلن البنك الدولى أنه سيخصص 1.2 مليار دولار لتخفيف أزمة الغذاء فى العالم، من ضمنها 200 مليون دولار على شكل هبات ستستفيد منها جيبوتى وهايتى وليبيريا. كما أعلن البنك أنه سينشئ صندوقا للمانحين للمساعدة فى تمويل صغار المزارعين بالبذور والأسمدة قبل موسم الزراعة الجديد.
وتشير التقارير الأخيرة إلى حدوث تحسن فى الإنتاج الغذائى المتوقع فى السنة الزراعية الجديدة، كرد فعل على الأزمة، حيث رفع مجلس الحبوب العالمى، فى تقرير له، تقديراته لإنتاج القمح فى العالم هذا العام إلى مستوى قياسى يرجى أن يخفف من أزمة غلاء الأغذية. فتوقع المجلس أن يرتفع إنتاج الموسم الحالى بمقدار خمسة ملايين طن ليبلغ 650 مليون طن. وأوضح أن أسعار القمح تراجعت بالفعل بنسبة تتراوح بين 25% و50% عن المستويات القياسية التى سجلتها فى مارس 8002. كما توقع المجلس وفرة محصول القمح الهندى، وتحسن معدل سقوط الأمطار فى أوروبا وروسيا وأوكرانيا ومناطق القمح الشتوى فى الولايات المتحدة.
كما يشار إلى أن أسعار الأرز التايلندى قد انخفضت من أعلى مستويات لها، بعد أن كانت قد تضاعفت فى آسيا ثلاث مرات هذا العام. وتشير التقارير إلى وفرة بالمحصول فى فيتنام، التى أعلنت عن زيادة 6% فى محصولها من الأرز، مما قلل المخاوف إزاء الإمدادات من آسيا، ثانى أكبر مصدر بعد تايلاند. وقد أدت الظروف الجديدة لخفض سعر الأرز التايلاندى القياسى إلى أكثر من 10% إلى 930 دولارا للطن بدلا من 1030 دولارا بنهاية مايو 8002.
إلا أن هذا التحسن لن يحل المشكلة الهيكلية التى تقتضى فى الأساس إرادة سياسية من دول العالم لإعادة الوزن للاستثمار الزراعى، وإصلاح مشاكله المزمنة فى الدول الأكثر فقرا، وهو أمر يقتضى إعادة ترتيب الأولويات بشكل يجعل الدول الأكثر اهتماما بحقوق الإنسان فى العالم تضع قضية الجوع والحق فى الحياة قبل السلاح وحتمية الموت