انفضت دورة مجلس الشعب بسحب المادة الأولي من قانون المحاماة، بناء علي توجيهات الرئيس مبارك للهيئة البرلمانية للحزب الوطني، التي حاولت تمريرها، وهو ما أثار جدلاً حول دستورية تدخل رئيس الجمهورية في أعمال البرلمان.. وبينما رأي بعض السياسيين والدستوريين أن تدخل الرئيس في مناقشات وأعمال المجلس لا ينتقص من سلطات البرلمان، أكد البعض الآخر أن هذا التدخل يخلق نوعًا من الخلل في اتخاذ القرار داخل المجلس.
وصف علاء عبدالمنعم، النائب المستقل، تدخل الرئيس مبارك لمنع تمرير المادة الأولي من قانون المحاماة، بتشكيل مجلس مؤقت للمحامين يتكون من نقيب ورؤساء نقابات فرعية، والسعي لفرض حراسة قانونية علي النقابة، بأنه أنقذ الحزب الوطني من فضيحة، ومنع حدوث كارثة في مصر. ولفت النائب إلي أنه من المفترض أن هناك نوابًا معينين في المجلس مهمتهم ضبط التشريعات التي يعتريها عوار وقصور قانوني، مؤكدًا أنه كان لزامًا عليهم الانتصار للحق والقانون وعدم الالتفاف حول الشرعية.
وقال النائب المستقل محمد العمدة إن تدخل الرئيس مبارك في لحظات حاسمة لا يكون اعتباطًا، لافتًا إلي أن أي قانون في الأساس يكون باختيار الحزب، فهناك مستشارون للرئيس يقومون بوضع هذه القوانين، وبالتالي فالرئيس يعلم كل شيء فقد يتم الزج ببعض القوانين وموادها وإذا تم تمريرها في غفلة يتم الأمر بهدوء لو تم عدم تمريرها من خلال المناقشات أو عمل مظاهرات أو احتجاجات فإن الرئيس يتدخل لحل الأزمة.
وأشار النائب إلي أن الوضع العام للنظام المصري يكرس السيطرة علي كل شيء مثل القضاء علي أن يكون مثلاً وزير العدل رئيسًا لمجلس الهيئات القضائية بالمخالفة لمبدأ استقلال القضاء فالدولة تسعي للسيطرة علي كل النقابات وتفرض عليها الحراسة.
ويؤكد البدري فرغلي، عضو مجلس الشعب السابق، أن الدستور المصري ينص علي أن من لهم الحق في التشريع، رئيس الجمهورية أو عضو مجلس الشعب، لافتًا إلي أنه عندما تتقدم الحكومة بقانون يكون موقعًا من رئيس الجمهورية وليس رئيس الوزراء أو أحد الوزراء.
وأضاف فرغلي أنه عندما تحدث أزمة بين الحكومة وأعضاء المجلس حول أحد القوانين يتدخل الرئيس لإنهائها، مشيرًا إلي أنه لا يمكن أن تعدل أي مادة في أي قانون إلا بمعرفة الرئيس وموافقته الشخصية.
وأوضح فرغلي أن أخطر شيء هو أن يتحول التشريع إلي تشريع الرئيس والحكومة فقط، أما حق عضو مجلس الشعب في التقدم بقوانين، كما ينص الدستور المصري ولائحة مجلس الشعب، فهو حق علي الورق فقط.
وشدد فرغلي علي أنه لا يمكن لأي عضو بالمجلس أو مجموعة من الأعضاء أن يوقعوا علي مشروع قانون أو يتقدموا به ويري النور إلا إذا وافقت الحكومة عليه وبالتالي تم سلب حق أصيل للنواب في المشاركة في التشريع.
وانتقد فرغلي ما يردده الدكتور فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب، من أن الرأي للجميع والقرار للأغلبية فقط، مؤكدًا أن هذا يعني تنحية مشاركة النواب فالمفروض أن البرلمان يأخذ القرار بالحوار وليس بالأغلبية، مؤكدًا أن ذلك دليل واضح علي إهدار الحقوق الدستورية.
وانتقد الدكتور إبراهيم درويش، الفقيه الدستوري، تركيز سلطات النظام السياسي في شخص واحد هو رئيس الجمهورية، فهو رئيس الدولة والسلطة التنفيذية والحزب الحاكم والمجلس الأعلي للهيئات القضائية، وجميع سلطات الدولة مباشرة أو غير مباشرة في يده.
وأضاف درويش: إننا نحكم بشخص واحد ولا يوجد سلطات للدولة غير موقع رئيس الجمهورية فلا يوجد أحزاب سوي الحزب الحاكم ولا يوجد قضاء ولا سلطة قضائية مستقلة وإنما قد يوجد قضاه مستقلون فالسلطة القضائية يتدخل فيها الرئيس مباشرة من خلال وزير العدل واصفًا السلطة التشريعية في مصر بأنها تابعة وواهنة.
وأوضح أن مجلس الشعب لا يستطيع أن يغير من مضمون أي قانون يرسله رئيس الجمهورية بالإضافة إلي تعودنا علي تدخل الرئيس تليفونيا في إنقاذ المجلس حين يكون «العدوان» غليظًا من قبل الحكومة علي السياسة التشريعية وكثيرًا ما يحدث وآخرها قانون المحاماة.
وأكد درويش أن مشروع قانون المحاماة هو شخصنة تشريعية فاسدة لأنه كان يجب أن يعرض أولاً وأخيرًا من قبل مجموع المحامين، فحين يتدخل الرئيس يكون ذلك لأن المشروع لم يعرض عليه بتفصيلاته الفاسدة، وهو من حقه التدخل لطبيعة النظام السياسي المركز في شخصه موضحًا أن الرئيس سبق أنتدخل في قوانين كثيرة أشهرها «حبس الصحفيين» و«قانون الهيئات القضائية».
وقال بهاء أبو شقة المحامي وعضو الهيئة العليا بحزب الوفد إن تدخلات الرئيس في مجلس الشعب حق دستوري له فهو من حقه عرض قوانين وليس في تدخله إنقاص من سلطة المجلس وإنما وفقًا لصلاحياته الدستورية يصدر قرارات بقوانين في حالة غياب المجلس وعند انعقاده تعرض عليه.
وأضاف أن الرئيس من المفروض أنه فيصل بين السلطات وله الحق في التدخل فهي ليست بدعة ولا انتقاصة من سلطة المجلس.
وأوضح الدكتور ثروت بدوي، الفقيه الدستوري، أن أعضاء الحزب الوطني في مجلس الشعب ليس لهم إرادة مستقلة وليس لهم دور في اقتراح مشروعات القوانين ولا في الموافقة أو الرفض وإنما يعملون دائمًا بتوجيهات من قيادات الحزب أو الحكومة.
وأشار بدوي إلي أن الرئيس حسنًا يفعل حينما يوجه أعضاء الوطني إلي إلغاء نص غير دستوري في مشروع قانون مقدم للعرض علي المجلس.
ويدلل الدكتور وحيد عبدالمجيد، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات، بتدخل الرئيس مبارك لتعديل مواد وافق عليها نواب الشعب علي وجود خلل في اتخاذ القرار داخل البرلمان المصري.
وأشار عبدالمجيد إلي ما وصفه بـ «الكارثة» وهي أن مجلس الشعب لا يستطيع أن يتخذ قرارًا دون تدخل الرئيس والذي دائمًا يتدخل بما يتناسب مع المصلحة العامة بعد موافقة أغلبية المجلس وهو ما يضع علامة استفهام حول هؤلاء الأعضاء ومدي جدارتهم بتمثيل الشعب.
من جانبه أكد الدكتور أحمد ثابت، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الرئيس يريد أن يكون هو المرجعية النهائية لتسوية الخلافات في كل شيء، ويصر أن يكون صاحب المبادرة في أي مطلب شعبي.


